أمين أمكاح
أمين أمكاح
8.4 k

هنيئا لمن صام رمضان بنفَسٍ إحساني ومقصد تحسِيني

8/6/2019

لا بد في البدء من توضيح مصطلحي موجز للمعنى المراد بالنَّفَسِ الإحساني الذي يتمثل في استحضار مراقبة الله في السر والعلن قبل القيام بأي فعل؛ مراقبةَ مَن يحبه ويخشاه ويرجو ثوابه ويخاف عقابه، أما المقصد التحسيني فله مدلول واحد ألا وهو الارتقاء بالفعل البشري إلى أعلى درجات الإتقان والجودة والتطور، وإنما يود بالإحسان أمرين متكاملين هما الصدق والإخلاص، ويتوخى من التحسين تجويد الفعل وتهذيب السلوك، وللصوم في رمضان أثار ممتدة لا تقتصر على ذلك الشهر فحسب، لأن الطابعين الإحساني والتحسيني غير محدودين بالزمن والمكان، فكلما ترسخا في النفس البشرية إلا وكانت معهما الاستمرارية في التغيير الذاتي الفعال.

 

والواقع أن الكثير منا لهم رغبة في أن يخرجوا من رمضان بعزم وحماس على مواصلة تحسين الذات والإحسان لها، لكن الواقع شيء آخر في ظل الاكتفاء بالرغبة المقرونة بالتمني مع غياب الإرادة القوية التي لها وقعٌ عملي، فالإحسان والتحسين يحتاجان إلى رغبة جادة وإرادة عملية؛ لمواصلة التغيير والرفع من جودته خصوصا بعد مراكمة الخبرة والتجربة، بغض النظر عما قد نتعرض له من خسائر وأتعاب لحظية وسطحية، ومن هنا يتبين أن التغيير نحو الأفضل لا يحصل بالتمني وحده، فالإنسان في حاجة مستدامة إلى الإحسان لذاته وتحسينها، لتصحيح أخطائه، وتجاوز نقاط ضعفه، وتقويم نقائصه، إن استطاع المحافظة على الدوافع التي تمكنه من ذلك، وبالذات التي اكتسبها من الصيام في رمضان.

 

الإحسان والتحسين يتحددان بالوازع الداخلي الذي يعتبر الباعث لكل سلوك سوي، أي أن الضمير البشري هو المسؤول عن القيام بتنمية المراقبة والضبط الذاتيين وتجاوز الرغبات الدنيئة كي لا تفسد قيم المرء الفاضلة

ومن بين أسمى الغايات التي يسعى المرء لها في حياته هي الإحسان للنفس وتحسينها بتغيير سلوكاته نحو الأفضل، فهي غاية طبيعية يطمح لنيلها كل إنسان سوي عاقل، فما بالك بالمسلم الذي يحثه دينه على ربط فعله بالإحسان والتحسين بشكل متواصل، الشيء الذي يطور ضمنيا من مهاراته وقدراته ويجعل تعامله حسنا مع الناس والأشياء الأخرى التي من حوله، ومن المهم أن تعد هذه الأمور سهلة التحقق أثناء الصيام في رمضان، لكن الأهم من ذلك هو الإدراك العملي بأن الصوم ما هو إلا جسر انتقالي نحو الإحسان والتحسين المستمرين، بعيدا عما هو مرهون بوقت محدد والذي سرعان ما يندثر ويتلاشى مع أولى اللحظات التي ينقضي فيها ذلك الوقت، فتعُود النفس إلى ما كانت عليه في السابق من دون حصول أي تغيير إيجابي وبلا أية استمرارية لها.

 

وإن كان للصوم شأن عظيم لكونه من الشرائع الرامية إلى تزكية النفس، وتربيتها على القيم الفاضلة، وإبعادها عن رذائل الأخلاق، وتمكينها من التغيير الإيجابي الذي يعد بابا مفتوحا لكل صائم لبلوغ درجة الإحسان وإحداث وقع تحسيني على الذات، وكل من يصوم في رمضان يلمس التغيير لأنه واقع لا مفر منه، إلا أن محط الاختبار الحقيقي في دوام الإحسان والتحسن بعد رمضان وهو التغيير الأصعب، ولن يقع ذلك من دون ما أن يورث الصوم في النفس تقوى الله تعالى ويحملها على الاعتدال والتوسط، ويضعف من قوة الشهوة والميل إلى الانحراف الذي يأتي بفعل قوى الشر الذاتية.

 

كيف نعرف أنفسنا أننا حققنا المراد وصمنا بنفَسٍ إحساني ومقصد تحسِيني؟

إن معرفة مكاسبنا الذاتية من الصيام مسألة عظيمة تحتاج لفهم دقيق واستيعاب جيد لموصفات النفس البشرية وخصائصها، وما فيها من مكامن القوى ودوافع الغرائز، ويتوقف هذا النوع من الاستيعاب على الإحاطة بحقيقة الصيام من منظور قيمي من دون أي تقزيم يجعله محصورا في الجانب الإيماني للفرد فقط، لأن الصوم يتعدى ذلك على اعتباره من أكثر الوسائل التي تعطي الإنسان دروسا تربوية عملية؛ فهو الذي يزيد من قدرتنا على التكيف مع التغيير وفق أنماط سلوكية جديدة تستند بالأساس إلى ما يحمله الصوم من قيم نبيلة تشتد حاجة النفس إليها في جميع الظروف لتُحسِن وتتحسن في آن واحد.

 

الإحسان والتحسين يتحددان بالوازع الداخلي الذي يعتبر الباعث لكل سلوك سوي، أي أن الضمير البشري هو المسؤول عن القيام بتنمية المراقبة والضبط الذاتيين وتجاوز الرغبات الدنيئة كي لا تفسد قيم المرء الفاضلة، وفلسفة الصيام ترفع من إمكانيات هذا الوازع الداخلي، وما دام المرء قادرا على ضبط ما هو متعود عليه كل يوم أثناء صيامه؛ فهو قادر على ضبط نفسه فيما دون ذلك من أيام السنة، ومشكلة الإنسان ليست مع ما يحدث في فترة معينة كالصيام، وإنما مع ما هو واقع على طول العام وغير متعلق لا بزمان ولا بمكان محدد.

ومن المسلمات الواقعية الخارجة عن دائرة الشك؛ كون التغيير السلوكي في رمضان متاح لكل الصائمين، لكن مجاهدة النفس والاستمرار على ذلك هو الفارق الفاصل بين الصائمين، فهذه المجاهدة يكون لها الأثر البالغ كلما كان لها سيرورة عملية متواصلة يتحقق بها الإحسان والتحسين اللذين يوصلان المرء للتقوى، والسير في طريق الاستقامة، والبعد عن سبل الغواية، وهذه من غايات الإنسان الصالح التي بها تزكو نفسه ويصبح ضميره يقظا، ليكون سلوكه على نهج سوي متناسق داخليا وخارجيا.

 

لا حد للتغيير في الدنيا ما دام المرء على قيد الحياة، وإن لامست التغيير كثيرا في رمضان فإنك محتاج له أكثر فيما بعده، وكل منا مهما كان إلا ولديه نقائص وعيوب في أمور كثيرة ونواح متعددة تتطلب الإدراك قبل التفكير في آفاق تغييرها إلى الأفضل، وتحسين القدرات الذاتية بعد الإحسان للنفس بمعاملتها وفق تدرج معقول؛ من دون بطء متعمد وتماطل مقصود، ومن غير استعجال مبالغ واندفاع متسرع، لكي تكون الانطلاقة جيدا والسير نحو المبتغى بالوتيرة المطلوبة؛ من غير إخلال بعملية التحسن المراد تحقيقها، وبلا هدم للقواعد الأخلاقية التي تؤطر عملية التغيير إلى الأفضل على النحو السليم.

 


ومن دواعي السرور وعدم الحرمان من فرحة العيد أن يكون للاجتهاد في شهر الخيرات امتداد حقيقي لما بعده، لهذا ينبغي التهنئة هنا تهنئة تشمل كل من يعاين نتائج صومه المتميزة؛ كأن يرى نفسه في حالة أحسن من التي سبقته، فالموفق المقبول عمله حقا هو المستحق للتهنئة، وبالذات من استمر على استقامته التي تقتضي التغيير المتواصل الذي لا يضيع به ما حظيت به النفس من ربح الإحسان الذي يتم بلوغه بالصيام، مع الحرص على الزيادة من تحسين الذات بدون خسارة المكاسب الرمضانية، وهذا بحد ذاته دليلا على صدق الصائم وحسن إسلامه.

 

ولا يمكننا الشعور بأن صيام رمضان قد غيرنا للأفضل إلا بعد نجاحنا في تدبير شأن ذواتنا بإحكام من خلال: تحسين أخلاقنا، وضبط انفعالاتنا، وتهذيب سلوكنا، والرفع  من إخلاصنا ومواظبتنا على العمل الصالح، فلا بد أن نتعلم كيف نقدر على المواصلة بعد رمضان على نفس المنوال، بفسح المجال لثمرات الصيام لتحيا معنا ونحيا بها طوال العام بسلوك قويم وتخلق فاضل، متجاوزين كل الموانع التي تحول بيننا وبين ما نبتغيه من رضا الله وعونه الذي يجعل إرادتنا قوية، واجتهادنا متواصل، وطاقتنا متجددة، فليكن وداعنا لرمضان فرصة  للاستمرار في الإحسان لأنفسنا وتحسين ما يصدر منها.

 

وليس هنالك بعد صوم رمضان إحسان أفضل من الإحسان الذي نقدمه لذواتنا بأن نجعلها نفوسا سوية، وأعظم تحسن يمكن أن يحصل لنا بعد انقضاء صوم الشهر الكريم هو الذين نستطيع به امتلاك شخصية متزنة، ولا يتم ذلك من دون المحافظة على ما يتطلبه الاتزان والسواء اللذين لا يقتصران على رمضان فحسب بل يشملان بقية العام كله، لذا ينبغي على المرء أن يقبل ذاته كما هي، وأن لا يظل راضيا على نفسه دائما لكي يسعى للإحسان لها أكثر، ويطمح عمليا لتحسينها على الدوام، فتقبلوا ذواتكم ولا تمنحوها كل رضاكم على ما هي عليه، لتقدموا لها الإحسان والتحسين باستمرار، فالاكتفاء بما هي عليه ولِما وصلت إليه يمنعها من الارتقاء الذاتي؛ لعدم تقبل مكامن النقص والضعف والعيب فيها، والهروب من صعاب الأمور التي فيها بذل الجهد يحول بيننا وبين التمكن من إصلاح ما أصاب نفوسنا بشكل متواصل.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة