د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
1.4 k

أحمد فتحي زغلول.. المفكر الذي أفقدته دنشواي كل الثناء والمجد

21/6/2019

كان أحمد فتحي زغلول باشا 1863- 1914 مثقفا ومفكرا مصريا متميزا، وكان من رجال القانون والقضاء النوابغ وكان حريا بتخليد الشعب له بين مفكريه وأعلامه لو أنه كان قد نجح في اجتياز اختبار اللحظة الفاصلة التي تتمايز فيها معادن الرجال، وهو الاختبار الشبيه بالاختبار الذي تعرض له تلاميذه الأقل قيمة منه يوم وقع الانقلاب العسكري فانحازوا إليه حفاظا على ما يظنونه مميزات طبقية تحققت لهم ولأولادهم، وقد خسر أحمد فتحي زغلول باشا كل مجده العلمي والقانوني والوطني والثوري حين انحاز ضد الشعب فقبل أن يشترك في إصدار أحكام الإعدام والجلد على فلاحي دنشواي وكان عضوا في المحكمة المخصوصة التي شكلها الإنجليز ورأسها بطرس غالي باشا وضمت معهما قاضيين أجنبيين، ومنذ ذلك الحين وبهذا السبب سقطت مكانته في الوجدان المصري مهما قيل عن فهمه وتحديثه وإسهامه. وعلى الرغم من المكانة التي وصل إليها شقيقه الأكبر سعد زغلول وعلى الرغم من زعامة سعد زغلول الآسرة فإن حب الشعب لسعد زغلول باشا لم يشفع لشقيقه بأية صورة حتى الآن.

  

والأكثر من هذا مدعاة للتأمل أن بدايات أحمد فتحي زغلول باشا الثورية في ثورة عرابي لم تشفع له على الرغم من أنه كان قد فصل من المدارس بسبب نشاطه الثوري. ولم يشفع لأحمد فتحي زغلول باشا أنه أسهم في وضع بعض القوانين المصرية وأن هذه القوانين أفادت هذه مما كان له من دراية عميقة وموثقة بالنظم والقوانين المختلفة في دول أوروبية كثيرة، وهو ما أهله لأن يكون من أفضل المشرعين لما عرف به من الدقة في صياغة التشريعات وفي المؤلفات القانونية. ولما طُلب من أمير الشعراء أحمد شوقي بك أن يشترك في حفل نُظم لتكريم أحمد فتحي زغلول باشا بمناسبة توليه منصب وكيل وزارة الحقانية، سخر الشاعر الكبير من فكرة تكريم عدو للشعب، وأرسل بهذه الأبيات الشهيرة للحفل الذي كان سيقام في فندق شبرد غير هياب ولا وجل من سلطة الباشا والدولة والاحتلال :


إذا ما جمعتم أمركم وهممتموا / بتقديم شيء للوكيل ثمين
خذوا حبل مشنوق بغير جريرة / وسروال مجلود، وقيد سجين
ولا تعرضوا شعري عليه فحسبه / من الشعر حكم خطه بيمين 
ولا تقرأوه في (شبرد) بل اقرأوا / على ملأ في دنشواي حزين

   

ومن العجيب الذي يذكر لضمير الشعب المصري باعتزاز أن هذا الموقف الشعبي الذكي والمتطهر تكرر مع كل رجل من رجال القانون وأساتذته الذين خدموا السلطة العسكرية بجبروتها في كل وقت توقع الشعب ممن هم في عداد المثقفين أن ينحازوا إليه لا إلى السلطة الغاشمة.

  

ومن الإنصاف أن نذكر أنه كان لأحمد فتحي زغلول باشا فضل كبير في تعريف قراء العربية بكثير من ملامح الفكر الأوروبي الحديث من خلال ترجماته القديرة لأعمال فكرية متميزة، كما أنه أسهم إسهامات قيمة في الأنشطة الاجتماعية والتنويرية، وقد برزت مساهماته في العمل الأهلي منذ مرحلة مبكرة فكان (1892) عضوا مؤسسا في الجمعية الخيرية الإسلامية مع الشيخ محمد عبده وسعد زغلول وحسن عاصم، وكان عضوا نشطا، بل ربما كان أكثر الأعضاء نشاطا، وقد ظل عضوا في الجمعية حتى وفاته. كما اشترك في تأسيس الجامعة الأهلية، وفي مجال العمل السياسي والحزبي شارك مع صديقه الحميم أحمد لطفي السيد في تأسيس «الجريدة (1907)، وإن ظل محتفظا بعلاقة ودية مع الخديو عباس حلمي.

   

في أثناء حياته وحين كان لا يزال في الخمسين من عمره أقيم لتكريمه حفل كبير (27 يونيو 1913) في الجامعة المصرية حضره عدد كبير من الأدباء والعلماء ورجال القضاء الأهلي، ورجال القضاء الشرعي

كان اسمه في الأصل فتح الله صبري. ولد أحمد فتحي زغلول في 22 فبراير 1863 بقرية إبيانة من أعمال مديرية الغربية (في ذلك الوقت، وكفر الشيخ حاليا)، وهو الابن الأصغر للعمدة إبراهيم زغلول، والشقيق الأصغر للزعيم سعد زغلول، أما والدته فكانت من عائلة بركات، وتلقي تعليمه في كتاب القرية، ثم تعلم في رشيد حتى المرحلة التجهيزية، وكان تلميذا بالمدارس التجهيزية إبان الثورة العرابية، وكان من أبرز الخطباء الذين يحضون على الثورة مقتدين بأستاذهم عبد الله النديم، ولما احتل الإنجليز مصر تقرر فصله من جميع المدارس بسبب اشتراكه في الثورة، ولكن وزير المعارف أحمد خيري باشا كان يحبه لنباهته وفصاحته فعمل على مساعدته على إتمام دراسته ونصحه بتغيير اسمه حتى يتسنى إدخاله المدرسة ثانية، وكأنه طالب جديد غير فتح الله صبري المرفوت فتسمي بـ«أحمد فتحي» ودخل مدرسة الألسن.

 

ثم سافر إلى أوروبا لدراسة الحقوق (1883)، وحصل على ليسانس الحقوق (1887)، وعاد إلى وطنه ونال أفضل الوظائف المتاحة لأمثاله فعين أولا في قلم قضايا الحكومة (1887)، ثم عمل في النيابة العامة والمحاكم الأهلية، وقد عمل رئيسا للنيابة بأسيوط (1889)، ثم رئيسا لنيابة الإسكندرية، عين أحمد فتحي زغلول باشا رئيسا لمحكمة المنصورة الأهلية (1893)، ونقل رئيسا لمحكمة مصر الابتدائية الأهلية (1896). وهكذا أصبح من أكبر رجال القضاء المصريين وهو لا يزال في سن مبكرة.

 

وفي تلك الفترة توثقت علاقته بالمعتمد البريطاني اللورد كرومر ضمن طائفة من المثقفين المصريين الذين عرفهم اللورد وجالسهم، فلما وقعت حادثة «دنشواي» (13 يونيو 1906)، قام الإنجليز بتشكيل المحكمة من بطرس باشا غالي بصفته قائما بعمل ناظر الحقانية رئيسا، وعضوية اثنين من الإنجليز وعضوية أحمد بك فتحي زغلول رئيس محكمة القاهرة الابتدائية، واستمرت المحكمة في الفترة من 24 إلى 27 يونيو 1906، وصدرت الأحكام التي أثارت المصريين والرأي العام الأوروبي، وهوجم فتحي زغلول هجوما مكثفا لاشتراكه في إصدار هذه الأحكام الجائرة، وتباعدت الحركة الوطنية عن تقديره، وفي العام التالي عين وكيلا لنظارة الحقانية (1907).

 

وفي أثناء حياته وحين كان لا يزال في الخمسين من عمره أقيم لتكريمه حفل كبير (27 يونيو 1913) في الجامعة المصرية حضره عدد كبير من الأدباء والعلماء ورجال القضاء الأهلي، ورجال القضاء الشرعي، توفي أحمد فتحي زغلول باشا في 27 مارس 1914، وأقيم له حفل تأبين رسمي في دار الأوبرا الخديوية (18 مايو 1914) بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاته واشترك في رثائه عدد من الأمراء والوزراء.

  

آثاره:

كانت مترجمات أحمد فتحي زغلول باشا أشهر من مؤلفاته فقد قام على مدي أكثر من عشرين عاما بترجمة عدة مؤلفات منها:

ـ "سر تقدم الإنجليز السكسون" لادمون ديمولان (1899)، وهو أشهر ما ترجمه، لكن فضله الحقيقي يتمثل في ترجمة عيون الفكر القانوني العالمي:

ـ «أصول الشرائع» لجيرمي بنتام (1892).

ـ «خواطر في الإسلام» لهنري دي كونتري (1897).

ـ «روح الاجتماع» لجوستاف لوبون (1909).

ـ «سر تطور الأمم» لجوستاف لوبون (1913).

ومن مؤلفاته:

ـ «المحاماة» (1900).

ـ «شرح القانون المدني» (1913).

ـ «التزوير في الأوراق».

ـ «الآثار الفتحية» (1914) وقد نشر بعد وفاته، وهو مقالات أحمد فتحي زغلول التي جمعها عبد العال حمدان (1914).

 

ومن أهم هذه المقالات والخطب:

ـ ماهية اللغة.

ـ علموا الأمة.

ـ التمدن والحرية والتمدن والتقدم.

ـ التمدن والتغريب.

ـ إصلاح اللغة العربية.

    

وقد ذكر صديقه العظيم أحمد لطفي السيد باشا أنه ترجم عددا من الكتب الأخرى غير ما نشر، وهي:

ـ «العقد الاجتماعي» لجان جاك روسو.

ـ «الاقتصاد السياسي» لبورجار.

ـ «تمدن الغرب» لجوستاف لوبون.

ـ «جمهورية أفلاطون».

ـ «الفرد ضد المملكة» لهربرت سبنسر.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة