أمين أمكاح
أمين أمكاح
8.1 k

من أجل مدرسة مواطنة دامجة

13/6/2019

منذ سنوات وطيلة عقود زمنية خلت والوزارة الوصية على قطاع التعليم في المغرب تخرج علينا بشعارات براقة في شكلها ومحتواها التي تتضمنه في حين أنها فارغة في عمقها العملي وشقها التطبيقي، لأنها لا تحدث أي تغيير جذري ملموس في المنظومة التعليمية التي تعيش أزمات خانقة ومتشعبة لم تعد تنفع معها القرارات الارتجالية الترقيعية، لأن مكامن الخلل فيها بنيوية وهيكلية ووظيفية عديدة ومتنوعة، وتدخل فيها عوامل كثيرة أبرزها المتعلقة بالتدبير والحكامة، ولا يسمح المجال للخوض في تفاصيلها وتحليلها، ومثل هذه الشعارات ما هي إلا محاولة للتستر على التقارير الإحصائية الفاضحة وتغطية الواقع المأساوي المتأزم، ولقد استوقفني كثيرا الشعار الذي اختارته الوزارة المسؤولة على الشأن التعليمي المغربي للموسم الدراسي القادم: "من أجل مدرسة مواطنة دامجة"، والذي يقتضي العمل على مشروع استراتيجي ضخم له رافعات تنموية مستدامة وينبني على دعائم الديمقراطية التشاركية، كما أنه ورش تطويري له أبعاد إصلاحية تمكن من تخليق الحياة العامة، وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص والإخلاص في العمل، والتصدي لمختلف أشكال الفساد، وكل هذا على المدى المتوسط والبعيد عندما تكون الأرضية صالحة للاشتغال على ذلك.

 

ومن الانخراط الإيجابي مع الوقائع المعاشة في زمن المظاهر الخداعة الذي يحتاج ليقظة فكرية عالية واستبصار حاذق لاستنطاق ومساءلة الواقع والبحث والتدقيق في مضمون الشعارات، ومعرفة مدى انسجام محتواها واقعيا وتطابقها مع الممارسات التي تقتضيها، دون إغفال استكشاف خفايا حمولاتها التي تمرر للعوام، وليتضح أكثر أمر التدليس الممارس بشكل فيه نوع من الإغراء الخدّاع الذي لا يتصوره الكثيرون، سأعمد إلى ذكر أهم المقومات الحقيقية والفعلية التي يفرضها رفع ذلك الشعار الجذاب، بهدف المساهمة في تنوير الرأي العام وتصويبه نحو المدلول الشامل لمدرسة المواطنة الدامجة، ومنحه الفرصة للنقد وإبداء رأيه الموضوعي بكل مصداقية بعيدا عن الانفعالات المجانية المجانبة للصواب، بعد اطلاعه على الحقائق ومقارنتها بما يجري حوله ويقع في محيطه، الشيء الذي يزيد من مخزون وعيه ويرفع من قدراته الإدراكية التي تحميه من مغبة السقوط في مصيدة المغالطات المتداولة.

 

ستظل الشعارات التي يرفعها المسؤولون عن قطاع التعليم المغربي خاوية ومن دون أي وزن حقيقي عمليا، ما دامت أنها مكشوفة ومفضوحة لفراغها على المستوى التطبيقي، وستبقى مجرد دعاية سياسية ترويجية

هنالك مجموعة من التساؤلات الملحة التي استطاعت أن تطفو في العقل التساؤلي النقدي، في ظل غياب الانسجام بين التصورات النظرية المتمثلة في الشعارات وبين ما تحملها في طياتها من تجليات ورهانات عملية، لهذا تبادرت إلى الذهن إشكالات كثيرة لمجرد الاطلاع على شعار: من أجل مدرسة مواطنة دامجة؛ المعلن عنه من طرف وزارة التعليم المغربية في بلاغ يتضمن المقرر التنظيمي الخاص بالسنة الدراسية المقبلة، ومن شأن طرح تلك التساؤلات خلق نوع من الخلخلة التفكيرية الدافعة للتبصر السليم والتأمل الذي ينير الفهم، والإجابة عنها سيؤدي لا محالة إلى التخلص من أفكار مسبقة كثيرة، والتوقف عن التسرع في إصدار بعض الأحكام الجاهزة التي تأتي نتيجة التحامل المبني على رواسب التمثلات والتصورات السائدة.

 

 ومن بين تلك الأسئلة: كيف يمكننا أن نعرف طبيعة التفاعل بين واقع المدرسة المغربية وشعار المواطنة الدامجة تصورا وممارسة؟ ما هي أهم المقومات التي تتطلبها مدرسة المواطنة الدامجة؟ هل يكفي الأخذ بعين الاعتبار القوة السلطوية للجهة التي رفعت الشعار لمجرد أنها المسؤولة عن القطاع التعليمي؟ إلى أي مدى يمكن الاعتماد على القوة الإيحائية للشعار لكي يتم التصديق بأنه حقا يمثل ما يتمظهر في الواقع العملي؟ لماذا يمكن القول بأن إبراز هذه المقومات ومقارنتها بواقع التعليم في المغرب كاف لبيان مصداقية الشعار المرفوع؟ أليس غياب الأرضية التي عليها يمكن تنزيل ذلك الشعار على المدرسة المغربية بكل ما يستلزم الأمر من أجرأة متكاملة لمقتضيات المواطنة الدامجة قادر على جعله من الشعارات الجوفاء لا أكثر؟ إن إرساء مدرسة مواطنة دامجة تتطلب استحضار مجموعة من المقتضيات الأساسية التي تقوم عليها، ويمكن إجمال أهمها فيما يلي:

 

- السعي المستمر على تطوير السياسة التربوية لتلائم مستجدات العصر الذي تستحدث فيه أمور كثيرة، فكلما تقدم الزمن إلا وازداد التنوع والتمايز حتى على مستوى البلد الواحد، الشيء الذي يدعو إلى ضرورة إيجاد الإجراءات اللازمة لمنع التمييز وعدم المساواة والاستبعاد الاجتماعي للتخفيض من نسبة الفئات المهمشة التي تحرم من العدالة الاجتماعية.

 

- الاعتماد على منهجية تعليمية وتربوية ترتكز على المواطنة الدامجة عبر مجموعة من الأنشطة العملية التي تتجاوز نقل المعرفة وتلقينها، للتمكين من خلق وعي فردي وجمعي حول المواطنة التي تلامس حقوق الإنسان في شموليتها، وهذا المسار التعليمي التربوي يساهم كثيرا في بناء تفكير حقوقي سليم متصل بإدماج قيم حقوق الإنسان في الحياة اليومية.

 

- التوفير العادل لظروف تعليم مناسبة يعزز بها الإحساس بالأمان والانفتاح والثقة، لتأمين وضع تعليمي ديمقراطي منفتح يتبع مسارات نزيهة وشفافة تتكافأ فيها الفرص، للوصول بجدارة واستحقاق إلى كافة الأمور في جو يسوده الإنصاف والعدل والمساواة اعتقاديا وممارساتيا؛ بمعنى الالتزام بذلك على النطاقين التصوري التنظيري وكذلك العملي الإجرائي.

 

- التحويل الفعال للحياة المدرسية إلى فضاء للإدماج الجيد للمواطنة كمفهوم شامل عبر الأندية والأنشطة الموازية التي تعد رافعة أساس في تحسين شروط ممارسة المواطنة على الصعيد العملي، لتوطيد أواصر الثقة في إطار التلازم بين كل من الحريات والحقوق والواجبات، من أجل توقيف تنامي المظاهر السلبية التي تضر بالسلوك المدني.

 

- الاستناد في إبراز نجاعة المنظومة التربوية على مدى تمكنها من ترسيخ قيم المواطنة وتفعيلها في الواقع، والتي تتمظهر في ممارسة السلوك المدني المتحضر وتنميته في الحياة اليومية، ليكون الرهان الأكبر تكوين المواطن المتشبث بهويته وثوابته الوطنية الراسخة، ولتعميق روح الانتماء للوطن وإعادة تعزيز الثقة بمؤسساته.

 

- التكريس للتنوع الهوياتي حتى في الوطن الواحد، لكبح التهميش المبني على نزعة الاختلاف سواء في الثقافة أو اللغة أو الدين أو الجنس أو العرق أو على أساس الحالة الاجتماعية أو الحالة الاقتصادية أو المستوى التعليمي أو غير ذلك؛ اعتمادا على المواطنة الدامجة كأساس للتعامل مع المكونات المجتمعية للوطن بمختلف فئاته.

 


- التركيز بشكل خاص على استراتيجية عملية تتوفر على آليات تنفيذية فعالة، لتضمين حقوق الفئات الأكثر عرضة للتمييز والإقصاء، بالأخذ بعين الاعتبار قضايا النوع الاجتماعي المختلفة بشكل يكفل تحقيق المساواة وعدم التفاضل، لكي تكون المواطنة والمشاركة في العملية التنموية والنهوض بالوطن في مختلف المجالات متاحة للكل.

 

- العمل مؤسساتيا بأسلوب مبني على مبادئ حقوق الإنسان واحترامها وتعزيز كل ما يرتبط بالمواطنة مع تقبل التنوع والاختلاف، لكي لا تكون الغلبة لجهة أو فئة على أخرى، فالتعبئة الجيدة والتواصل القائم على ما ذكرنا بإمكانه حل مشاكل كبيرة ومعقدة، وغيابها يؤدي إلى بروز الإقصاء وخفوت الثقة بشكل مهول بين المواطن والمسؤولين.

 

- البحث المكثف لإيجاد سبل كفيلة بتنسيق جهود مختلف الفاعلين في مجال نشر منظومة قيم السلوك المدني السوي والتصرف الحضاري القويم بالمؤسسات التعليمية ومناهضة الظواهر المشينة، للتعبئة المتكاملة في سبيل خلق مدرسة مواطنة دامجة تنهض بالوطن وتساهم في التنمية السلوكية لموارده البشرية بعد إقامة نظام عدالة منصف.

 

- الحاجة إلى قطع أواصر التبعية الأنجلوسكسونية أو الفرنكوفونية المذلة التي تهدم أكثر مما تبني وتستنزف أكثر مما تعطي، ولن يتم ذلك من دون الزيادة في المجهودات وتوسيعها، لتشمل مختلف المجالات التي تدخل في نطاق مسؤولية وزارة التعليم وربطها بمسؤوليات أخرى خارجة عن دائرة نفوذها لكن لها تقاطعات وتمفصلات علائقية معها.

 

ستظل الشعارات التي يرفعها المسؤولون عن قطاع التعليم المغربي خاوية ومن دون أي وزن حقيقي عمليا، ما دامت أنها مكشوفة ومفضوحة لفراغها على المستوى التطبيقي، وستبقى مجرد دعاية سياسية ترويجية لا وجود لها لا في الواقع الحاضر ولا أمل في تواجدها الفعلي في المستقبل المتطلع إليه بإشراق، إذ ليس المهم إطلاق التسميات الجذابة في الشعارات بقدر ما يهم المطلب الأساس منها؛ ألا وهو تنزيل مقتضياتها وتحقيق أهدافها الإجرائية التي تعتمد على منهجية مندمجة تشمل مقاربات ذات أبعاد متنوعة لترسيخ قيم المواطنة والسلوك المدني، ومن غير الممكن تفعيل تلك القيم في الواقع بدون انصراف الجهد إلى العمل الجاد مع تحمل كل الأطراف المعنية المسؤولية الكاملة.

 

وستستمر المدرسة المغربية في معاناتها تحت وطأة الإخفاقات المرافقة لها، والتي لم تنفع معها الشعارات المستوردة والمخططات والبرامج المستنسخة والقرارات الفوقية، فبدون وجود إرادة سياسية خالصة للنهوض بالنظام التعليمي لن يتحقق أي إصلاح حقيقي لقضايا التربية والتعليم، وما يزيد الأمر سوءا الهروب من المحاسبة والتنصل من تحمل مسؤولية التسيير الجيد والحكامة الرشيدة، فلا يكفي اعتبار إصلاح المدرسة المغربية تحديا أساسيا ورهانها كبيرا في الشعارات فحسب من دون العمل على ذلك؛ بتسخير كل الوسائل الممكنة والآليات المتاحة بلا لف ودوران، ومن غير أي تذرع يحصر المشاكل والأزمات القائمة في شح الميزانية المخصصة وقلة مصادر التمويل المتوفرة.

#يتصدر_الآن

تكلفة البقاء ضمن الأنظمة الاستبدادية.. الحصاد المُرّ!

تطور الفكر السياسي الحديث بمقارباته ومداخله وأدواته ومناهجه، قد أفرز عدة نماذج للحكم وإدارة المجتمعات الحديثة، وأُثْرِيَ البحثُ السياسيُّ بمنظومة جديدة من القيم والأسس والأفكار التي تتماشى مع تطور الإنسانية.

825
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة