قراءة في رواية مسافة في عقل رجل

12/6/2019

واصل علاء حامد رحلته في سبر أغوار الجنة، حيث التقى هناك بالنبي نوح، وتطرق إلى دعوته الناس إلى عبادة الله، وما قام به بعد أن جمع أهله وعشيرته فيها، كما اصطحب معه الحيوانات من كل نوع زوجين، وتساءل الكاتب عما تنطوي عليه هذه الأسطورة من إكراه الناس على اعتناق عقيدة نوح، هذا الأخير خيّرهم بين الموت أو اتباعه فوق سفينته، وقد فسر الكاتب هذا الأمر على أن من أمن بنوح عن خوف فقد مات على الكفر، لأن مفهومه حول العقيدة لم يتغير، بل كل ما في الأمر أنه ساير نوح في عرضه خوفا من الموت، أما أولئك الذين غرقوا، فقد فشل نوح في إقناعهم بعقيدته. وهكذا طرح الكاتب سؤالا عميقا: هل يمكن أن يصبح الإله طرفا في مؤامرة لقتل إنسان حتى ولو كان هذا الإنسان قد عصى أوامره؟ وهل قانونه ناقص إلى الحد الذي يجعل من الثأر والانتقام واحدا من أعمدة شريعته؟ وهنا اعترف البطل لنوح أن قصة هذا الأخير لم تكن مقنعة، باعتبارها لا تتفق مع التفكير المنطقي، وبالتالي فهي ليست أكثر من خيال، لكن نوح برر ذلك بأن الأمر ليس أكثر من رمز للخير.

 

استمر البطل في البحث عن الحقيقة، ليلتقي بالنبي يوسف، وتحدث معه بخصوص البقرات العجاف والسمان، وهو الأمر الذي اعتبره يوسف حقيقة الحضارة والتاريخ، إذ أن أيام القحط تعقبها أيام الازدهار، ثم تساءل معه البطل بخصوص امرأة العزيز، التي أحبته حبا جارفا، ورغم ذلك ظلمته ظلما كبيرا، وأن قصته لا تستقيم مع الواقع، هكذا حاول الكاتب البحث عن أساس هذه الرواية والمغزى منها، ثم المغزى من دس الذهب في أغراض إخوته واتهامهم زورا بالسرقة، وهنا برر يوسف للبطل أن الأنبياء بدورهم خطائين، وهو الأمر الذي يتنافى مع تقديس البشر للأنبياء، إذ أن تقديس الأنبياء وصل حد التأليه، الأمر الذي جعل البشر يصنعون المبررات لأنبيائهم، حيث يصبح القاتل بريء رغم إدانته، بالإضافة إلى أنهم يملكون غرائز بشرية من حب البقاء والتملك والجنس، وهذا هو الذي يضع قصص الأنبياء على المحك، وتصديق رواياتهم يفرض بالضرورة إقفال العقل.

 

تطرق الكاتب للتطور الذي يمكن أن تصل إليه البشرية، وافترض ذلك بمثال إلغاء عقوبة الإعدام، حيث سيتم التعامل مع المجرم على أنه مريض ينبغي معالجته، وليس بمعاقبته، هكذا سيصبح الإله هو القانون

طرح الكاتب بعد ذلك مسألة الخروف المعجزة الذي أنقذ ابن ابراهيم، والحوت الذي احتفظ بالنبي يونس داخل بطنه، والنمل الذي كان يتحدث مع سليمان، هذا الأخير لم يصدق البطل قصته، باعتبارها تنطوي على أمور تفوق الخيال ولا يستسيغها العقل، من حديثه مع النمل وعلاقته بالجن، ورغم أن سليمان أمّنه على حياته، إلا أن تساؤلات البطل جعلته لا يفي بوعده، ذلك أن مهمة البطل هنا هو محاربة الخرافات، باعتبارها آفة الآفات، ولابد من التخلص من شرورها، وأمره سليمان بأن يترك الأمر وشأنه، لأنه بمثابة الواحة التي يجد فيها الانسان ضالته عن طريق أحلامه، هذه الأخيرة تتميز بالقوة والغرابة والخيال، وهو ما يحتاجه الانسان لانفتاح مشاعره واستيقاظ حواسه. هذه الخرافات اعتبر سليمان بأنها تخفف آلام الفقراء وترفع عنهم معاناتهم.

 

ناقش الكاتب مسألة الأمر بارتكاب جريمة لا يختلف حول تجريمها اثنان، ثم فسر قضية التنافر بين الإلزام والالتزام، ذلك أن الإلزام لابد وأن يترتب عنه التزام، وأن إلزام الإنسان بالامتناع عن معصية يستوجب معها التزام الآمر بعدم الاتيان بها، لأنهما أمران مرتبطان، والخروج عن ذلك يعني الفوضى في الكون وفي العلاقات الإنسانية، واستدل الكاتب على ذلك بمثال إلزام الحاكم للمحكومين بقانون ما، وهذا يستلزم بالضرورة التزام الحاكم به، وإذا خرج عنه، يعتبر الأمر انتهاكا للالتزام، وبالتالي إنهاء لعقد الالزام والالتزام الذي يربط بينهما وسقوط حقه في البقاء حاكما. ثم تحدث الكاتب على أن هناك بعض الروايات تحمل كل مقومات أمراض الفكر المتخلف، إذ أن السماء لا تمطر خرافا، ومن المستحيل أن يقوم الأب بذبح ابنه لمجرد حلم ارتآه إلا أن يصمه الناس بالجنون، ويتساءل الكاتب عن فائدة هذه الرواية إذا اعتبرناها حقيقية؟ وكيف للإله أن يطلب من الانسان ارتكاب المعصية، ويشرع الانسان في تنفيذها طوعا لإثبات إيمانه، دون أن يعترض الابن على ذلك.

 

ظل الكاتب مهموما بالبحث عن الحقيقة، ومن بين التساؤلات التي طرحها تلك المتعلقة بسر أيقونة الشيطان، ومدى عجز الإله عن تفسيرها. ثم تطرق الكاتب للتطور الذي يمكن أن تصل إليه البشرية، وافترض ذلك بمثال إلغاء عقوبة الإعدام، حيث سيتم التعامل مع المجرم على أنه مريض ينبغي معالجته، وليس بمعاقبته، هكذا سيصبح الإله هو القانون، والإثابة أحد المبادئ التي ستقوم عليه الحضارة، وسيتم بعث الإنسان في حياته، وليس بعد الموت، أما جند الإله من شياطين وملائكة وجن، سيتم دفنها، وستكون الجنة هو ما يرى بالعين، وتلك الحضارة ستصل إليها البشرية بالعلم وإعمال العقل والإرادة والاستفادة من عبر التاريخ، وفي هذا السياق تحدث الكاتب على أن فكرة الإثابة والعقاب يوم البعث العظيم. وأشار إلى أن إنكار وجود الإله لم ولن يهدم المجتمع، ذلك أن الانحلال يأتي من داخل المجتمع، وذلك عن طريق تحلل خلاياه، أما الحضارة بعناصرها الأساسية من أرض وشعب وإرادة عمل، فلا توجد علاقة بينها وبين الاعتقاد بوجود النار والجنة أو إنكار وجودهما، إذ أنه لا يوجد ارتباط بين الحضارة وبين هذه المعتقدات، فقد توجد حضارة بين شعوب لا تؤمن بهذه المعتقدات، وبالمقابل تجد التخلف في شعوب تتمرغ في وحل هذه الخرافات، ذلك أن الثواب والعقاب بعد البعث لم يعد حافزا للمجتمعات على الأخذ بأسباب الحضارة.

 

اعتبر الكاتب أن هناك مجموعة من الآمال الكاذبة تدفع قطعان البشر للاستسلام للظلم والاستبداد والقهر والجوع والحرمان أملا في جنة أخرى غير أرضية يقطف الانسان ثمارها بعد موته. واعتبر الكاتب أن المجتمعات تنهار بانهيار أخلاقياتها، وتسمو بسمو أخلاقياتها، ذلك أن الانهيار والحضارة مرتبطان بإرادة الشعوب في البقاء، ثم إنه لا توجد ضمن مقومات الحضارة ما يتعلق بالثواب والعقاب، رغم أن فلسفة العقاب والثواب لا يمكن إنكارها في إطار القوانين الوضعية، باعتبارها تضع حد المسموح به والممنوع، وانطلاقا من فلسفة العقاب الدنيوية أخذت الأديان فكرة العقاب إلى ما بعد الموت، ومن ذلك بعض الأمور التي يشترك فيها الحاكم مع الإله، مثل حق العفو المقرر للحاكم، ويقابله حق المغفرة من طرف الإله، وهكذا يتضح التطابق الغريب بين المسألتين.

 

تساءل الكاتب حول مدى فشل فكرة الإثابة والعقاب في دفع الإنسان إلى التحضر، واعتبر أن ما ينظم تصرفات الفرد هو الاختيار وليس فكرة الجنة والنار، ذلك أن الانسان عندما يمتنع عن ارتكاب جريمة، فليس ذلك بسبب الإيمان بفكرة الثواب والعقاب يوم البعث، بل ذلك بسبب الاختيار الممنوح له من خلال التفكير في آثار الفعل والضوابط والممنوعات التي وضعت على هذا الاختيار، وقد يكون هناك بعض أسباب الممنوعات لدى بعض المجتمعات نابعة من فكرة الجنة والنار، رغم ذلك لابد من أن وضع الفرد وقدرته على وزن الأمور والاختيار بينها يساهم في صورة الاختيار النهائي، وأردف الكاتب إلى أن هناك بعض الأمور لا يعاقب عليها القانون، لكن المجتمعات أجمعت على نبذها وإنكارها، كالكذب والغش والنفاق والنميمة والخداع، وبالتالي فهذه الأمور لا يوجد عقاب دنيوي لها، وفي هذا الصدد تساءل الكاتب إذا ما كان هناك عقاب إلهي حولها، فالقوانين الوضعية تنظر إلى الأمر من زاوية الضرر، وذلك بأن يتحقق ضرر نتيجة هذه الأفعال.

 

 قد يكون الايمان بالجنة والنار حافزا لدى الانسان ليموت من أجل تثبيت دعائم الأديان، هذا الأمر يسيطر على أذهان الناس، ويدفعهم إلى الابتعاد عن المعاصي، ومن ثم أصبح المحور الرئيسي للمحظور والمباح هو الخوف من الجحيم أو الرغبة في الجنة، ولما أصبحت فكرة العقاب والثواب تضمحل، بدأت بفقدان تأثيرها على الناس، فترغيب الإنسان البدائي المتعطش للماء والجنس والطعام بالجنة التي تجري من حولها الأنهار، هذا الأمر لم يعد يثير اهتمام الانسان المتحضر. هكذا يظل العقل حائرا أمام كل هذه التساؤلات، خصوصا أنها تستعصي على الجواب من قبيل: كيف يعود الانسان للحياة في هذا الفندق الإلهي؟ وما هي صورة الانسان عند بعثه؟ وما هي نوعية هذه الأجساد؟ هل ستخضع للناموس البشري أم أن ناموسا جديدا سيشملها؟ وما هي طبيعة البيوت التي سيقطنها أهل الجنة؟ هكذا افترض علاء حامد وجوده في الجنة، ولعلها مسافة في عقله، حاول من خلالها طرح هذه التساؤلات الوجودية، والتي سنواصلها في المقال القادم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة