معاذ السراج
معاذ السراج
3.8 k

الغرب إلى جانب النظام الأسد

12/6/2019

على الرغم من وعودها التي أخذتها على نفسها، بإحلال السلام والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وأشغلت بها الرأي العام في الكثير من البلدان، لاسيما في الشرق الأوسط، لكن القوى الأوروبية لم تكن يوما مستعدة للتضحية من أجل مساعدة الشعوب والوقوف معها في محنتها ومعاناتها، ومع أنها لم تكن بعيدة عن الصراعات الدائرة في المنطقة العربية إلا أنها، وفي أقل تقدير، لم تكن محايدة أبدا في مواقفها وسياساتها، وسورية أحد الأمثلة الصارخة على ذلك، وخاصة في ضوء "التردد الغربي" تجاه الصراع الدائر في سورية منذ عام 2011، وخاصة في ضوء فداحة الكارثة الإنسانية التي حلت بالسوريين منذ ذلك التاريخ.

 

من المؤكد أن المصالح الاقتصادية وحدها، إن وجدت، لا تكفي لتفسير أو فهم السياسات الغربية ومواقف الدول مما يحدث في سوريا، فسوريا ليست العراق ولا السعودية، وعلى الأقل، هذا ما تقوله الأرقام بعيدا عن التهويل الإعلامي. حجج عديدة سيقت في معرض تبرير المواقف الغربية، لا تقتصر على توصيف طبيعة هذه البلاد وطبيعة أهلها، ووسمها بـ"العقلية الفوضوية" تارة، وتعدد الأعراق والإثنيات، تارة أخرى، كما يرد عادة في الأدبيات الغربية ناهيك عن تحليلات في الاستراتيجيات وسياسة المصالح، لكن الواقع يقول إنها المبررات والذرائع ذاتها التي سيقت على مدى عقود سابقة، في معرض تسويغ التدخل الخارجي في هذه البلاد من أجل "إعادة تنظيمها"، و"تسوية أوضاعها"، بطريقة تطال الماضي والحاضر والمستقبل على حد سواء. بعيدا عن التحليلات السياسية والأيديولوجية، فإن هذه الورقة ستقتصر على قراءة سريعة في المواقف التي اتسمت بها السياسات الغربية بما فيها الأمريكية تجاه حافظ أسد وتجاه ابنه ووريثه بشار منذ صعود هذه العائلة إلى سدة الحكم في سوريا في 16 تشرين الثاني عام 1970.

 

مقدمة
خلال سبعينات وثمانينيات القرن الماضي، كان الاضطهاد والعنف السياسي السمة البارزة لسلوك النظام في سوريا، وكانت الدوائر الغربية على علم تام بكل ما يحدث دون أن تبدي ردة فعل سياسية أو إنسانية

لطالما تمتع حافظ الأسد بتقدير حسن في أوساط الدبلوماسية الغربية، وهو الذي يتحكم منذ عام 1970 بأقدار أحد أهم بلدان الشرق الأوسط وأكثرها حساسية، بتعداد سكانه الإثني عشر مليونا في ذلك الحين، ومساحته التي تقرب من مساحة بريطانيا العظمى ولم يُعرف من قبل لرئيس دولة أو أمير أو ملك في الشرق الأوسط أن حظي بمثل هذا التقدير، على الرغم من أن الكثير من هؤلاء هم حلفاء حميمون للغرب، بخلاف النظرة العامة لحافظ أسد، التر تُظهره على الدوام كعدو للغرب وقائد للممانعة. ومن النادر أن تجد رجال دولة أو مسؤولين أوروبيين أو أمريكان لم يكيلوا له المديح، -حتى لو كان مديحا باردا-، في معرض ذكرهم لطبيعة نظامه الذي "لا مناص منه" حسب تعبيراتهم الدبلوماسية المنتقاة بعناية.

 

من الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار دستان مرورا بالرئيس ميتران وصولا إلى ساركوزي، ومن الرئيس ريتشارد نيكسون إلى الرئيس بوش الأب إلى هنري كيسنجر إلى جيمس بيكر وزير خارجية الولايات المتحدة، وغيرهم من المسؤولين الأوروبيين والأمريكان كلهم حيّوا في مناسبة أو أخرى ما أسموه بـ(حكمة) و(ذكاء) و"واقعية" حافظ أسد وحنكته وتجربته. ودائما ما تم تسويق نظام عائلة أسد لدى الغرب وزعمائه وإبرازه على أنه الأفضل من بين من يمكن التعامل معهم، وهو الموقف الذي يختصر القراءة الغربية وبتعبير أدق وجهة نظر المصالح الغربية في سوريا والشرق الأوسط والذي لم يزل مستمرا حتى اليوم، ولم يكن موقفا سياسيا آنيا وحسب، إنما كان حصيلة أبحاث ودراسات وأفكار وآراء مجموعة كبيرة من الكتاب والإعلاميين والمعلقين والمستشارين الغربيين والأمريكان.

 

وعلى سبيل المثال فلو أراد أحد أن يحصي صفات المدح التي يسبغها باتريك سيل على الرئيس الأسد لوجد صعوبة بالغة، على حد قول جوزيف سماحة فهو في نظر باتريك سيل: "وطنيّ، وقوميّ، وديمقراطيّ، ومقاتل، واستراتيجي، من الطراز الأوّل، ومثقّف كبير، ووحدويّ، واشتراكيّ، ومحبّ لبلاده وشعبه، وحريص على الفلسطينيين واللبنانيين".. صفات لا يحظى بها حتى أعظم قادة الغرب نفسه. وباستثناء عدد محدود من الباحثين والكتاب، أمثال ميشال سورا (مؤلف كتاب سوريا الدولة المتوحشة) ودانييل لوجاك (مؤلف كتاب سوريا في عهد الجنرال حافظ الأسد)، فإن الغالبية العظمى لا يزالون مأخوذين أو شغوفين بشخصية رئيس النظام السوري حافظ أسد، ربما "لأنهم لم يعيشوا داخل سوريا ولم يعرفوا العنف الشرس لهذا النظام"، كما يقول دانييل لوجاك، وربما أن "الأمر لا يعنيهم من هذه الناحية"، ومن يدري فقد تكون هناك دوافع أخرى لهذا الشغف والاهتمام.

 

سنوات العنف والاضطهاد

خلال سبعينات وثمانينيات القرن الماضي، كان الاضطهاد والعنف السياسي السمة البارزة لسلوك النظام في سوريا، وكانت الدوائر الغربية على علم تام بكل ما يحدث دون أن تبدي ردة فعل سياسية أو إنسانية. هيمنت السياسات الأمنية على البلاد، وتضاعفت أعداد أجهزة المخابرات والميليشيات الطائفية، وأصبح من المعتاد سماع أخبار الملاحقات والمداهمات والقمع والتعذيب، والصدامات الدموية في شوارع المدن السورية، وخاصة العاصمة دمشق. في عام 1980 وحده، كانت هناك الكثير من المذابح والمجازر وأحداث العنف الرهيبة، من بينها مذبحة جسر الشغور في 9 و10 آذار 1980، التي راح ضحيتها ما بين 150 و200 من الضحايا، وحوادث العصيان المدني في حلب في ربيع 1980، وراح ضحيتها ما بين 1000 و2000 مواطن، ومجزرة سجن تدمر في 27 حزيران 1980، وراح ضحيتها قرابة 1000 ونحو 400 في حماة أثناء تمشيطها بين 23 و27 نيسان عام 1980 وغيرها من الأحداث التي كانت تعم جميع المناطق السورية تقريبا، ومع هذا فقد رفض الغرب على الدوام فكرة التدخل أو الإدانة المباشرة بل وحتى الحديث عن تلك الأحداث وتغطيتها إعلاميا، في وقت كانت كل السفارات الغربية على اطلاع تام، وعلم دقيق بما يحدث وبالسرعة والتفصيل الكافيين، لكنها كلها تقريبا لم تُبدِ أي اهتمام يُذكر حتى لو كان على سبيل القلق والانزعاج ووفق التعابير الدبلوماسية الغربية كما درجت عليه العادة.

 

اختتمت تلك الأحداث المأساوية بمجزرة حماة الكبرى في 2 شباط 1980، التي سقط فيها أكثر من ثلاثين ألفا حسب التقارير الغربية نفسها، لكن الصمت المريب ظل هو سيد الموقف. بل إن صحيفة اللوموند الفرنسية، شأنها شأن العديد من الصحف الغربية البارزة وفي عددها ليوم 13 شباط 1982 مقالة بعنوان: "التراث أو الموت"، حول انتفاضة مدينة حماة، مشيرة من ناحية أخرى وبأسلوب توفيقي تصالحي يعكس ترحيبا بما جرى هناك إلى أن المدينة ظلت متصلبة وحبيسة تقاليد قديمة ومحصورة فيما يُطلق عليه العرب اسم "التخلف". من جهته فإن حافظ أسد لم يكترث لفعل أي شيء يُذكر لتحسين صورته لدى الغرب أو أمريكا بل استمر في التمادي في سياساته الداخلية الدموية والفاسدة وأكثر من هذا، فقد انتقل للقيام بملاحقات واغتيالات في العواصم والمدن الأوروبية نفسها وحدث من العمليات في أوروبا ما كان كفيلا بأن يدفع الساسة الغربيين لاستخدام لهجة الحزم والشدة، كما يفعلون عادة في مثل هذه الأحوال، لكن الأمر بالنسبة لحافظ أسد وحتى ابنه بعده ظل مختلفا على الدوام وبقيت ردة فعل الأوروبيين أقل من أن تثير قلق حافظ أسد بل ربما قرأ فيها رسالة إيجابية مطمئنة.

 


في 17 آذار 1981 وفي ألمانيا اتُّهم ثلاثة سوريين يحملون جوازات سفر دبلوماسية باغتيال السيدة بنان الطنطاوي زوجة الأستاذ عصام العطار وابنة الشيخ علي الطنطاوي، وفي إسبانيا اتُّهم سوريون تابعون للنظام باغتيال المعارض الإسلامي محمد الصباغ، لكن هذا ليس سوى غيضا من فيض. فقد شهدت فرنسا وعاصمتها باريس على وجه التحديد موجة من حوادث الاغتيال والتفجيرات بين السبعينات والثمانينات قامت بها مجموعات تنطلق من سوريا ولبنان حيث نفوذ حافظ أسد ومن هذه الأحداث اغتيال يوسف مبارك الناشر الفلسطيني في باريس في كانون ثاني  1980 وفاضل داني الرجل الثاني في منظمة التحرير في فرنسا في تموز  1982 والهجوم على مطعم غولدنبرغ، لكن الحدث الأبرز كان اغتيال صلاح الدين البيطار وهو واحد من أشهر الوجوه الدمشقية في السياسة السورية المعاصرة، ومن مؤسسي حزب البعث، ووصل إلى منصب رئيس الوزراء، صدر بحقه حكم غيابي بالإعدام عام 1966، لكنه كان فرّ إلى لبنان وأقام هناك ثم غادر إلى فرنسا طلبا للأمان بعد دخول حافظ أسد إلى لبنان عام 1976، لكن الأخير لاحقه إلى فرنسا، فاغتيل عام 1980 على باب صحيفته التي كانت تنشر قبل مقتله وعلى مدار أسابيع، أخبارا عن المجازر التي كانت تشهدها سوريا على يد نظام الأسد وبالاشتراك الكامل لسفارة النظام هناك ممثلة بالعقيد نديم عمران والمقدم أحمد عبود (الذي أصبح مديرا لمكتب حافظ أسد في الثمانينات ولاحقا مديرا لمكتب بشار الأسد). ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى اختطاف السفير الفرنسي دي لامار في لبنان، والكاتب والباحث ميشال سورا، وتعذيب الأخير ثم تصفيته لاحقا.

 

اغتيل في زمن حافظ الأسد، الإعلامي السوري المنشق منير الأحمد، شقيق الشاعر بدوي الجبل عام 1992. وكذلك يؤكد بعض الصحافيين أن شقيقهما الآخر أحمد قد مات في أوروبا عام 1993 اغتيالا على يد عناصر من النظام لأنه أعلن انشقاقه عن نظام الأسد. وأحمد الأحمد أستاذ جامعي بالفلسفة. عام 1976، أعطى الغرب لحافظ أسد تفويضا مفتوحا في لبنان، وأجمع قادة العالم الغربي كله على تقدير "التدخل السوري"، وهنأ الأمريكان والأوروبيون بعضهم بعضاً "مع قدر من الصلافة والسذاجة"، والتعبير لدانيال لوجاك، لوجود الجيش السوري فيها والذي سيسمح للبنان باستعادة "سيادته" أخيرا، هكذا كانت التعابير الدبلوماسية تتلوى على ألسنتهم. وحتى بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1987، وطرد الجنود السوريين من بيروت بأسلوب "مذل ومهين" وبدون "أمجاد"، كما يقول دانيال لوجاك، لم يجد الغربيون شيئا ليقولوه أو ليعيدوا قوله، وعندما عاد الجنود السوريون المطرودون إلى بيروت مجددا، لم يكن ذلك لمواجهة الإسرائيليين واستعادة كرامتهم المهدورة وإنما لإنهاء المواجهات المستمرة للميليشيات اللبنانية فيما بينها أو بينها وبين المنظمات الفلسطينية.

 

لم تعكر كل السياسات الدموية للأسد في لبنان ولا عشرات الاغتيالات التي ارتكبها أتباعه هناك، صفو العلاقات الغربية بحافظ أسد إلا لماما لكنها وبكل الأحوال لم يصل إلى حد القطيعة، مع أنها لم تقتصر على السوريين المعارضين أو الفلسطينيين، وطالت شخصيات هامة وحليفة للغرب ولفرنسا تحديدا، ومن بينها بشير الجميل رئيس لبنان في تفجير رهيب في 14 أيلول 1982، تركه أثرا بعد عين، والرئيس رينيه معوض، ورئيس الوزراء رشيد كرامي،  ثم مطاردة ميشيل عون (رئيس لبنان) في بيروت، ودائما بمباركة الأمريكيين والتجائه للسفارة الفرنسية في بيروت قبل أن يسمح له بالمغادرة إلى باريس. في أواخر عام 1984 قام فرانسوا ميتران الرئيس الفرنسي، بزيارة دمشق في مسعى "لاحتواء صلف حافظ أسد وجماعاته" كما يدّعون، ومنذ عام 1986 أصبحت باريس راضية جدا عن روح التعاون الذي أبدته دمشق بعد الاعتداءات التي حصلت في باريس على العديد من الشخصيات.

 

الدبلوماسية الأمريكية وحافظ أسد

وبالنسبة لأمريكا التي لم يكن لديمقراطيتها أي قاسم مشترك مع النظام الحاكم في سوريا، فهل كان من قبيل الصدفة أن يأتي المديح الأكثر تملقا لحافظ أسد من رئيس الولايات المتحدة ريتشارد نيكسون، ووزير خارجيته آنذاك هنري كيسنجر. يتحدث باتريك سيل عن العلاقة الحميمية التي توطّدت كثيرا بين حافظ أسد وكيسنجر، إلى حدّ أنّهما أمضيا معاً في الفترة الممتدة من ٢٩ نيسان/ أبريل إلى ٢٩ أيار/مايو ١٩٧٤ حوالي ١٣٠ ساعة، سجّل خلالها كيسنجر ٢٦ حالة وصول ومغادرة إلى مطار دمشق، الأمر الذي كان من دواعي سرور الطرفين كليهما على ما يبدو، حتى باتريك سيل، كاتب سيرة حافظ أسد وأحد أهم مروّجي سياساته لدى الغرب والأمريكان، لم يجد ما يقوله سوى أن: "الأسد كان متشوّقاً لتعلم الكثير عن العالم، ووجد كيسنجر معلّماً خصوصياً جاهزاً".

 


أما كيسنجر نفسه فقد وصف التفاوض مع حافظ أسد بـ"الأمر البالغ الصعوبة" في إطراء مغرٍ ومثير، حين كان يسعى "لينتزع من حافظ أسد اتفاقا لإطلاق سراح بضع عشرات من الأسرى الإسرائيليين مقابل تخلي الدولة اليهودية عن مساحة من هضبة الجولان المحتل"، وكانت هذه المساحة في الحقيقة مدينة القنيطرة. ثم لا يلبث أن يتبيّن لاحقا، وبعكس الإشاعات التي راجت بعد ذلك الاتفاق، أن الإسرائيليين الأسرى كانوا من الجنود الشباب في جيش -تساحال- وأنهم لم يعذبوا أو يُضطهدوا، بل إنهم عوملوا معاملة حسنة في الأسر، بعكس ما كان يحدث للمعارضين السوريين آنذاك، لكن المفاجأة الأكبر جاءت من إسرائيل نفسها، التي قامت "بلدوزراتها" بتدمير ما تبقى من القنيطرة المحتلة عاصمة الجولان (وتسوية كل بناء فيها بالأرض) قبل تسليمها لحافظ أسد، الذي حوّلها بدوره إلى متحف للأنقاض، ولم يسمح لأحد من سكانها بالعودة إليها.

 

يرى عدد من المتابعين للسياسة الأمريكية تجاه سوريا، أنه من اللافت للنظر أن المواقف لم تتغير في جوهرها منذ عام 1970 مع أنها مرت بمراحل من الفتور والتراخي، ومنذ ذلك التاريخ على الأقل، وهو تاريخ استلام حافظ أسد للسلطة في سوريا، وباستثناء سنتين، (1981-1982) عندما كان وزير الخارجية ألكسندر هيج، لم تعترض الولايات المتحدة على سياسات حافظ أسد، بل باركتها وأشادت بها وخاصة فيما يتعلق باتفاقات وقف إطلاق النار مع الإسرائيليين، وقبول قراري مجلس الأمن 242  و338، وهي التي أعطته الضوء الأخضر لدخول لبنان عام 1976، وساندت كل سياساته التي انتهجها هناك، وتكفلت حينها بإقناع الإسرائيليين بدخول حافظ الأسد للبنان، هذا إذا صح أنهم كانوا معترضين عليه من الأساس.

 

ولا عجب بعد هذا كله أن يدخل حافظ أسد لاحقا من ضمن تحالف أمريكا الدولي لمهاجمة العراق عام 1991، بل وحتى بعد اجتياح العراق من قبل جورج بوش الابن عام 2003، وتم ترويجه حينها من توقعات بأن الدور التالي هو على بشار أسد فقد تبين سريعا أنها لم تكن سوى فقاعات إعلامية، لذر الرماد في العيون، مع أن الأمريكان كثيرا ما اتهموا نظام بشار بتسريبه مقاتلين إسلاميين إلى العراق، وفعل ذلك نوري المالكي رئيس وزراء العراق مهدد بمقاضاة السلطة السورية أمام مجلس الأمن.

 

بشار أسد الوريث المدلل
خارجيا، لم يتوقف النظام عن الإفساد والتخريب في لبنان، واندفع متشجعا بالصلف والتجبر المتجذرين فيه للقيام بسلسلة واسعة من عمليات التفجير والاغتيال طالت الكثير من الصحافيين والوزراء

في السطور التالية سنرى إلى أي حد بلغ التسلط والفساد والجبروت الأمني والاستخباراتي لدى السلطة الحاكمة في سوريا بحيث تجذر لديهم الشعور بالصلف والتجبر، بات معه الخروج منها ضرب من الخيال. أتاحت وفاة حافظ أسد، بداية جيدة للفرص المتاحة والظروف الممتازة التي خدمت النظام وتضافرت معها العديد من العوامل في المنطقة والعالم لتمنح بشار الأسد وسلطته التي ورثها من أبيه رخصة حياة جديدة.

 

كان بشار أسد محظوظا جدا بالظروف المواتية التي خلفتها الحرب على العراق، واستعصاء الحالة الفلسطينية والتوترات مع لبنان، لكن كل هذا الانفتاح والتغير في الأجواء الإقليمية لم يحدث أي أثر يذكر في سياسة بشار أسد الداخلية أو الخارجية، و(كمستثمرين في الخراب) كما يقول حازم صاغية، لم تتمكن سلطة بشار من تحويل أي من تلك العوائد الثمينة إلى نتائج إيجابية لصالح السوريين، وبقيت الأمور على حالها دون تغيير يذكر. وفيما كان المتوقع أن يقوم بشار بإجراءات إيجابية على مستوى الداخل السوري، خاصة بعد الانفتاح الذي شهدته بداية حكمه، والذي شجع على انطلاق بعض النشاطات فيما سُمّي حينها بربيع دمشق، لكن الأمر لم يطل، وسرعان ما حدث العكس تماما، فقد عادت الحملات الأمنية من جديد واتسعت بين 2006 و2008 فسُجن أو أُعيد إلى السجن المئات من الناشطين والصحافيين والكتاب وناشطي حقوق الإنسان، وحُجبت المواقع الإلكترونية، وشُدِّدت الرقابة اللصيقة على المواطنين. واستئنافا للتقليد العائلي الذي بدأه رفعت أسد بالهجوم على سجن تدمر وتصفية المئات من المعارضين الإسلاميين، فقد قاد ماهر الأسد حملة مماثلة على سجن صيدنايا، حيث تكررت مأساة قتل وجرح أعداد كبيرة لا تزال إحصاءاتها الحقيقية مجهولة حتى اليوم.

 

واستمرت سياسة تفكيك المجتمع وهيمنة الفاسدين، وازدادت نسب المهاجرين من أجل العمل وخاصة إلى لبنان والأردن حتى أصبحت ظاهرة ملفتة، وبات ما يقرب من ربع أو ثلث السكان تحت خط الفقر. بقيت الشعارات في واد والسلوك في واد آخر. ولم تخرج سوريا بشار عن سياسة التخبط الذي حاول حافظ أسد التحايل عليه طيلة أكثر من ثلاثين عاما، عبر مفاقمته بالخفاء والتهرب منه باتجاه الإقليم والخارج.

 

خارجيا، وهو موضوع بحثنا، لم يتوقف النظام عن الإفساد والتخريب في لبنان، واندفع متشجعا بالصلف والتجبر المتجذرين فيه للقيام بسلسلة واسعة من عمليات التفجير والاغتيال طالت الكثير من الصحافيين والوزراء، من بينهم الوزير جبران تويني والصحافي سمير قصير والإعلامية مي شدياق -أصيبت إصابات فادحة وفقدت بعض أطرافها-، وعادت نغمة العنف وإرهاب الدولة السورية لتهيمن من جديد، حتى وصل الأمر إلى اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري بتفجير سيارته في 14 شباط 2005، وقتل 22 من مرافقيه بينهم وزير، والحريري كما هو معلوم، يُعدُّ من أهم حلفاء فرنسا في لبنان، ومرة أخرى نعود إلى المواقف الغربية الملتبسة وخاصة فرنسا، يقول حسن صبرا في كتابه "سقوط عائلة وعودة وطن" وعلى لسان وليد جنبلاط، "أن مما يبعث على السخرية المرّة، أن الفرنسيين لم يكونوا يملكون أكثر من تحذيرنا، (أي جنبلاط والحريري) بأن كليهما مستهدفان بالقتل"، وأن عليهما أخذ الحيطة والحذر ونُصحا بالمغادرة إلى باريس.

 

يحدث كل هذا، وحظوة بشار أسد لدى الفرنسيين، تزداد أكثر وأكثر، وكأنها انتقلت إليه بالوراثة من أبيه، كوراثته للحكم، لا يلبث الفرنسيون بعد ذلك أن يستقبلوا بشار أسد في قصر الإليزيه في عهد ساركوزي الذي زار سوريا مرتين (في أيلول عام 2008، ثم في أوائل عام 2009)، وفي الإليزيه لا يفوّت بشار فرصة ممارسة صلفه وكبرياءه، وفي حديثه للصحفيين يستهزئ بلبنان -حليفة الفرنسيين الأولى وقاعدة نفوذهم الأولى في الشرق الأوسط- وهو يقهقه ويضحك مستخدما عبارة "استئلال لبنان" (من التقليل باللهجة الشامية).

 

اقتداء بفرنسا، راحت الدول الأوروبية تستقبل بشار الأسد الواحدة تلو الأخرى.. وبالتزامن مع هذه الخطوات يأتي الانفتاح الأمريكي في عهد أوباما، عملا بتوصيات لجنة بيكر - هاميلتون التي دعت للانخراط مع سوريا في عمل سياسي فعال، فزارها عدد من المسؤولين وأعضاء الكونغرس، ومنذ عام 2005  سيصبح روبرت فورد سفيرا لأمريكا في دمشق، والغريب أنه فيما كان الهدف من هذا التقارب أو التقرب -حسب الأمريكيين- هو محاولة لفصل سوريا عن إيران فإنه وبعد عشرة أيام من تعيين فورد، كان بشار أسد وعلى نحو احتفالي واستفزازي يستقبل في دمشق رئيس إيران أحمدي نجاد وحسن نصرالله في موقف لافت، ربما تفسره العديد من الأحداث السابقة واللاحقة.

 

رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري


إقليميا وبدفع من الأمريكان، عادت العلاقات مع السعودية للتحسن، وأمكن للقمة العربية أن تنعقد بدمشق في آذار 2008، وزار الملك السعودي عبد الله سوريا في تشرين الأول 2010 تحت الشعار الأمريكي ذاته (فصل سوريا عن إيران)، وبتأثير من السعودية قام سعد الحريري بزيارة دمشق بعد أقل من شهرين. أما تركيا، الدولة الإقليمية الأهم، فلم تشذ عن أجواء الانفتاح هذه، فبدأت بالتقارب مع بشار أسد منذ عام 2004، تحت شعار سياسة الانفتاح التي انتهجها حزب العدالة والتنمية، فأُلغيت التأشيرات المتبادلة عام 2009، وفي 2010 تم توقيع مذكرة تفاهم لبناء سد على نهر العاصي رمزا للتعاون، وتدفقت السلع التركية إلى الأسواق السورية المتعطشة، وصارت حكومة العدالة والتنمية من الأصدقاء المقربين بعد جفوة مع تركيا منذ أزمة تسليم أوجلان عام 1998.

 

وهكذا، وبفضل السياسات والمواقف الغربية والأمريكية، عاد نظام عائلة أسد ليزهو مجددا بإنجازاته السياسية والدبلوماسية، وسط جو مفعم بالترحيب والاحتفاء هيأتها له الدبلوماسية الغربية كما فعلت مع أبيه من قبل. لم تكن الشعارات العريضة والمواقف المعلنة المعادية للغرب وأمريكا، على حقيقتها في يوم من الأيام، ولم يكن "للخطابات علاقة كبيرة بالواقع، إلى حد أن عنف الخطاب ليس له من هدف إلا خداع الرأي العام الذي لا يفهم جيدا التغيير المتكرر في التوجهات السياسية، -والحقيقة ألا أحد يعيرها أي اهتمام- ليس هناك قط إلا خطاب موال للأمريكان والغرب، والذي لا يفاجئ لا الأمريكان الذين يعرفون أن الأمور الأساسية تجري في مكان آخر، ولا الشعب السوري الذي تعب من هذه الحذلقات المتفاخرة قالها  دانييل لوجاك قبل حوالي ثلاثة عقود، في كتابه "سورية في عهد الجنرال الأسد".

 

خاتمة

قبل ثمان سنوات، وفيما كانت صحيفة "وول ستريت جورنال" تنقل عن بشار الأسد أن نظامه في مأمن من الثورات لأنه "في سياسته الخارجية والإقليمية، منسجم مع شعبه"، كانت هيلاري كلنتون وزيرة خارجية أمريكا تطلق تصريحاتها في ذلك الحين بأن "سوريا ليست ليبيا وليست تونس"، في إشارات لم تكن مفهومة في حينها، لكنها اليوم تبدو أكثر وضوحا منها في أي وقت مضى. خاصة وأنه قبل 15 آذار 2011 لم تكن هناك ثورة بعد، بل كانت مجرد إرهاصات ولم يتوقع أكثر الناس تفاؤلا أو تشاؤما شيئا مما يحدث اليوم وحتى هذه الساعة. قد لا تبدو السياسات الأوروبية والأمريكية تجاه سورية اليوم، في ضوء هذا الإيجاز البسيط، مستغربة وعصية على الفهم، وهي في الواقع لا تخرج المسار المألوف خلال خمسة عقود، حتى لو كانت في ظل ظروف أكثر قسوة وشدة، تتمثل بأسوأ مأساة يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

 

عشية اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005، تفجرت تظاهرات عارمة في لبنان تطالب بخروج الجيش السوري من لبنان، وسط ضغوط إقليمية ودولية كبيرة، أصيب السوريون حينها بالرعب، خشية انتقام اللبنانيين الذين عانوا لعقود من الإذلال والهيمنة واصطف مئات الآلاف من العمال السوريين في طوابير عند نقطة المصنع هاربين إلى بلادهم ومخلفين وراءهم كل شيء، فيما لجأت أعداد أخرى إلى مناطق حزب الله في تلك الليلة اجتمع القادة المعارضون للوجود السوري وكان طلبهم الموحد خروج النظام من لبنان وانتهاء وصاية عائلة أسد عليه، يقول شاهد عيان تكلم السفير الأمريكي، وكان حاضرا، وطالب الجميع بالهدوء وضبط الأعصاب والتريث في اتخاذ القرار ريثما تهدأ الأزمة. بعد خروج السفير الأمريكي، تكلم وليد جنبلاط قائلا: أمريكا لا تريد خروج الجيش السوري من لبنان، لا تخدعنّكم عبارات السفير، هذه فرصة تاريخية إن لم يخرج السوريون اليوم فلن يخرجوا أبدا..". فقط بثمن الدم، دم الحريري، كان ما أرادوا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة