محمد نسيم
محمد نسيم
2.6 k

مرسي والساروت.. حكاية خلود

18/6/2019

أيام قليلة مضت على استشهادِ حارسِ الثورةِ السوريةِ ومنشدها عبد الباسط الساروت في ساحاتِ العزِّ والمجدِ في ريفِ حماةَ الشمالي وها هي الأمةُ تُكْلَمُ بعدها بفقدِ الرئيسِ محمد مرسي شهيدًا جميلًا ثابتًا صادقًا أمامَ محكمةِ الظلمِ والطغيان.

 

ولو تأملّْنا حالَ الشهيدين - رحمهما الله - لوجدْنا أن كثيرًا مِن الأوصاف قد جَمعَت بينهما ولم يكن اجتماعُها محضَ مصادفةٍ، فابتداءً من صمودِ الرجلين وثباتِهما على الحقِّ في وجه آلة الظلمِ والطغيان التي لا تعرفُ سوى القتل وسيلةً للتعبيرِ والحوارِ، ومرورًا بحالةِ الركودِ التي تمرُّ بها كلا الثورتين والتي أعادَت دماءُ الشهيدين الروحَ إليهما من جديدٍ، وليسَ انتهاءً باجتماعِ قلوبِ المسلمينَ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها وعلى اختلاف مشاربِهم وانتماءاتِهم الفكريةِ أو الحركيةِ على محبتِهما، ودموعِهم على بكائِهما، وكلماتِهم في رثائِهما، إلا قلةً من المتنطعينَ الذين شذُّوا عن الجماعةِ.

 

لم يكنْ مرسي أو الساروت من أربابِ الدنيا ولم يرجُوَا نعيمًا زائلاً أو متاعًا قليلًا، بل كانَ هذا آخرَ همومِهم، فقد باعَ غيرُهم من الناسِ وبدَّلُوا وتركُوا قضاياهم وضيَّعوا، وآثروا ترفَ الدنيا ونعيمها على الصمودِ في وجهِ الظالمينَ والثباتِ على الحقِّ المبين، لقد آثر الأوَّلُ حياةَ السجونِ وظلمةَ الأسرِ وليل القهرِ بين إخوانِه المظلومين المقهورين على أنْ يبيعَ دينَه لظالمٍ، أو أنْ يتنازلَ عن مبادئِه لحاكمٍ غاشمٍ، وحرصَ الثاني على ملازمةِ ساحاتِ الحريةِ منذُ الهتافِ الأولِ وحتى الرصاصةِ الأخيرةِ ولم يبدِّل أو يتراجعْ ولم يرضَ الخنوعَ لسفاحٍ لا يخشى اللهَ ولا يُقيمُ اعتبارًا للقائِه.

   

   

لم تغرِهِما الدنيا ولا زخرفُها، ولم يكن للظالمينَ سطوةٌ في قلوبِهما، بل كان الثباتُ على الحقِّ والموتُ في سبيلهِ أغلى الأماني عندهُما، ولم يكنْ هذا ادعاءً أو قولًا من غيرِ عملٍ أو كلامًا معسولًا يُلقى على المنابرِ وينسى في الساحاتِ.. كلا، بل قالا وصدقَا ما عاهدا الله عليهِ فصدقَهُما الله وأنجزَ لهما الموعودَ. (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب/23).

 

لم أشهدْ إجماعًا للأمةِ على خيريةِ أحدِ أبنائها كما شهدتُه في هذه الأيامِ القليلةِ الماضيةِ، لقد أزالَ اللهُ باستشهادهِما أشواكَ الفرقةِ من طريقِ المسلمين، وجعل بدمائهِما أهل الحقِ على كلمةٍ واحدةٍ، وما ذاك إلا لأنَّ الرجلين كانا رجالَ أمةٍ، شهداءَ أمةٍ، فحُقَّ للأمةِ كلها أن تبكيهما، وحُقَّ لشملها أن يجتمعَ بعدَ فراقِهما، وحُقَّ للخلافاتِ أن ترتفعَ بارتقائهما.

 

حريٌّ بالأمةِ أن تعرفَ أبطالها كي تسيرَ على دربِهم، فليُسخِّرِ الكُتَّابُ أقلامَهم لتخليدِ ذكراهُم وليجعلْ أربابُ المنابرِ من أصواتِهم نارًا على كلِّ ظالمٍ ونورًا لكلِّ مظلومٍ، ولْتروي الأمهاتُ حكاياتِ العزِّ والثَّباتِ على مسامعِ الأطفالِ ليعلموا أن آبائَهم كانوا رجالاً لا يرضَون الضَّيم، تلكَ الحكاياتُ التي سمعنَا عنها في كتُبِ التاريخ وها نحنُ نراها اليومَ أمامَ أعينِنا، قرأنا قصةَ الحجاجِ مع سعيدِ بن جبير، وسمعنا عن جمال عبد الناصرِ وإعدامِه لسيِّد قطب، وها هي القصة تعاد أمامَ أعيننا وها هو الظالمُ يسيرُ إلى نفسِ الهاويةِ وها هو المظلومُ يهزأُ به ويجعلُ من ثباتِه درسًا وعبرةً للأجيالِ ووقودًا للأفكارِ التي تقتاتُ على أرواحِ الشهداءِ ودمائِهم الطاهرةِ الزكيةِ.

 

يقولُ الشهيدُ سيد قطب: "كلُّ فكرةٍ عاشَت قد اقتاتتْ قلبَ إنسانٍ! أمَّا الأفكارُ التي لم تطعَم هذا الغذاءَ المقدَّسَ فقد وُلدَتْ ميتةً ولم تدفعْ بالبشريةِ شبراً واحداً إلى الأمامِ"، وسمعنا عن جعفرَ وزيد وعبدَ الله بن رواحة وعن ثباتِهم رغُم الجراح التي لم تترُكْ موضعَ شبرٍ من أجسادِهم الشريفة إلا وجعلتْهُ مسكنًا لها، وها نحن نرى ثلةً من أحفادِهم تسيرُ في نفسِ الطريقِ، وتحملُ الرايةَ نفسها، وتموتُ في سبيلِ الغايةِ نفسهِا.

   

  

وقد سمعْنا عن غلامِ الأخدودِ الذي كان استشهادُه بابًا لعبورِ قومه من الظلماتِ إلى النورِ ومن الموتِ إلى الحياةِ، وها هي دماءُ الرجالِ تُسكبُ على ثرى أوطاننا في سبيلِ اللهِ وفداءً للحقِّ لتنيرَ الطريقَ للسالكين، وها هو الجسدُ الواحدُ يتداعى بالسهرِ والحمَّى لأعضائه الشاكيةِ الباكيةِ، وها هي الحياةُ تعودُ إلى أطرافِه التي ظنَّها البعضُ قد ماتَت، وإلى قلبِه الذي حسبوا أن النبضَ قد فارقَه، ولكنْ هيهات.

 

أنَّى لأمةٍ تكفلَ اللهُ بحفظِ كتابِها ودينها أن تفنَى أو تبيدَ؟ وأنَّى لرجالٍ حفظوا الكتابَ المحفوظَ ووَعَوه أن يتنكَّبوا دربَ الشهادةِ والخلودِ؟ وأنَّى لدربٍ أوَّلُه في الدنيا وآخرُه في مقعدِ صدقٍ عندَ مليكٍ مقتدرٍ أنْ يُترَك وأنَّى للرجالِ أن تّحيدَ؟ رحمَ اللهُ الساروت ومرسي وأسكنهُما الفردوسَ الأعلى فقدْ سطَّرا في صفحاتِ التاريخِ كلماتٍ من قصيدةِ الخلودِ التي لا ترضى غيرَ الدَّم مدادًا لها، وستبقى هذهِ الدماءُ لعنةً تلاحق الظالمَين بشار والسيسي وسيُخلَّد ذكرُهما في مزبلةِ التاريخِ مع كلِّ ظالمٍ وسفَّاحٍ، وسيعلمُ الذينَ ظلموا أيَّ مُنقَلبٍ ينقلبونَ.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة