المختطفون في اليمن.. مأساة على هامش الحرب!

29/6/2019

يخرجن أسبوعياً تحت أشعة الشمس الحارقة، للوقوف أمام السجون والمعتقلات والمقرات الأمنية المختلفة التي يُحتمل أن أقاربهن وذووهن محتجزون فيها، حاملات لوحات وللافتات مكتوب عليها، أفرجوا عن أبي .. أفرجوا عن ابني .. أفرجوا عن أخي .. أفرجوا عن زوجي .. أفرجوا عن عائلتي، يتعرضن خلال هذه الوقفات لشتى أنواع الإهانات والمضايقات اللفظية الجارحة، وحتى للأذية الجسدية، وللتهديد بإخفاء أبنائهن إلى الأبد، وبحرمان البعض منهن من الزيارات، عقاباً لهن على المشاركة في هذه الوقفات الاحتجاجية. على مدى أكثر من أربع سنوات وهذا حال أمهات وأبناء المختطفين والمخفيين قسراً في اليمن.

 

بدأت حكاية المختطفين والمعتقلين تعسفياً مع دخول الحوثيين العاصمة اليمنية صنعاء في نهاية العام 2014، بعد استيلائهم على السلطة بالقوة، اختطف الحوثيين على إثرها المئات من المعارضين من سياسيين وعسكريين وأكاديميين وصحفيين ومواطنين عاديين، وكان العدد الأكبر من نصيب حزب الإصلاح، الذي كان عدواً مشترك للحوثيين وحليفهم في حينها الرئيس السابق على عبد الله صالح.

 

بعد فترة وجيزة توجهت مليشيات الحوثيين وقوات الرئيس على عبد الله صالح باتجاه الجنوب، فتشكلت مقاومة شعبية جنوبية لمواجهة الحوثيين وحلفيهم السابق على عبدلله صالح، هذه المقاومة - أو جزء منها تحديداً- تحولت فيما بعد بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة إلى ما يسمى حالياً بـ قوات الحزم الأمني. بعد أن أحكمت قوات الحزام الأمني سيطرتها على عدن وبعض مدن الجنوب قامت هي ايضاً باختطاف واعتقال المئات من المناوئين لهم في مناطق سيطرتهم. وفي نهاية العام 2017، وتحديداً في بداية شهر ديسمبر/كانون الأول، اندلعت اشتباكات بين الحوثيين وحليفهم على عبد الله صالح، قتل فيها الرئيس السابق على عبد الله صالح، وعلى إثرها اختطف الحوثيين واعتقلوا المئات من حزب المؤتمر الشعبي والموالين له من قبائل وعسكريين.

   

   

في ظل هذه الحرب والصراعات التي لا تنتهي، غُيب العديد من اليمنيين عن أسرهم وأهاليهم، وأخفوا في غياهب السجون، وتعرضوا للتعذيب وحتى للقتل ومورست في حقهم الكثير من الانتهاكات، وعلى مدى ما يقارب من الخمس سنوات لم توجه لأغلبهم أي تهمة ولم يحالوا إلى المحكمة، بل أن الكثير منهم لا يعرف مكان احتجازهم إلى الآن، كثيرة هي التقارير الحقوقية الدولية والمحلية التي رصدت ووثقت أعداد المختطفين والمخفين قسراً في اليمن والانتهاكات التي مورست بحقهم، لكن أبرزها وأهمها هو تقرير حمل عنوان "أمهات على أبواب السجون" نشرته رابطة أمهات المختطفين في اليمن مطلع العام الحالي، ورد في هذا التقرير أن عدد من تم اختطافهم في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيين وصل إلى 1442 شخص، منهم 114 حالة اختطاف طالت نساء.

 

لم يكن الحوثيين هم الطرف الوحيد الذي مارس الاختطاف والاعتقال التعسفي والإخفاء ألقسري، وان كان هو الطرف الأكثر ممارسة لهذه الانتهاكات، فقد كشف التقرير عن أن القوات العسكرية والأمنية في عدن، المعرفة بـ"الحزام الأمني" المدعومة من دولة الإمارات، هي أيضاً مسئولة عن اختطاف ما لا يقل عن 54 شخص. وشمل التقرير، إحصائيات بالاختفاء ألقسري -خلال فترة انجاز التقرير 2018- حيث بلغ إجمالي حالات الاختفاء ألقسري التي رصدتها الرابطة إلى 294 مخفي قسرا خلال العام 2018 فقط، معظمهم حدث في مناطق سيطرة الحوثيين، وتصدرت محافظة الحديدة بـ 73 حالة، تليها محافظتي تعز بـ 37 حالة، وصعدة بـ 37 حالة، أما المناطق التي تسيطر عليها قوات الحزام الأمني فرصدت الرابطة 15 حالة بمحافظة عدن، في حين لا يزال 230 مختطفاً في عداد المخفيين من الأعوام السابقة.

 

كلا طرفي الصراع الدائر اليوم في اليمن اختلفت مع بعضها البعض على كل شيء تقريباً، لكن الشيء الوحيد الذي اتفقوا عليه، هو العمل إطالة هذه الحرب أطول مدة ممكنه، ليواصلوا الاستفادة من الخيرات التي جلبتها لهم الحرب

وفي الآونة الأخيرة برزت ظاهرة الاختطافات والاعتقالات الجماعية، حيث رصدت رابطة أمهات المختطفين خلال العام الماضي فقط 33 حملة اختطاف واعتقال جماعية، 29 حملة اعتقال جماعية منها قامت بها جماعة الحوثي المسلحة في مناطق سيطرتها، و4 حملات قامت بها القوات العسكرية والأمنية المعروفة بالحزام الأمني في عدن. وأضاف التقرير أن عدد من تم احتجازهم في حملات الاختطاف والاعتقال التعسفي وصل إلى 450 من بين هؤلاء المختطفين نساء وأطفال.

  

عدداً ليس بالقليل من المعتقلين الذين تم الإفراج عنهم، خرجوا يحملون معهم إعاقات دائمة أصيبوا بها داخل السجون والمعتقلات، جراء التعذيب الذي كانوا يتعرضون له ليل نهار، والكثير منهم أيضاً أصيبوا بأمراض وحالات نفسية مزمنة، والبعض منهم فارقوا الحياة داخل هذه السجون والمعتقلات، وهو ما أكدته رابطة أمهات المختطفين في تقريها عن حالات التعذيب ضد المختطفين والمخفيين قسراً، التي تمارسها جماعة الحوثي المسلحة والقوات العسكرية والأمنية في عدن، وكانت حصيلتها 709 حالة تعذيب، مورست على المختطفين خلال عام 2018، وعلى قدامى المختطفين أيضا، الذين تعرضوا لأساليب مختلفة من التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون، تصدرتها أمانة العاصمة صنعاء بـ 134 حالة، تليها محافظة الحديدة بـ 120 حالة. وفيما يتعلق بالقتل تحت التعذيب في السجون وأماكن الاحتجاز، فقد بلغت حالات القتل تحت التعذيب أو بسببه 28 حالة، منها 22 حالة في سجون ومعتقلات جماعة الحوثي، و6 حالات في سجون القوات العسكرية والأمنية في عدن.

 

ولم يسلم أهالي المختطفين من انتهاكات عدة مُورست في حقهم، فقد أشار التقرير ذاته إلى عدداً من الانتهاكات التي وقعت على أُسر المختطفين، كالاعتداء الجسدي الذي وصل في بعض الحالات إلى حد الاعتداء على حق الحياة، وأيضاً احتجاز الأقارب كرهائن لإجبار الضحية على تسليم نفسه، أو إجباره على قول ما يطلب منها، والابتزاز المالي، حيث وثقت الرابطة 563 حالة تعرضت للابتزاز المالي من قبل الحوثيين.

 

في نهاية العام 2018 وتحديداً في منتصف شهر ديسمبر/كانون الأول، استبشر اليمنيين خيراً، خصوصاً أهالي المعتقلين، بعد إعلان الأمم المتحدة ومبعوثها في اليمن مارتن غريفيث عن توقيع اتفاقية استوكهولم من قبل طرفي الحرب الدائرة اليوم في اليمن، التي تنص في إحدى فقراتها على آلية تنفيذية حول تفعيل اتفاقية تبادل الأسرى بين أطراف النزاع، لكن للأسف لم تدم فرحة اليمنيين كثير، ولم يتم - إلى ساعة كتابة هذا المقال- تنفيذ أي من بنود هذه الاتفاقية بل على العكس استمر الاختطاف والاعتقال والإخفاء ألقسري من قبل كل الأطراف من بعد توقيعهم لهذه الاتفاقية، وبوتيرة أوسع مما كانت عليه في السابق، وكأن شيء لم يكن.

 

كلا طرفي الصراع الدائر اليوم في اليمن اختلفت مع بعضها البعض على كل شيء تقريباً، لكن الشيء الوحيد الذي اتفقوا عليه، هو العمل إطالة هذه الحرب أطول مدة ممكنه، ليواصلوا الاستفادة من الخيرات التي جلبتها لهم الحرب، وليتسببوا بمزيد من المآسي للشعب اليمني الذي سلبته هذه الحرب كل شيء تقريباً، وجلبت له القتل والجوع والمرض والفقر المدقع. ويبقى السؤال المطروح دائماً، متى تنتهي هذه الحرب، لينتهي معها معاناة المئات من المختطفين والمعتقلين تعسفياً والمخفيين قسراً، وتنتهي معها معاناة ألآلاف من أمهاتهم وأبنائهم وأسرهم التي أصبح شغلهم الشاغل هو البحث عن أبنائهم والمطالبة يومياً بإطلاق سراحهم من على أبواب السجون والمعتقلات.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة