د. إيهاب عمرو
د. إيهاب عمرو
453

ورشة المنامة وأوهام السلام الاقتصادي

26/6/2019

انطلقت ورشة المنامة تحت عنوان براق يهدف إلى دعم الاقتصاد الفلسطيني وتحقيق الرفاهية لسكان الدولة الفلسطينية المنتظرة التي لم يتبق منها شيئاً بعد قيام الإدارة الأميركية الشعبوية الحالية بإعلان القدس بشطريها عاصمة لإسرائيل، وقطع المساعدات عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، ناهيك عن إغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن.

   

ولعلنا نستطيع قراءة التصور المستقبلي للحل السياسي المزعوم، إضافة إلى القرارات سالفة الذكر، من خلال تصريحات أولئك المكلفين بإدارة الملف الفلسطيني الاسرائيلي في الإدارة الأميركية مثل جاريد كوشنير وغرينبلات إضافة إلى سفير الولايات المتحدة في إسرائيل ديفيد فريدمان، فمن تصريح كوشنير أن إعلان الرئيس ترمب القدس عاصمة موحدة لإسرائيل إنما يعكس الوقائع على الأرض، ومروراً بتصريحات غرينبلات ذات الصلة، وانتهاءاً بتصريح السفير فريدمان الأخير حول إمكانية ضم جزء من أراضي الضفة الغربية لإسرائيل، فإن ذلك كله يعد مؤشراً على الحل السياسي الذي تطمح الإدارة الأميركية إلى تحقيقه أو فرضه على الطرف الفلسطيني وعلى الأطراف العربية، خصوصاً أن الإدارة الأميركية تدرك حاجة الدول العربية لدعمها من ناحية مالية وعسكرية وسياسية.

 

السبيل لمواجهة تداعيات تلك الورشة بتمتين الجبهة الداخلية والحفاظ على تماسكها، خصوصاً أن الفصائل الفلسطينية كافة أبدت موقفاً موحداً يصلح أن يشكل رافعة لإعادة طرح موضوع المصالحة

ولا بد من الإشارة هنا إلى الموقف الشجاع الذي تحتم على القيادة الفلسطينية اتخاذه ويسجل لها من حيث عدم قبولها مقايضة الحل السياسي بحل إقتصادي مزعوم لا يرى من أثره شيئاً ويعتمد بشكل أساسي على تدفق أموال العرب وهي التي لم تنقطع يوماً، أي الدول العربية، عن توفير الدعم والمساعدة لفلسطين، يدلل على ذلك قيامها مؤخراً بالاستجابة لطلب القيادة الفلسطينية بتوفير شبكة أمان مالي لمساعدة السلطة الوطنية الفلسطينية على مواجهة تداعيات الأزمة المالية التي تعصف بها نتيجة إقتطاع الحكومة الإسرائيلية عائدات الضرائب واجبة الدفع. ولعل رفض القيادة الفلسطينية المشاركة في تلك الورشة أسقط الشرعية عنها، ولكن يتعين الإنتباه مستقبلاً إلى إحتمالية تطبيق مخرجات تلك الورشة بشكل مجزأ ما يساهم في إضعاف الموقف الفلسطيني.

  

ويكون السبيل لمواجهة تداعيات تلك الورشة بتمتين الجبهة الداخلية والحفاظ على تماسكها، خصوصاً أن الفصائل الفلسطينية كافة أبدت موقفاً موحداً يصلح أن يشكل رافعة لإعادة طرح موضوع المصالحة كمصلحة وطنية عليا لمواجهة أية تداعيات محتملة قد تعود بالضرر على القضية الوطنية والمشروع الوطني الهادف إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

 

ولعل حضور بعض الدول العربية لتلك الورشة نابع من ضعف الموقف العربي بالعموم في مواجهة خصوم الداخل والخارج، ناهيك عن إستخدام إيران كفزاعة من أجل إخافة العرب، خصوصاً في منطقة الخليج العربي، وحثهم على عدم التفكير بالنزول من تلك القاطرة التي تقودها الولايات المتحدة حتى لو كلفهم ذلك، أي العرب، الكثير من المال والأثمان، وأقصد الأثمان السياسية التي يتعين عليهم دفعها مقابل تلك الحماية. إضافة إلى حاجة دول عربية أخرى للمساعدات الأميركية المالية والعينية ما حتم عليها المشاركة في تلك الورشة على طريقة مكره أخاك لا بطل. إضافة إلى أسباب موضوعية أخرى لا حاجة للخوض فيها درءاً للمفاسد.

   

ويجدر الإشارة هنا أيضاً إلى الموقف الأردني من المشاركة في تلك الورشة بمستوى تمثيلي منخفض يعكس الخشية الأردنية من إحتمالات تأثير صفقة القرن الموعودة على إستقرار الأردن السياسي مستقبلاً من جانب، ويعكس إلتزام الأردن بالثوابت ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية وأهمها إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض التوطين كمقدمة لتجسيد فكرة الوطن البديل على الأرض من جانب آخر. ولعل تلك المشاركة، على ضعف تمثيلها، جاءت بعد ضغوط تعرض لها الأردن خصوصاً أن الولايات المتحدة تقوم بدعم الاقتصاد الأردني بمبلغ يعادل مليار ونصف المليار دولار سنوياً على شكل مساعدات مالية وعينية (مدنية وعسكرية). وكم كنت أتمنى لو حذت دول عربية أخرى حذو الأردن في تخفيض مستوى مشاركتها ما كان من شأنه إرسال رسالة قوية إلى الإدارة الأميركية بعدم رضاهم عن طريقة التعاطي مع الملف الفلسطيني وأن الحل الاقتصادي يتبع الحل السياسي وليس العكس.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة