حرزالله محمد لخضر
حرزالله محمد لخضر
701

حتى لا ترتطم الجزائر بالمجهول؟

1/7/2019

رحيل نظام بوتفليقة في أقل أحواله لابد أن يُستصحب برحيل كل رموز الحقبة البوتفليقية من الوزراء والمسؤولين الفاسدين الذين قام بتدويرهم على مراكز ودوائر الحكم لمدة 20 سنة الماضية، ويلحق بهم كل من اعتاش على منح ومزايا التملق للنظام الفاسد، وأمده بحبل المساندة وفروض الولاء؛ من شيوخ الزوايا ورؤساء النقابات والجمعيات التي رزحت تحت حِجر عُصَبِ الفساد ورسّخت سلطانها وجورها. أما عملية تغيير النظام جذريا فلا يمكن لها أن تقع بالمظاهرات أو الاحتجاج، أو بالمعالجات الشكلية المستعجلة وبالبرتوكولات السياسية المؤقتة، بل هي عملية مخاض عسير تنخرط فيه جميع القوى المجتمعية الحية لتعمل على إعادة تشكيلٍ كاملٍ وعميقٍ للمنظومة الحكمية والسياسية والإجتماعية والثقافية من القاعدة إلى القمة على مدار حقبة زمنية معتبرة، وتشمل كافة الأنظمة الفرعية للمجتمع ثقافيا وفكريا واقتصاديا وسياسيا وتعليميا واجتماعيا، وهي عملية يساهم فيها بصورة أخص المفكرون والعلماء والخبراء الذين يجب عليهم أن يكونوا في طليعة الإصلاح السياسي والإجتماعي، وأن يبذلوا جهودا مضاعفة لتنمية الوعي والتمهيد للإقلاع الحضاري، وتنقيح الشوائب الفكرية والعلل المرضية التي تنخر مستوى ونوعية التفكير السياسي لدى الفئات الفاعلة للمجتمع وخاصة الشباب منهم.

 

ففي العشرين سنة الماضية من حكم الرئيس بوتفليقة تم تكوين ثقافة سياسية رديئة، تميزت بالضحالة في الفكر والإسفاف في الطرح، تبنتها طبقة سياسية هجينة ترتكز على الولاء والتملق والنفاق السياسي، صنعها النظام على عينيه وأنبتها نباتا خبيثا، حتى انتهى بها مقام الاستعباد إلى تقديس الحاكم ونسبة كافة نعم البلاد والعباد لفخامته السامية، من الأمن إلى السكن والعلاج والشغل والقروض المقدمة للشباب وغيرها من الحقوق الإنسانية الأساسية لأبسط مواطن على وجه الأرض؟ حتى وصلت تعاسة المشهد السياسي، بعد مرض الرئيس وعجزه عن مخاطبة شعبه والتواصل معه؛ إلى إبداع تقليد سياسي فريد في عالم الحكم والسياسة وهو "التخاطب والتواصل عبر المراسلات والمناوبات" فكان الرئيس لا يظهر إلا لمامًا وعلى وَهَنٍ شديد دون أن ينبس ببنت شفة، وينوب عنه من يُقال إنه عينه ليخلفه في المؤتمرات والمحافل الدولية، التي كانت تشهد تراجعا رهيبا للجزائر في مستوى التمثيل الدولي، وأصبح ممثلو الرئيس يقفون في الطابور الثاني أو الثالث بعد رؤساء الدول وملوكها!

 

هذا الميراث البغيض الذي راكمته سِنيُّ الإستبداد والجاهلية السياسية عبر مُدَد طويلة، تضع المفكرين والمصلحين أمام دور حضاري كبير، ومسؤولية تربوية جُلَّى، وأمانة إصلاحية عَجْلى

وأما في المناسبات الوطنية والدولية فقد كان الرئيس يخاطب شعبه عبر رسائل محبوكة بإتقان، كان الجميع يدرك أنها ليست من بُنيّاتِ أفكاره ولا خطتها يده، مع هذا فقد كانت تحوي قرارات هامة وأوامر ونواهي ومراسيم تنفيذية وأخرى تشريعية؟ وبقيت الحياة السياسية تخنقها حبال الرداءة والسماجة وتُوخم هواءها صور الوقاحة والقباحة، حتى تصحرت التّلال، واستحالت الجبال إلى أطلال، واحتقر الأعشى ذا البصر، وتجاسر الغُمر على ذوي العلم والنظر، فأهينت العوالي والمعالي ورُفّعت السوافل والغواني، وأسندت الأمانات لغير أهاليها، وأسكنت الدار لمن لم يبنيها، وأعطيت القوس لغير باريها، فتغير حال البلاد واكْفَهَر، وشابها البؤس وهجرها شبابُها وفَرّ، وكم في البحار في دفينٍ قد ضمّته بطون الحيتان، وغيبته عن أمه آلام البطالة والعطالة والتيهان، وكم من عباقرة وعلماء ومفكرين وأطباء وأشراف وأنجاد، قد ضاقت بمطامحهم سياسات الفساد لا رحابة البلاد، فهجروا الأهل والوطن، بعد أن سامتهم معاول الرداءة أشد صنوف المحن، وساءت أوضاعهم وضاق بهم العَطَن، بما دهى أهل العلم والفكر من التهميش والفتن.

 

وأما الصحة والمستشفيات، فانتكست إلى أسوء المآلات، فقد أضحت أكبر عليل وأسوء كليل، إذا دخل سليم سَقِمَ، وإن ولجها سقيم سَلِمَ، وأما محاضن العلم ونواديه، فقد خوت من مريديه وطالبيه، وأفرغت شهاداتها من محتواها، وعُظّمَ إسمها على مسماها، ونِيلَ من أهل العلم وذويه، وبناة المجد وصانعيه، حتى أركستهم السياسة الرعناء، والمعاملة الآثمة من السفهاء، فجعلتهم من سقط المتاع، ومن لا حَظّ له ولا بَاع، وأما الاقتصاد فقد عمه الفساد، وكبّله سوء التسيير بكل ناد، ونهشه وباء الاحتكار والرشوة والكساد، فأصبحت موارده رُزءا على العباد، فلا معيشةً رفع، ولا غُبنا عن كاهل الناس وضع، وأما العدل والعدالة وقصورها، فقد علا بنيانها وسورها، وذَبُلَ سوطها وهِيضَ سلطانها، فقد احتمى بها الظالم من المظلوم، ورجح ميزانها بكلكل الغبن والضُّيُوم، وأضحت مقابر للحقوق، ومعاول في أيدي أهل السفه والعقوق.

 

هذه هي الحال التي وصلت إليها البلاد، بعد عقدين من خراب الدين والعلم وأخلاق العباد، وتكريس تقاليد سياسية ناشزة ما كان من إٍلْفِ الجزائري أن يراها، فأضحت صور الرئيس تكرم بدلا عنه، ويتبارى القوم في تمجيدها وتصويرها والتصور معها، عساها أن تقربهم إلى صاحبها زلفى، أو تجعلهم من ذوي الحظوظ المثلى؟  تلكم العادات البئيسة التي أُرغمها المجتمع الجزائري الأبيّ، وقد كان يزدريها في محافل الآخرين ويعيبها، لأنها مصادمة لثقافته وطبيعته التكوينية الرافضة لطقوس التمجيد والتأليه للزعيم، وهي تشكل في المنظور السياسي؛ إحدى أساليب ومعالم الحكم الشمولي، الذي يصل به غلو الإطراء وأفانينه، إلى تقديس صورة الدكتاتور وأشيائه وأبعاضه وبضائعه وأكاذيبه، فتنسب إليه كل النعم والمعجزات، لا سيما تلك التي يختص بها رب السماوات؟

 

إن هذا الميراث البغيض الذي راكمته سِنيُّ الإستبداد والجاهلية السياسية عبر مُدَد طويلة، تضع المفكرين والمصلحين أمام دور حضاري كبير، ومسؤولية تربوية جُلَّى، وأمانة إصلاحية عَجْلى، لصيانة ما انخرم من الوعي السياسي للمجتمع الجزائري، وبناء قاعدة صحيحة للتنمية الفكرية والبشرية التي من خلالها تنبلج آفاق التغيير الإيجابي والإرتقاء الحضاري نحو المستقبل المأمول...مستقبل العلم وحقوق الإنسان وشرعية الكفاءات وجودة الحياة، يجب أن يمثل حراك الشعب الجزائري هَبّة نوعية للوعي الجمعي واستفاقة جماعية من غياهب الإستبداد والخنوع، وانبعاثا فكريا يتوق للإقلاع الحضاري المجيد، متطلعا لبناء دولة قوية بالعدل والعلم، ومسايرة ركب الحضارة والأمم التكنولوجية الحديثة، السابحة في فضاء الذكاء الاصطناعي والطفرة المعرفية المتزايدة والتحول الرقمي البارع.

   

يجب أن يؤسس هذا الحراك لانتقال نوعي في سوسيولوجية المجتمع الجزائري؛ تُحَوّلُه من مجرد تكتل بشري أو جماعة أفراد إلى مشروع مجتمع مفعم بالحركية والفاعلية، ومندمج مع الآفاق العالمية في البناء والتغيير، ولن يكون هذا إلا بالتسامي عن المعوقات الذهنية والنفسية والخلفيات والعُقد الإجتماعية، التي حكمت وتحكّمت في الإرادة الجماعية، وكبلتها بأغلال العصبية والفكر القبلي والجدالات الرجعية؛ حول الأصيل والدخيل والفرع والأصل والأول والآخر، فالمجتمعات الحديثة قد تجاوزت هذا الطرح المأفون، إلى مفهوم المواطنة واحترام قيمة الإنسان وكرامته، تلك هي سنين العجاف والإعتساف، وذلك الأمل والاستشراف، لبلد يسوسه الأكفاء والأشراف.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة