عمار العربي
عمار العربي
5.6 k

بخسارة السلطان لإسطنبول.. ما هي نقلة الشطرنج المطلوبة منه؟

25/6/2019

الخطوة غير المسبوقة المتمثلة في قرار اللجنة العليا للانتخابات بإبطال نتائج الانتخابات البلدية الخاصة بمدينة اسطنبول نهاية آذار الماضي، والمتعلقة بمنصب العمدة، جاءت بناء على الطعون المقدمة من حزب العدالة، وتسببت في حرمان الفائز بصورة شكلت تداخلاً بين المنطق والأخلاق لا تتكرر دائماً في العرف السياسي. فلماذا ألغيت النتائج السابقة؟ بدا للجميع أن هامش الفوز لم يكن كافيا حين تعلق بـ 13 ألف صوت، وبالأخص إذا علمنا أنه سيترتب عليه انتخابات عامة مبكرة، قد تنبئ بتغييرات في الحكومة وربما في السياسة الخارجية.

وفي واقع الحال فإن الفوز للمرة الثانية لمرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض أكرم إمام أوغلو، والذي رفع شعارا جذابا "كل شيء سيكون على ما يرام" عمل على استقطاب الجماهير من حوله، مما فرض على حزب العدالة والاتحاد استهلال مرحلة النقد الذاتي للخروج بدروس عملية تنقذ ما يمكن انقاذه، ونعني بذلك منصب الرئاسة، فالمنافسة بين بن علي يلدريم مرشح تحالف الشعب بحزبيه العدالة والحركة القومية، وأكرم إمام أوغلو مرشح تحالف الأمة بحزبيه الشعب وإيي المعارضين هو تنافس ثنائيات السلطة والمعارضة، والقومية والأممية، والأهم وهو التجديد والكلاسيكية.

صحيح أن الإعادة جاءت كرد اعتبار أولا لهيئة الانتخابات، إلا أن الفوز بعمدة مدينة اسطنبول مقابل منافس سياسي مخضرم كالسيد يلدريم، شكل بداية تنافس شرس مستقبلي يتجاوز الخدمات نحو السياسة، بدليل انجازات يلدريم الضخمة، والمتمثلة في المشاريع العملاقة والنمو الاقتصادي والاستثماري، على الرغم من انخفاض قيمة الليرة، إلا أن استقرار الأسعار ملحوظ، في حين منح هامش الحرية والتسهيلات لقوى المعارضة القادمة من مصر وسوريا وليبيا واليمن الذين تحتضنهم تركيا والأصدقاء مثل دولة قطر نفوذا اقتصاديا عمل على مقاومة نفوذ الخصوم الإقليميين رعاة الدولة العميقة.

ما هي أسباب هذا التراجع؟
يشير بعض المحللين إلى أن تركيا قد تتجه إلى انتخابات عامة ورئاسية قبل أوانها في عام 2023، وإلى تعديل وزاري يرافقه تعديل مواكب في السياسية الخارجية إثر ما تمخضت عنه الانتخابات البلدية لإسطنبول الكبرى

عانت تركيا من صراعها مع الانفصاليين الأكراد، والأزمات الدولية الإقليمية كالحرب في الجارة سوريا، وتشابك سياسات أردوغان في عدة ميادين وبؤر ساخنة كالضفة الغربية وقطاع غزة، وملف الجاليات والصراعات الشرق أوسطية، والجانب الانساني للمهاجرين، والردة الديمقراطية في مصر، واغتيال الصحفي جمال خاشقجي على الأراضي التركية، والخلاصة فإن تبني الدولة التركية لمسار التعامل الأخلاقي في السياسات الدولية كفيل بزيادة الخصوم، بمعنى الشعبوية لغة لا يفهمها الخصوم وأهل الاقتصاد، فرأينا من مظاهر تلك السياسات ردود أفعال الرئيس أردوغان في عدة محافل دولية، وهي على ما فيها من شجاعة يحسد عليها، إلا أن لها أثارا جانبية، ولعل آخرها وصفه للسيسي بـالجبان الخائف من جثمان مرسي، ورعايته لشؤون الأقليات المسلمة، وصداماته المتكررة مع الغرب، ووصفه لعدة دول إقليمية بالخضوع للإملاءات الخارجية، وتعزيز النفوذ الغربي في الشرق الأوسط على حساب خصوصية المنطقة ككل.

ومن أمثلة ذلك أيضاً إصرار الرئيس أردوغان على مواصلة صفقة منظومة "إس 400" الروسية. وفي الجانب الآخر فإن تركيز حزب العدالة والتنمية على الظهور المكثف لرئيس الجمهورية أردوغان على حساب غيره من منتسبي الحزب أمثال بن يلدريم ساهم في استيلاء الخصوم على إسطنبول بيت الأسرار للرئيس أردوغان، وتداعيات ذلك التي قد تعني خسارة مراكز القوى الاقتصادية وهذا بمثابة ضربة تستهدف الرئيس، كما إن قوى المعارضة ساهمت بدعايتها في ايصال فكرة أن الميزانيات والعقود الكبيرة الخاصة بالبلدية، وسيلة لتوزيع المنافع على الدائرة المحيطة  فموازنة اسطنبول تتجاوز 8 مليارات دولار، وهي اتهامات غير ثابتة، وفي الجانب الاقتصادي فإن انخفاض العملة التركية بمقدار الثلث على مدار العام الماضي، تسبب في تزايد الرغبة بين الناخبين لمعاقبة الحكومة.

في حين أن الخصم العنيد ظهرت مؤشرات تفوقه في المناظرات التلفزيونية واستطلاعات الرأي، بمعنى بروز الحرفية في توظيف الإعلام، والاستفادة من بعض التشتت الحاصل داخل حزب العدالة والتنمية بعد ظهور اتجاهين هما غل وداود أوغلو، وخذلان الصوت الكردي لأردوغان، حتى وإن وقف الأكراد على الحياد، ولكن ينبغي الإقرار بأن جوهر الأسباب هو ابتعاد شركاء الرئيس أردوغان عنه، ونعني بذلك الرئيس السابق عبد الله غل ورئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو، وهما يمتلكان قاعدة إسلامية ضمن كوادر العدالة والتنمية، وحزب الشعوب الديمقراطي الذي يمثل الكرد في تركيا، فأصبحت المعارضة بالتالي أكثر اتساعاً مما سبق، وهذا وحد جهودها وذلك إذا علمنا بعدم وجود إنتخابات برلمانية ورئاسية حتى حلول العام 2023.



وفي حقيقة الأمر فإن الترشيحات الأربعة ساهمت في تشتيت الأصوات، وإن كانت حظوظ البعض أقل، فالمرشح نجدت كوكجنار من حزب السعادة، والمرشح مصطفى إيلكر من حزب الوطن استمالا العديد من الناخبين لصالحهما، كما تواصلت النظرة لبن علي يلدرم بوصفه ابن الدولة الذي لم تشفع له سيرته الذاتية وإنجازاته التاريخية في تحقيف الفوز.

ترى ما هي النتائج المترتبة على ذلك؟

يشير بعض المحللين إلى أن تركيا قد تتجه إلى انتخابات عامة ورئاسية قبل أوانها في عام 2023، وإلى تعديل وزاري يرافقه تعديل مواكب في السياسية الخارجية إثر ما تمخضت عنه الانتخابات البلدية لإسطنبول الكبرى من تداعيات، ومنها مقولة الفائز أوغلو "هذه الانتخابات ستقدم مساهمات في استراتيجيات الانتخابات المقبلة" وهو الذي يتبنى خط العلمانية الإنسانيه بمقولته سأعانق أولئك الذين يقاوموننا، على الرغم من توصيفه باليوناني والمنشق والمؤازر لأنصار الانقلاب والمقرب من أمريكا، بل حتى المساند للاستبداد ومنه الاستبداد العربي، أما بن يلدرم فقد أبدى احترامه لإرادة الناخبين في اختيار رئيس بلدية اسطنبول، وقال: "حان الوقت لنبذ الخصومة والتركيز على المستقبل"، فباتت طروحات الرأي العام حول سياسات أردوغان تظهر للعلن، ومن المؤكد سيتم تفسير ذلك على أنه بداية التراجع لحزب العدالة والتنمية ولأردوغان أيضا.

كان أردوغان قد انتخب عمدة لإسطنبول عام 1994، وأسس حزب الحرية والعدالة عام 2001، وأصبح رئيسا للوزراء بين عامي 2003 و2014، ثم أصبح رئيسا للجمهورية، وقد وصف إردوغان نتائج الانتخابات بأنها مسألة حياة أو موت، وعلى الرغم من خلافات حزب أردوغان، إلا أن البعض ينطر بإعجاب لتبرير الرئيس أردوغان للجولة الأولى في آذار: "ربحنا في بعض البلديات وخسرنا في أخرى، وفي كلتا الحالتين هذه إرادة الشعب وهذه طبيعة الديمقراطية ونحن نحترمها، ونعمل على كسب معركة القلوب، وسنحدد مسارنا المستقبلي في ضوء ذلك"، وتأتي هذه التوصيفات  في سياقها كمثال على التباهي بتطبيقات الديمقراطية في تركيا، وهو ترويج في غير محله وإن عمل على تعزيز ثقة الجمهور وصناعة حالة من الرضى حيال العملية الديمقراطية.

من المؤكد أن النتائج الحالية ستوجد قلقا أردوغانيا عميقا للغاية، يتطلب اللعب بكل الأوراق استباقا لأية طوارئ تنهي الصعود السياسي المطرد على مدار ربع قرن، وإن كان الرئيس سيبقى، وسيظل ائتلافه يسيطر على البرلمان، فعلى الرغم من ذلك فإن الكثيرين سيعتبرون هذا التراجع بداية النهاية، وإن من شأن ذلك أن يدق عدة أسافين داخل الحزب الحاكم، والتأثير في سمعة تركيا الديمقراطية، ويؤسس لاستهلال مرحلة جديدة عنوانها مراجعة الذات، والأهم من ذلك نقلة الشطرنج المطلوبة من أردوغان حيال نقلات الخصوم، والتي ستؤدي حتما أن لم يتدارك الأمر لنقلة كش ملك عام 2023.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة