مصطفى أبو السعود
مصطفى أبو السعود
1.1 k

مرسي.. أيقونة الثبات في زمن التخاذل

19/6/2019

قتلناك، ليس جديداً علينا اغتيال الصحابة والأولياء، فكم من رسول قتلنا؟، وكم من إمام ذبحناه وهو يصلي صلاة العشاء؟ فتاريخنا كله محنة وأيامنا كلها كربلاء، نزلت علينا كتاباً جميلاً، ولكننا لا نجيد القراءة، وسافرت فينا لأرض البراءة، ولكننا ما قبلنا الرحيلا، قتلناك يا جبل الكبرياء، وأخر قنديل زيتٍ يضيء لنا في ليالي الشتاء، وأخر سيفٍ من القادسية، قتلناك نحن بكلتا يدينا، وقلنا: المنية، لماذا قبلت المجيء إلينا؟ فمثلك كان كثيراً علينا، لماذا ظهرت بأرض النفاق، لماذا ظهرت؟ فنحن شعوب من الجاهلية، ونحن التقلب، نحن التذبذب والباطنية.


ما سبق جزء من قصيدةٍ نظمها الشاعر نزار قباني يمتدح جمال عبد الناصر، وأرى أن ما جاء فيها رغم مرور نصف قرن على صياغتها يصلح لأن يقال في حق الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي رحمه الله.

رحلت روحه إلى السماء ومعها طارت فكرته إلى أبعد مدى، فهي شمعة لن تنظفئ، وستحرق من ظن أنه في مأمن من غضب الرب والشعب


استبشرت الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج خيراً بولادة مشروع تغيير شعبي لإخراج الاماني من قمقمها إلى أرض الميدان، لتعود الامة الاسلامية إلى سالف عهدها، تقود بعدما قضت عقوداً تُقاد، ولقد كانت الفرحة عارمة حين ولدت صناديق الاقتراع أول مولود شعبي حظى برضا الشعب في أرض الكنانة مصر، لكن لأن هذا المولود يحمل في ثناياه جينات ايجابية لم يحملها المواليد الذين سبقوه، قرر فراعنة مصر وطغاة العصر التخلص منه، فكادوا له كيداً وألبّوا الأغنياء والأغبياء والبسطاء والسفهاء والمنافقين، وسخّروا الإعلام الهابط ليسخروا منه وتشويه صورته حتى قبل أن يمشي على الأرض، وكأنهم يقولون للناس كما قال فرعون عن موسى "إني أخاف أن يبذل دينكم".


لقد قالت الإرادة الشعبية رأيها "نريد محمد مرسي" فخرج من رحم الشعب، واجتهد في كل الاتجاهات، أصاب وأخطأ، فضخّم اعداؤه أخطاؤه، وقزموا نجاحاته، وتحلى بالشجاعة واعترف بأنه أخطأ في بعض القرارات، هذه الشجاعة غابت عن مائدة الحكام العرب رغم أن خطأهم واضح للعيان وللعميان. لم يلبس مرسي الثوب الذي يلبسه كل من يصل لقمة الهرم في دول العالم الثالث، لم يبع مبادئه، لم يقتل المتظاهرين، حتى أن البعض لقبه بـ "عثمان القرن الواحد والعشرين" لأنه رفض مقاتلة من جاءوا لقتله، فهو يريد أن يلقى الله وعنقه خال من دماء المسلمين.


إن الذنب الذي اقترفه مرسي هو أنه سعى لتنفيذ "مشروع النهضة" الهادف لصناعة الغذاء والدواء والسلاح على اعتبار أن من يملك هذه المقومات امتلك إرادته، وبما أن الغرب يدرك أن امتلاك مصر لهذه المقومات يعني خروجها شيئا فشيئا عن وصايته، وإن مصر زرعت وصنعت ما تحتاجه، فمن يستهلك صناعات الغرب؟ إن الطغاة الذين ظنوا أنهم بسجنهم له سيطفئون وهج الفكرة ويمنعوها من التحليق في فضاء الكون، قد أساءوا التقدير، فقد رحلت روحه إلى السماء ومعها طارت فكرته إلى أبعد مدى، فهي شمعة لن تنظفئ، وستحرق من ظن أنه في مأمن من غضب الرب والشعب.

  
انتقل مرسي من ضيق قضاء الأرض الظالم إلى فضاء العدالة الربانية، ليكون شاهداً على ظلم ذوى القربى وليعطي درساً لمن تبعه من المسلمين قولاً وفعلاً بأن الثبات على الحق ليست كلمة تقال في الخطابات بل صمود وصبر على الحق مهما بلغت الظروف صعوبة. إن الحزن العارم في قلوب الشرفاء ليس حزناً على مرسي كشخص، بقدر ما هو حزن على مرسي كفكرة، فالانقلاب عليه واعتقاله وتعذيبه وحرمانه من حقوقه في السجن هو ذبح لخيارات الشعوب التي قالت كلمتها، وهي رسالة لأي شعب يريد التحرر بأن رأيك ليس له أي قيمة عند أولى الامر من الدول العظمى، خاصة إن كانت خيارات الشعب تتعارض مع وجود الكيان الصهيوني وترفض التبعية الأمريكية.

  
يذكر التاريخ أن الاحتلال الصهيوني قد شن عدواناً على غزة عام 2012 ووقف الجميع يتفرجون، إلا مرسي الذي فتح معبر مصر وصدرها لأهل غزة، وقال قولته المشهورة التي سجلها التاريخ بمزيد من الفخر "غزة ليست وحدها"، حتى أن أهل غزة يذكرون دوما أن عصر مرسي كان ذهبياً عليها. وأختم بما قاله الشيخ رائد صلاح عن الرئيس محمد مرسي أنه الوحيد الذي كان يتصل به دوماً للاطمئنان على الأقصى والقدس.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة