أمين أمكاح
أمين أمكاح
9.9 k

لا شيء يستحق أن نعيش له بذل

22/6/2019

الذل صفة بشرية مذمومة ومبغوضة عند الإنسان السوي، وليست من الفطرة الإنسانية السليمة في شيء، فالنفس هي التي تكتسب الذل بعد أن يصير عندها طبعا مألوفا، لأنها لم تتربى على التحليق في معالي الأمور وتجنب الإسفاف، وبالتالي فنفورها من العزة وانجذابها للذل يصبح أمرا عاديا بعد التطبع معه، ولا تقف النفس عند هذا الحد بل تتعدى إلى التبرير له، والذل ما هو إلا انعكاس لما تربى عليه الفرد، وتكون الذلة بما يفعله المرء من ضعة ومهانة في نفسه بإرادته التامة؛ ولا يكون الإنسان ذليلا نتيجة ما يصنعه به غيره وهو مكره لا حول ولا قوة له، والشخص الذليل هو الذي استباح نفسه ووأد عزتها ودنا بطبعه وفتح باب الانبطاح بسهولة بعد أن ارتضى الذل لنفسه، الأمر الذي يجعله يستصغر خيانة الأمانة والغدر بالعهد وركوب كل شر وبلية، والذي يقبل أن تسحق نفسه هو إنسان بلا عزة مستلب الحرية يمارس أفعالا تدل على أنه عبد مملوك لغيره من البشر، فقبِل بذلك أن يعيش عيشة غير عفيفة تغلبها الأطماع الدنيئة، وإن أوهم نفسه بالحصول على منافع دنيوية كثيرة، فالذل ضعف يقعد المرء ويمنعه من النهوض بنفسه ليحيا حياة شريفة كما يرضاها الله.

     

ورغم أن الإنسان ضعيف أمام الشهوات والمغريات الدنيوية إلا أنه لا مبرر أخلاقي لإذلال نفسه بغية ذلك، فالذي يرضى بالعيش الذليل منحط إنسانيا ومبدئيا، وبطبيعة الحال فالبشر ليسوا سواء ولا يملكون جميعا القدرة على إدراك قيمة عزة النفس، لأنهم لم يألفوها رغم أن لها مكانتها الفاضلة التي لا تعادلها كنوز الدنيا الفانية، وهي من الفضائل الرفيعة التي لا تكتسبها سوى النفوس الأبية العفيفة التي لا تتنازل قيد أنملة عن عزتها، وتذود عنها وتضحي بالغالي والنفيس من أجل الحفاظ عليها، والابتعاد عن كل ما يمكنه أن يقرب النفس إلى الفجور الأخلاقي الناجم عن إذلال المرء لذاته، والسؤال المطروح هنا: يا ترى ما الذي جعل الذل يستشري في حياة الإنسان المعاصر ويبلغ مداه؟

      

يعتبر الانقياد لغير الله انحطاطا ما بعده انحطاط، ولا يرضى الإنسان الشريف بأن تذل نفسه، أما وضيع النفس والشيم فيستسهل حياة الذل وإقرار الضيم عليه عن قناعة لا لجبن أو جهل، لأن الذليل في الغالب تكون نشأته قائمة على الذل

إن معرفة الأسباب الكامنة وراء ظهور الذل في النفس البشرية ليس بالأمر الهين لتداخل أمور متشعبة لها بعد تراكمي، أي أن قبول الذل على النفس والرضا به لا يأتي وليد اللحظة، ومن بين أهم الأمور المتدخلة في ذلك: البيئة التي تشمل كل ما يحيط بالإنسان، وكذلك التعليم وما يتعلق بالشق الثقافي للفرد، إضافة إلى ما هو مرتبط بالمعتقدات والعادات التي تحكم المرء في مجتمعات كثيرة، وإلى جانب ذلك هنالك البعد التربوي الذي يلعب دورا بارزا في تكوين شخصية الإنسان، وأي خلل بنائي قائم على الشعور بالضعف والغلبة والاستنقاص في الأمور المذكورة سلفا حري بأن ينزع من النفس صفة العزة ويزرع الهوان، والأهم من هذا كله أن الذل يقترن بالتعلق والتمسك بما في الحياة الدنيوية من شهوات، لأنها تصير بذلك أكبر هم للمرء، الشيء الذي يجعله يسمح بأن تهان نفسه وتذل لينال شيئا من حطام الدنيا، ومن الطبيعي أن الذي يتنازل عن عزة نفسه ولا يصونها سوف يضطهد ويتعامل بتصرفات خسيسة.

       

ومن باب المقارنة المؤدية إلى الفهم السليم للعلامات الفارقة بين العزة والذل؛ نجد عزيز النفس الذي يأبى الذل والإذعان ويرفضهما مهما كان المتاع الدنيوي الذي قد يأتي عن طريقهما، ويختار العزة والإباء وإن خلفا الحرمان والقهر، ويرفض أن يتصرف بخضوع غير أخلاقي مذل للنفس ومذهب للنخوة والكرامة، في المقابل هنالك المذلول الذي يمتهن العيش بذل وقبول معاملته معاملة العبيد من دون امتلاك القدرة على التخلص من التبعية لغيره، فلا يرتفع صوته لرفض الخنوع والإذلال، ويظل صامتا يبتلع الإهانات المتكررة من دون أي ردة فعل أو تنديد للذي يهينه، ولا يقوى على الانتفاض لنفسه، ويستسلم للمهانة استسلاما مشينا.

    

وليس هنالك ذل مقيت أكثر من الذي يفضي للشرك والعياذ بالله؛ باعتماد الإنسان على غير الله في قضاء حوائجه وعدم الأخذ بأسباب التوكل على ربه، باعتباره الخلق هم الأقدر على تلبية طلبه للرزق أو النجاة من رزايا الدنيا ومصائبها، وعلى أنهم أحسن القاضين لمصالحه الدنيوية، في حين أنه لو تيقن من أن المعز سبحانه أعلم بحوائجه وكفيل بها وبرزقه المقدر من عنده فسيوصله إلى ما يبتغيه لا محالة، والذي إن تمسك به سيتمكن من حفظ نفسه والابتعاد عن كل ما يذلها من خضوع واستكانة تحت ذريعة الحاجة الماسة أو الوضع القاهر.

إذا استمر الإنسان المعاصر في العيش بذل ولم يستطع استعادة عزته، سيمرر مهانته وذلته للأجيال اللاحقة، وسيصير الذل وكأنه طبع موروث ملازم له

   

ولهذا يعتبر الانقياد لغير الله انحطاطا ما بعده انحطاط، ولا يرضى الإنسان الشريف بأن تذل نفسه، أما وضيع النفس والشيم فيستسهل حياة الذل وإقرار الضيم عليه عن قناعة لا لجبن أو جهل، لأن الذليل في الغالب تكون نشأته قائمة على الذل، لهذا يتعذر غرس قيم العزة في وجدانه، ويعجز بأن يتصرف تصرفا يثبت فيه عزة نفسه وحرصه على حفظ ماء وجهه، لكونه مداوم على احتقار نفسه بنفسه بلجوئه لعبودية غيره من المخلوقات وإن صرح بنقيض ذلك، ويتقبل ذله برحابة صدر وبكل طيب خاطر، وإن حاول أحد نصحه بالابتعاد عما يسيء لذاته ويثلم مروءته والعمل على تجنب ما يهين النفس ويحط من شأنها وقيمتِها، ستجده مدافعا شرسا عن ممارساته المذلة بل يحاول شرعنتها وتبرير قبوله بها رغم أنها مما لا ينبغي أن يقبله أخلاقيا وشرعيا.

    

إن الإنسان اليوم مدعو إلى استرجاع عزة نفسه وإغاثتها والذود عنها مهما كلفه ذلك من ثمن، ولا يتم ذلك بمعزل عن الإصلاح القيمي الذي يعد العمود الفقري لكل تغيير إيجابي، فالتمكن من ترسيخ قيم العزة في النفس تجعل المرء يأبى إلا أن يعيش عزيزا، وسوف ينعكس تأثير تلك الصفة الفاضلة على الذات لتصير سوية، وهذا بدوره سيعزز من ثقة المرء بذاته، فيقدر إمكاناته ويعتز بإنجازاته ويجعل نفسه في دائرة الحسابات المهمة التي لا تقبل التعدي عليها؛ وتصبح عزة النفس بمثابة خط أحمر لا يمكن السماح بتجاوزه، وكل من دعته نفسه الأمارة بالسوء إلى محاولة المساس بها بالتهجم والتطاول عليها سيلقى ردة فعل قوية إذ لا مجال للتهاون فيها أبدا، لهذا نقول أن الذي لا يتمتع بنفس عزيزة له مناعة ضعيفة جدا ضد محاولات القتل المعنوي للضمير والقلب المؤدي إلى العيش مثل البهائم والإمعة التي لا تدري أين تضع نفسها.

    

وفي الأخير لا بد من التأكيد مجددا على عدم الرضا بالذل؛ فلا الأدنى من العيش بعزة يفني، ولا الحصول على الأغلى من هذه الحياة بذل يُبقي، على أن ما قل وكفى بعز خير مما كثر وألهى بذلة، فشتان ما بين الذل والعزة، وصاحب المبدأ مقتنع من أن العيش بالعزة في جحيم خير من حياة ذليلة وإن ملأها رغد الدنيا كله، ولا يفهم مما قلنا أن الإنسان المبدئي مفروغ من حب الحياة ومتاعها، بل هو من المحبين لها إن أتت بما يستحقه بشرف ويرفض كل منفعة تأتي بذل، وطال الزمن أو قصر ستعرف ولو متأخرا بأن الأشياء الثمينة لا تقدر بثمنها إلا حينما تأخذ أو تعطى بعزة نفس، فإن ما تحصل عليه إن لم يوزن بميزان الكرامة والأنفة والنبل ستنقطع منه العزة التي هي أثمن شيء فيه. وإذا استمر الإنسان المعاصر في العيش بذل ولم يستطع استعادة عزته، سيمرر مهانته وذلته للأجيال اللاحقة، وسيصير الذل وكأنه طبع موروث ملازم له لا حيلة للفكاك منه، فستعتاد النفس على النمط المعيشي المذل، وسيصبح الذل وكأنه سمة بارزة تشتهر بها هذه الأجيال، ويتفاقم ذلك عندما يفتقد المثل الأعلى، وتتضاءل الأفكار السامية، وتشوه العقيدة الدافعة للخلاص من كل ما هو لاأخلاقي يحط من إنسانية الإنسان، الشيء الذي سيجعله يعيش في ظل الذل والاستكانة بأريحية تامة ومن دون أي إحساس بدناءة تلك المعيشة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة