طه سليمان عامر
طه سليمان عامر
1.5 k

متى ترتدي المسلمة الأوروبية الحجاب؟

12/6/2019

عندما تتخذ الفتاة المسلمة في أوروبا قرار ارتداء الحجاب، فإنها تواجه عددا من الصعوبات والعقبات وهذه أهمها فيما أرى:

  

١- النظرة السلبية تُجاه الحجاب واقترانه في العقلية الغربية في كثير من الأحيان بالجهل والتخلف والإكراه. 

٢- نظرة الازدراء والعدوان اللفظي وأحيانا البدني التي تتعرض له في الشارع ووسائل المواصلات وأماكن العمل. 

٣- الضغوط التي تتعرض لها المرأة المسلمة بسبب الحجاب في الدراسة والعمل، فكم من العنت تلقاه أثناء البحث عن وظيفة، وفي أغلب الأحيان يصعب الحصول على عمل يتناسب مع ما حصلت عليه من شهادات وكفاءات بسبب غطاء الرأس، كما تتعرض في بعض الحالات للفصل من عملها أو المضايقات المتنوعة. 

   

٤- حالات الرفض داخل الأسرة نفسها، فقد تجد عند الفتاة الرغبة الصادقة في ستر بدنها لكن العقبة الأكبر - أحيانا - تكون عند الأسرة كلها، أو أحد أفرادها، وما أقساه من شعور وما أصعبه من تحدٍ، وكما قال الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مرارة على النفس من وَقْع الحسام المُهَند، وأكثر من تتعرض لهذا الصنف من التحديات هنَّ المسلمات الجديدات، فكيف بين عشية وضحاها يراها أهلها وقد تحولت لصورة مغايرة لهم تماما؟ أو الفتيات اللائي ينشئن في وسط لا حظَّ له من التدين.

 

٥- الغربة التي تشعر بها الفتاة وسط زملائها في الدراسة أو داخل بعض المدن، فهناك مدن أوروبية قد لا تجد فيها إلا نفرا يسيرا من المسلمين، فتكون الفتاة هي الوحيدة في المدرسة.

 

الثقة بالنفس تجعل من المرء نسيحا مختلفا، لا يرى نفسه أفضل من غيره، لكنه يرى حقه في التفكير دون وصاية، وحقه في النقد دون رهبة، وحقه في التعبير دون خوف

وقبل أن نتحدث عن كيفية مواجهة ما تتعرض له المسلمة الأوروبية من انتقادات وهجوم نتحدث حول منهجية ارتداء الحجاب، والخطوات التي علينا اتباعها.

 

التربية على الثقة بالنفس

 الثقة بالنفس هي العمود الفقري لشخصية الإنسان، وهي بمثابة القاطرة التي تلتحم بها بقية العربات وتسير خلفها دون إبطاء، وإذا أردنا تتبع وتحليل كثير من الشخصيات التي أحرزت إنجازات كبيرة أو صغيرة، فإن الثقة التي تمتعوا بها كانت خلف هذا التألق، الثقة بالنفس منطلق للتعبير عن الذات، والتطور الدائم، وبروز المواهب وتنميتها ومقاومة أسباب الفشل ومواجهة التحديات، ومعرفة جوانب الضعف والاعتراف بها ومعالجتها بشجاعة وحزم، وتَلَمُّس مساحات القوة وترقيتها، وقبول النقد بُغية تجاوز العثرات والهفوات.

   

علينا أن ننمي في أبنائنا القدرة على الدفاع عن قناعاتهم واختياراتهم الحرة ورفض قبول الإكراه، وهذا يتطلب منا نحن معاشر الآباء أن تكون البيئة المنزلية هي أول ما يُغذي الطفل بمعاني الحرية واحترام كرامته وإرادته حتى يستطيع أن يُعبر عن ذاته ويستعصي على نموذج " الإمَّعة" فإن المهزوم داخليا يستحيل أن يحرز نصرا في الخارج أو يستقل بقرار، والقرآن الكريم يحذر من الانسياق خلف المجموع دون تعقل واستبصار لمواقع الأقدام، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"(46) سورة سبأ

  

إن الثقة بالنفس تجعل من المرء نسيحا مختلفا، لا يرى نفسه أفضل من غيره، لكنه يرى حقه في التفكير دون وصاية، وحقه في النقد دون رهبة، وحقه في التعبير دون خوف، والفرق هنا بينه وبين فاقدها أن المهزوم نفسيا يخشى مواجهة الناس بما لم يألفوا، ويتردد في إبداء رأيه، بل يستصغره، ويتراجع عن قناعاته أمام الضغوط أو إنكار الوسط الذي يعيش فيه، فهو يفكر فيما يرضى الناس ولو جار ذلك على الحق وعلى ما يؤمن به، إن صور الإنكار على الفتاة المحجبة متنوعة وما تواجهه من انتقادات يبتغي صلابة في الرأي وثباتا انفعاليا وقدرة على التعبير والبيان، والثقة مَعْقِد ذلك كله.

   

فهم مراتب الحكم الشرعي

تتفاوت مراتب الأحكام الشرعية وما ينبني عليها من ثواب وعقاب، ومن المقرر أن الحكم التكليفي ينقسم إلى الواجب والمندوب والمُحَرَّم والمكروه والمباح، وتلك الدرجات متفاوتة فيما بينها فليس الواجب على درجة واحدة، فالصلاة واجبة وكذلك الزكاة والصيام والحج، لكن منزلة الصلاة أعلى، والربا حرام والغش حرام، لكنَّ الربا أشد حرمة، والزنا حرام، لكنَّ الزنا بالمحارم أشد حرمة، وقد يتفاوت فضل الواجب والمندوب وكذلك الحرام والمكروه بحسب فضل الأماكن والأزمان، كفعل الطاعة والمعصية في الأوقات الفاضلة كشهر رمضان والبيت الحرام.

 

يقول الإمام العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام: " من تقديم الفاضل على المفضول كتقديم الصلاة الوسطى على سائر الصلوات، وحكى تقديم فرائض الصلوات ونوافلها على مفروضات الأعمال ونوافلها. وكما يقع التفاضل بين الفرائض كذا هو حاصل بين النوافل فتُقدم بعض الرواتب على بعض كتقديم الوتر وسنة الفجر على سائر الرواتب"، وهناك تفصيل دقيق لا مُتسع له هنا فليُرجع إليه، فإنما أردنا ضَرْب المثال بتصرف واختصار.

 

وما أريد قوله أن عدم رعاية ترتيب الأحكام الشرعية يوقع المسلم في إشكالات كثيرة، منها: العناية بما هو أدنى على حساب ما هو أعلى وأهم، وبالتالي إغفال الأصول والأسس والأركان التي تقوم عليها بقية الأحكام، ويحصل الإنكار فيما يحسن غض الطرف عنه مرحليا وظرفيا.

 

فحجاب الفتاة إذا وصلت لسن البلوغ واجب، وهذا ما ننطلق منه، لكنْ يجب أن نهتم ببناء الإيمان في قلوب بناتنا أولا، وترسيخ أركان العقيدة منذ الصغر، والتدريب على القيام بالفرائض منذ الصغر، فإذا حان وقت الأمر بالستر جاءت الاستجابة الفورية المؤسسة على يقين بحكمة الله وفهم لأحكامه وحرية وقناعة.  يقول الإمام العز موضحا فلسفة التشريع الإسلامي في تهيئة المسلم للقيام بالواجبات والامتناع عن المحرمات:" ولفضل الإيمان تأخرت الواجبات عن ابتداء الإسلام ترغيبا فيه، فإنها لو وجبت في الابتداء لنفروا من الإيمان لثقل تكاليفه ".

 

من الخطأ الجسيم عزل الفتاة أو المرأة التي نزعت الحجاب، وللأسف بعض المسلمين يفعل ذلك فتشعر كأنها خرجت من الملة والنتيجة أنها تزداد نفورا وعزلة

 ثم ذكر أمثلة عديدة منها:

- تأخير فرضية الصلاة إلى ليلة الإسراء.

- تأخير فرض الصيام إلى السنة الثانية للهجرة.

- تأخير الزكاة إلى ما بعد الهجرة.

- تأخير تشريع الاقتصار على أربع نسوة في بداية الإسلام.

- تأخير تحديد ثلاث طلقات.

وتحريم الخمر والربا وفق خطة متدرجة مصدر إلهام للدعاة والمربين في عالمنا المعاصر وفي الغرب خاصة.

 

والقصد هو فقه تطبيق الأحكام وفقا لأحوال المكلفين وظروفهم وتوجيه الجهد الأكبر من عملنا التعليمي والتربوي الموجه لأبنائنا للبناء الإيماني، وغرس محبة الله تبارك وتعالى في قلوبهم، وعلينا أن نُقرن الأحكام بفلسفتها والكشف عن أسرارها من غير تكلف أو تعسف.

  

كيف نتعامل مع من نزعت الحجاب أو لم ترتديه؟

عرفت أناسا غلب اهتمامهم بالشكل الظاهري على أهميته على جانب طهارة القلوب ونقاء الطوية وسلامة النية واستقامة الضمير ورقى الأخلاق، مما جعل غيرهم يزهدون في فيما عندهم. روى لي بعض من الآباء أن بناتهن نفرن من بعض المساجد نتيجة نظرات وكلمات الإنكار على لباسهن، فها هو رجل يصرخ على عدد من فتيات المسجد لأنهن لم يلتزمن بالحجاب، وما كان من إحداهن إلا أن قالت: لن أدخل المسجد مرة أخرى، وهذا المشهد والسلوك يتكرر مرارا، قلت: هناك أناس صمتهم صدقة، ونومهم صدقة، وغيابهم صدقة.

 

قامت بنت أحد الدعاة المعروفين بخلع حجابها ونشرت صورا لها على الفيس بدونه وانقسم المعلقون إلى فريقين، الأول يشجعها ويؤيد ما ذهبت إليه، والثاني انطلق يسب ويدعو عليها ويتهمها بالمروق من الملة، وكلاهما خطأ، وهناك فتيات ونساء أقدمن على نفس الخطوة، فكيف نتعامل مع هذه الحالة التي تتكرر؟

 

أولا: علينا أن نتعامل بمنطق الداعية الحكيم المتحلي بالرفق والشفقة، وإذا كان الله تعالى يخاطب الشاردين عنه بأعذب نداء "قل يا عبادي" فكيف نحن؟

 

ثانيا: يجب البحث عن الظروف النفسية التي تمر بها فنحن لا ندري ما هي الدوافع الحقيقية وراء ترك الحجاب، هناك من تمر بأزمة نفسية حادة أو ضغوط لم تحتملها أو غير ذلك من الظروف، ومن ثَمَّ فالتعامل يكون بمعالجة الأسباب وفهم واستيعاب الشخصية وفهمها.

 

ثالثا: من الخطأ الجسيم عزل الفتاة أو المرأة التي نزعت الحجاب، وللأسف بعض المسلمين يفعل ذلك فتشعر كأنها خرجت من الملة والنتيجة أنها تزداد نفورا وعزلة.

 

 يجب أن نتحلى بالروح المفعمة بالتسامح والإنسانية مع الناس، وأن نتأمل في بواطنهم، وسنرى فيها نفوسا تواقة للخير، وأرواحا ظمأى للسلام مع ربها ونفسها ومن حولها، لو وجدت من تفهمها وتحسن الإصغاء إليها وترتفع بها نحو الكمالات.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة