ما العيش بعد إعدام سلمان العودة؟!

4/6/2019

ضجّت وسائل الإعلام والتّواصل الاجتماعيّ خلال الأيّام الأخيرة بخبرٍ مسرّب عن التّحضير لإعدام عددٍ من العُلماء في السّجون، على رأسهمْ الدكتور سلمان العودة، والدكتور علي العمري، والدكتور عوض القرني. الخبرُ الذي دفع عددًا كبيرًا من العلماءِ والمُتابعين والإعلاميّين لإبداء التّعاطف معهم، والتّحذير من هذه "الجريمة". بينما اتّجه آخرون للتّقليل من هذه "الشائعة" التي انتشرت في هذا الوقت "لحاجة في نفوس مُطلقيها" حسب اعتقادهم.

  

مع كميّة الصّور والفيديوهات والتغريدات التي أُعيد نشرها في الآونة الأخيرة لهؤلاء العُلماء الذين يُساقون إلى المشانق، والتّذكير بمواقفهم وأفكارهم وبرامجهم التي تابعها الملايين من الشباب خلال الأعوام الماضية؛ جلستُ مع نفسي شريدَ الذّهن حائرًا مصدومًا أحدّثها: هل حَقّا يفعلونها؟! وما العيش بعد العودة والعمري اللّذين لا يخلوا يوم من دون دقائق تستمع فيها إلى ما قدّموه، وتحدّثوا به من أفكار نَيّرة في برامجِهم؟!

  

لستُ هنا أبدًا لأعيد ذكر المناقب، ولا لأتحدّث عن الفضائل، ولا عن أثرهم الواضح على عشرات بل مئات الآلاف من المُتابعين المُحبّين لهم، التائهينَ عن طريق الحقيقة؛ فأثرهم ذاك أعظم من اختزاله في مقالٍ واحد!! لِمَ لا يفعلُونها؟! ما الذي قد يَردعُ طاغيةً ظالمًا عن ذلك؟!

 

إنّ أحوج ما نكون إليه، أحوج ما أرادهُ العودةُ وأصحابهُ ومئات قبلهم منّا: أن نبحث عن تلك "الحقيقة" التي بحثوا عنها، فوصلوا إليها، فما استكانوا بعدها، وما بدّلوا تبديلا

قد فَعلها طاغية قبله وقتلَ الحُسين بنَ عليّ بنَ أبي طالب -رضي الله عنهما-، ولم يردعهُ أنّه كان سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- وريحانته، وفعلها آخرُ قبله وقتل عبد الله بنَ الزّبير بنَ العوّام -رضي الله عنهما-، ولم يردعهُ أنّه كان مُتحصّنًا في بيت الله الحرام، وفعلها آخرُ وساقَ أحمد بنَ حنبل -رضي الله عنه- للموت بعد سجنه وتعذيبه، ولم يردعهُ أنّه كان إمام أهلِ السُنّة في ذلك الوقت بِلا مُنازع، وفعلها آخرهُم وأعدم سيّد الظّلال، ولم يردعه أنّه كان صاحب أعظم تفسيرٍ للقرآنِ الكريم خلال القرون الثلاثة الأخيرة، ولم يأبهْ بكتبُ ووساطاتِ علماءٍ ووزراءٍ وملوكٍ وحكّام.

 

الطّغاةُ يا صاحبي لن يردَعهم شيء؛ كيفَ تكونُ الرأفةُ عندهُم وهم الذين جعلَ الله قلوبهم قاسية، فما الذي أبرأُ إلى اللهِ به من هذا الخبر إن وقع؟! التعاطف والحزن؟! ذكر نصوص الشّهادة في سبيل الله؟! غبطهم أن اصطفاهم الله شهداء ثابتين على مبادئهم؟! فهم والله على حقّ أبلج وسْطَ هذا الظّلم والظّلام، مُقبلون على جنّةٍ عرضها السّماوات والأرض، لاحقون بمن ذكرنا من صحابة وتابعين وعلماء هم على نهجهم ودربهم سائرين، فلِمَ الحزن عليهم؟! وهم أنفسهم يعلمون صعوبة الطّريق، ونهاية الدّرب وعاقبته!!

 

أذكرُ وأنا أتابعُ تغطية الجزيرة لخبر استشهاد الشّيخ أحمد ياسين رحمه الله، إذْ علّق الدكتور أحمد نوفل عليه: وأيّ نهايةٍ نتمنّاها للشّيخ الياسين خير من الشهادة في سبيل الله؟! قد يكون هذا الموقف صحيحًا صادقًا بحالة حربٍ بعد تأكّد الخبر؛ لكنّ مثلهُ الآن قُبيل إعدامهم مسجونين مُساقين للموت لن يكون إلا دعامةً للطّاغية القاتل. وما موقفُ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يوم شائعة قتلِ عثمان بن عفان -رضي الله عنه- يومَ الحُديبية عنّا ببعيد؛ إذْ دعا للبيعة آخذًا الشائعة "بمُنتهى الجديّة" التي نريدها اليوم.

 

وجهدُ المُقلّ الضّعيف أمثالنا الآن، ما فعلهُ "مؤمنُ آل فرعون" الذي خرج عن كتمه إيمانه طوال تلك الفترة، وصاح بأعلى صوته: أتقتُلونَ رَجلًا أن يقول: "ربِّيَ الله"، وبعد كمّ الصّدح والتّنديد والتّحذير من إعدامهم، ماذا لو فعلوها؟! لطالما دعا العودة ربّه أن يدلّه على الحقيقة، قائلًا: ربِّ السّجنُ أحبّ إليّ مِمّا يدعونني إليه. فسُجن قبل هذه، وجدها مرحلةً يوسفيّة، فاختلى بربّه، وفكّر وراجع، وخرج مُتغيّرًا، وقال بشجاعةٍ يعجز عنها الكثير اليوم: "نعمْ أتغيّر".

 

رُبّما كنّا بحاجةٍ لتلك الخلوة التي نغيّر بها أنفسنا للأفضل، رُبّما كنّا بحاجةٍ لإعادة النّظر في كثيرٍ من المُسلّمات التي نعيش عليها الآن، وعاشها العودةُ وغيّرها، رُبّما كنّا بحاجةٍ لتلك الابتسامة الصادقة التي لا تغيب عن وجهه، في التّعامل مع أنفسنا وأهلنا وأبنائنا وأصحابنا. ليسَ رُبّما؛ بل والله نحن بحاجةٍ إلى "الحقيقة" التي علمها هؤلاء وساروا بها. نحن بحاجةٍ إلى "الحقيقة" التي رآها سحرةُ فرعون فما لبثوا أن قالوا: "فاقْضِ ما أنتَ قاض، إنّما تقضي هذه الحياةَ الدُّنيا".

  

إنّ أحوج ما نكون إليه، أحوج ما أرادهُ العودةُ وأصحابهُ ومئات قبلهم منّا: أن نبحث عن تلك "الحقيقة" التي بحثوا عنها، فوصلوا إليها، فما استكانوا بعدها، وما بدّلوا تبديلا، لنبحث عنها في تاريخ إسلامنا العظيم، في كتاب الله تعالى، في سيرة رسوله محمّد صلى الله عليه وسلّم، في رِقّة أبي بكر وحزمهْ، في شدّة عمرَ وورعهْ، في أناةِ عثمانْ، في صلابة عليّ، في خِلافاتِ الصّحابة -رُضوان الله عليهم- واجتهاداتِهمْ، في زُهدِ التّابعين وعبادَاتهمْ، في أخبار الفاتحينَ وبطولاتهمْ، في محَنِ العلماءِ وابتلاءاتهمْ، إنّنا مُطالبون بالبحث عنها، علّنا نصل إليها، وعلنا بعدها نسيرُ في نهجها، وعلّنا بعد ذلك أن نبلغ ما بلغوه، واللهُ غالِبْ.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة