عبد الحليم عباس
عبد الحليم عباس
1.5 k

رهائن المحبسين.. في حضن ابن سلمان أو في سجنه!

8/6/2019

مع تواتر الأنباء عن نية المملكة العربية السعودية إنزال حكم الإعدام بثلاثة من دعاتها وهم سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري، تطفو على السطح قضية العلماء والدعاة السعوديين وأوضاعهم المستجدة في ظل قيادة ولي العهد محمد بن سلمان لشؤون المملكة. وبصورة عامة فإن المؤسسة الدينية في السعودية (هيئة كبار العلماء، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاة المستقلون) قد شهدت انحساراً غير مسبوق في عهد الأمير الشاب بعدما كانت صاحبة تأثير ونفوذ واسعين في عهد من سبقوه.

يرجع البعض ذلك التراجع الكبير لدور المؤسسة الدينية في المملكة والاختلال الملحوظ في ميزان النفوذ لصالح ابن سلمان إلى رؤية الرجل لمستقبل المملكة ورغبته في التحول بها إلى الليبرالية الإسلامية المرنة بعد عقود من الوهابية المتشددة. ولأن رؤية ابن سلمان لا تقف عند حدود النهوض بالاقتصاد السعودي الراكد وتأمين مصادر دخل قومية بديلة عن النفط، ولا عند إحداث تغيرات جذرية في الثقافة الاجتماعية والأعراف التقليدية المحافطة والتي من شأنها أن تقود المملكة نحو الانفتاح المأمول، بل لأن رؤية الأمير تتجاوز حدوداً كان مجرد الاقتراب منها بالأمس القريب يعد ضرباً من المحرمات ومساً للمكانة الدينية والروحية للسعودية، لأجل كل ذلك كان لابد من إضعاف المؤسسة الدينية التي رأى فيها ولي العهد خطراً على رؤيته وعائقاً أمام تحقيق أهدافه.

من لم يكن مع الأمير فهو ضده
لم يكن السبب الحقيقي لقمع هؤلاء الدعاة يرتبط بانتماءتهم الدينية بقدر ارتباطه بتأثيرهم الفكري وطروحاتهم ومواقفهم المتقدمة من الربيع العربي والتي تعدت القالب الديني النمطي وقاربت هموم الشباب

لم يكن للمقاربة الأمنية المتشددة التي تبناها ابن سلمان أثر بالغ في تحييد سلطة المؤسسة الدينية فحسب، بل في انقسامها على نفسها أيضاً. فقد بدا واضحاً أن سياسة "من لم يكن معي فهو ضدي" والتي انتهجها ابن سلمان منذ وصوله لولاية العهد، قد أنتجت حالة من الفرز بين علماء المملكة ودعاتها ما بين موالين للأمير من جهة، وصامتين من خوف أو معارضين لسياساته على استحياء من جهة أخرى. وعليه فقد احتضن ابن سلمان ومؤسسات حكمه الموالين من المشايخ والعلماء وأغلبهم من المتشددين أصلاً، وتم الدفع بهم إلى واجهة المؤسسة الدينية ليسوقوا للأمير الشاب ويبشروا برؤيته التحديثية وذلك بدعم من الإعلام وباستغلال لمكانتهم بين أتباعهم ومريديهم. وفي ذات الوقت غيبت السجون والمعتقلات عشرات الدعاة المعتدلين والمنتمين في غالبيتهم إلى تيار الصحوة الوسطي والذين لم يعارضوا ابن سلمان صراحة لكنهم لم يبدوا دعماً لرؤية الأمير ولا تجاوباً مع سياساته المستحدثة.

صقور مدجنة وحمائم حرة

كانت أشد المفارقات غرابة هي التحول الظاهري الذي اعترى الجناح المتشدد للمؤسسة الدينية السعودية. فمع صعود ابن سلمان هرم السلطة في المملكة، بدا واضحاً أن صقور التيار الديني المتشدد قد بدؤوا بتغير خطابهم المحافظ، وبالتبرئ من تشددهم، بل و بتبني نهج الأمير في الانفتاح والحداثة والذي طالما كان في مرمى نيرانهم لعقود طويلة. لم تكن مراجعة الفكر الديني ومدى ملاءمته لمسيرة التطوير المزعومة هي الهدف من التحول الذي أصاب العلماء والدعاة المتشددين، بل إن إقصاء الجناح الوسطي للمؤسسة الدينية كان هو الغاية الحقيقية من ذلك التحول. وقد يعود سبب ذلك إلى ثقة ابن سلمان بهؤلاء العلماء والمشايخ الذين تربطهم بنظام الحكم السعودي علاقات تاريخية مبنية على الولاء المطلق لآل سعود على النقيض من العلماء الوسطيين الذين طالما أرقت مطالباتهم المتكررة بالإصلاح والتغيير نظام الحكم السعودي. وعليه فقد ظهر جلياً أن ولي العهد يفضل الاعتماد على صقور يمكنه تدجينها على التعامل مع حمائم حرة لا يستطيع أسر فكرها ولا الإتيان على تنويرها.

أول الدواء السجن، وآخره الإعدام

بدأ ابن سلمان عهده كولي للعهد بحملة اعتقالات شرسة طالت رموز التيار الصحوي المعتدل أمثال العودة والقرني والعمري وغيرهم الكثيرين من دعاة الإصلاح وإطلاق الحريات والذين يحظون بشعبية عارمة وخاصة في أوساط شباب المملكة. لم يكن السبب الحقيقي لقمع هؤلاء الدعاة يرتبط بانتماءتهم الدينية بقدر ارتباطه بتأثيرهم الفكري وطروحاتهم ومواقفهم المتقدمة من الربيع العربي والتي تعدت القالب الديني النمطي وقاربت هموم الشباب وطموحاتهم وأحلامهم التي تبلورت في ظل مناخ هيمن على المنطقة وتصاعدت فيه أصوات الشعوب منادية بالحرية والتغيير. كانت المقاربة الأمنية القاسية التي انتهجها ابن سلمان إزاء هؤلاء الدعاة تشي بتوجس الرجل من تأثيرهم وتنم عن قناعته بخطورة طروحاتهم على مستقبله كحاكم أوحد لأرض الحرمين، وعن رغبته أيضاً في القضاء على كل من يمكن أن يكون جسراً لعبور الربيع إلى المملكة. ولأن الحرية عند المستبد مرض عضال، والمطالبة بالتغيير لدى الظالم داء سقيم، فقد كان أول دواء الأمير السجن لهؤلاء العلماء، وقد يكون الإعدام آخره.

رهائن في أحضان الأمير

على الرغم من الحظوة التي خصهم بها ابن سلمان وبقائهم في مأمن عن سجونه ومعتقلاته، إلا أن حال الكثيرين من العلماء الذين أيدوا ابن سلمان لم يختلف في جوهره عن أولئك الذين عارضوه وإن كان يناقضه من حيث الشكل والمظهر. فقد بدا واضحاً أن القمع غير المسبوق والذي مورس على رجال المؤسسة الدينية المعارضين منهم والصامتين قد دفع الباقين منهم إلى تأييد الأمير خوفاً من أن تطالهم يد القمع والبطش. لكن ذلك التأييد لم يعدو كونه تأييداً ظرفياً مرتبطاً بشكل مباشر بضرورات المرحلة وتعقيداتها وهو على أي حال لم يكن نتيجة مراجعات فكرية أو عقدية وهو ما يفسر تهاتر الحجج وتناقض الفتاوى بين الأمس واليوم، وبين ما كان محرماً وما أصبح في عهد ابن سلمان مباحاً.

ورثة الأنبياء في أرض الحرمين رهائن. هذا هو حال علماء المملكة في عهد ابن سلمان. بعضهم في سجونه لأنهم حسب سجانهم قد أفسدوا في الأرض بفكرهم الحر، وهددوا الأمن ونظام الحكم بمناصحتهم للحاكم. وأما الآخرون فرهائن في أحضان الأمير، لا يملكون من أمرهم شيئاً إلا الطاعة العمياء والتأييد المطلق وسيف ابن سلمان المسلط على رقابهم ما انفك يذكرهم أن من لم يكن معي فهو لا ريب ضدي.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة