يوسف حيبو
يوسف حيبو
2.5 k

محمد مرسي.. وفاة في ثوب براءة!

19/6/2019

تلقينا وتلقى العالم نبأ وفاة الرئيس المصري محمد مرسي العياط بصدمة بالغة، خبر نزل كالصاعقة على كل أحرار العالم. كيف لا وهو رجل دفع حياته مقابل قضية شعب، لا بل قضية أمة. هو محمد مرسي ابن الشعب البار ببلده والمجتهد الذي نشأ في حضرة عائلة بسيطة، أبت إلا أن تنشئ ابنا يكون من العظماء الذين سيخلدهم التاريخ، قضى بدايات شبابه طالبا للعلم، وما كان له إلا نصيب المجتهد، واصل المسير في المهجر حتى أصبح من رجالات مصر الأكفاء بتدريسه في عدة جامعات أمريكية ومصرية، عودته إلى البلاد كانت بمثابة ولادة مرسي الذي نعرف، حيث التحق مبكرا بجماعة الإخوان المسلمين وانخرط في الحياة السياسية فيما ما بعد، الشيء الذي توج بدخوله البرلمان نائبا للشعب، لكن سرعان ما بدأت الأعين تترصده حيث أصبح برلمانيا لامعا ذائع الصيت. لكن حدث ما لم يكن في الحسبان فمع بداية الثورة وانخراط الإخوان فيها تم اعتقال عدد مهم من قيادات الإخوان بما فيهم الدكتور مرسي، لتنتصر بعدها الثورة ويخرج من السجن ليبدأ فصل جديد من حياة أول رئيس منتخب في تاريخ مصر.

توالت الأحداث بعد الثورة إلى أن أصبح مرسي رئيس مصر الشرعي والأول عن طريق انتخابات حرة. ما إن انتخب حتى بدأت الخطط والمؤامرات في الغرف المظلمة للإطاحة به، فتم افتعال الأزمات تلو الأزمات وسلط الإعلام الغير مهني على كل حركة وسكنة للرئيس، كل هذا بتخطيط صهيوني وللأسف بتمويل خليجي معلن. كان الرئيس مرسي طوال فترة حكمه يدعو لتحكيم العقل وينبذ كل أشكال القمع ويا ليته ما فعل، لأن المرحلة كانت تستوجب تنظيف البيت من الأنذال، لكن حكمة الرجل وإيمانه بأن الحرية أولى خطوات الخروج من تخلف لازم عرب العصر الحديث حال دون ذلك. بعد توالي الأزمات المفتعلة وعلى مرأى العالم تمت حياكة انقلاب عسكري بغطاء ناعم لا يخلو من بصمات الصهاينة ودهائهم في هكذا قضايا، سرعان ما تكشف بعدها وحشية المنفذين من فضٍّ للاعتصامات بالقوة إلى اعتقال الرئيس وكل القيادات لا بل كل من رفض الانقلاب بالاضافة إلى تخوين قطاع عريض من المصريين.

تعاطفنا مع مرسي لا يجعلنا نغفل عن الدروس والعبر التي طبعت مرحلته، أهم هذه الدروس هو عدم الليونة في التعامل مع المتربصين بل الحزم واجتثاث الخونة ومجابهة التحديات

في فترة رئاسة مرسي كان واضحا للعيان سخط الدولة العميقة على الإخوان وتيارهم عامة وعلى الرئيس بصفة خاصة، وهذا ما كان متجليا من خلال الإعلام الذي كان يجابه أصحاب السلطة ويتطاول عليهم مستمدا قوته من أركان الدولة العميقة المثمثلة في الجيش، وهو ما تفطن إليه مبكرا الدكتور مرسي ليأتي بقيادات عسكرية جديدة وصفها فيما بعد بـ "رجالة زي الذهب"، على رأسهم وزير الدفاع والتي كانت تبدو على صفات الوقار والتدين، عسكري بعلامة صلاة في جبهته لا يرفع صوته أمام الرئيس لم يكن أشد المتشائمين يتنبأ له بما حقق من قمع، فساد، سفك للدماء وإهدار لحقوق الناس.

بعد الانقلاب حرم الرئيس من أبسط شروط الحياة وسلبت حريته ولفقت له تهم عديدة تدعو للسخرية، من تخابر مع قطر، حماس. منع من رؤية عائلته وحبس إنفراديا، تمت معاملته على أنه مجرم حرب في حين مبارك الذي سفك ونهب خيرات مصر حر طليق بعد محاكمة صورية. محاكمة الرئيس كانت تفتقر إلى أبسط شروط المحاكمة العادلة، كما كان يفتقد لأبسط حقوق المعتقلين كالحق في التداوي ولقاء الأسرة. مات الرئيس وماتت معه روايته للأحداث، لعلنا فقدنا عدة حقائق كانت ستوضح الصورة أكثر، فقدنا وجهة نظره الحكيمة للأمور لصالح مجموعة من المستبدين الجبناء الذي أعادوا مصر عقوداً للوراء.

إن تعاطفنا مع مرسي لا يجعلنا نغفل عن الدروس والعبر التي طبعت مرحلته، أهم هذه الدروس هو عدم الليونة في التعامل مع المتربصين بل الحزم واجتثاث الخونة ومجابهة التحديات وليس الاقتصار على ظاهر الأمور كما حصل مع المخادع السيسي. ما جرى من نكسة كان يتحمل الرئيس مرسي وفريقه جزءا منه، لا ندري أهي سذاجة سياسية أم رزانة وتحكيم لمنطق العقل والمهادنة، لم نستمع لوجهة نظره حتى نحكم عليه، لكنه يبقى رجل كان يطمح لانتشال مصر إلى مصاف الدول، ولولا كيد المتربصين لكنا اليوم نشاهد مصر أخرى غير مصر السيسي المظلمة. إن وفاة الرئيس وأيا كان السبب والظروف، هي موتة في ثوب براءة تأخذه من أيدي الجائرين إلى حضرة المولى عز وجل حيث تجتمع الخصوم. في الختام نسأل الله تعالى الرحمة والمغفرة للدكتور مرسي ولكل المظلومين في العالم وندعو العالم أجمع إلى الاعتبار من هذه التجربة بما لها وما عليها.


"بلادي وإن جارت علي عزيزة .. وأهلي وإن ضنوا علي كرام"

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة