مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
316

الحياة ليست عادلة!

11/7/2019

أجيال التسعينات، تلك التي تربت على مثاليات اسبيستون تجد صعوبة بالغة في تفهم الحياة وفي تقبل قسوتها وأحكامها البعيدة كل البعد عن العدل أو المثالية.. إن تلك الصورة الطوباوية عن الحياة المحفورة عميقاً في مخيلتنا منذ الطفولة لا وجود لها إلا على شاشات التليفزيونات وأوراق الروايات الأدبية الذاخرة بالنهايات السعيدة التي يتنصر فيها الخير على كل الشرور والظلامات، ذلك النوع من الروايات المبهجة التي ينجو فيها البطل من براثن الموت ليعود حاملاً لواء النصر لحبيبته ليعشا معاً في سعادة وهناء!

 

في الواقع الحياة الحقيقية لا شبه أياً من ذلك.. فالجريمة قد تفيد، واللص في كثير من الأحيان يظل طليقاً إلى أن يموت، والقتلة في الغالب ينجون بفعلتهم دون عقاب..! الحياة في المجمل ليست عادلة ولا يفترض بها أن تكون عادلة، فهي اختبار مليء بكم هائل من التناقضات والأسئلة التي لن تتسع أعمارنا الصغيرة بما يكفي لنحصل لها على إجابات شافية ومريحة.. وكل محاولة منا لفهمها أو فك طلاسمها ستكون عبثية ولا طائل منها.

 

البعض يحاول جاهداً إعطاء ثقة زائفة لمنظومة العدالة البشرية التي لدينا هنا مع علمه اليقيني أنها معطوبة بافتراض ساذج أن ربط الجريمة بالعقوبة ولو على سبيل المجاز المحض والكذب المنمق كفيل بإبعاد الناس عنها

الحياة على حقيقتها خالية تماماً من أي وضوح أو شفافية، وإنما مجرد طرق ضبابية موحشة لا نرى لها نهاية، صراعات وتقلبات تفشل أمامها معظم محاولات البشرية لإرساء نظم عدالة وقيم حقيقية قابلة للتطبيق على الجميع، وأشدد على الجميع هذه لأن الاستثناءات دائماً ما كانت تتقافز لتثقب ميزان العدالة الإنسانية، لذا لا تصدقوا الكلمات من قبيل "لكل مجتهد نصيب" و"سيفوز من يستحق" وغيرها من ترهات التنمية البشرية التي تسوق لكم صورة خيالية معكوسة الجوانب عن الحياة لن تلبث كثيراً حتى تتكسر على رؤوسكم إن صدقتموها وآمنتم بها!

 

هتلر مثلاً الذي أزهق أرواح الملايين بأبشع الطرق مات ميتةً سهلة نسبياً بالمقارنة مع ضحاياه بسم تجرعه أو ربما برصاصة اخترقت دماغه دون حتى أن يشعر بها، تشرشل مجرم الحرب العالمية يملك اليوم تمثالاً مهيباً يقف شامخا منتصباً في أحد شوارع لندن مخلداً لذكراه بينما ضحاياه نسيهم التاريخ وابتلعتهم الجغرافيا. جورج بوش الابن الذي قتل الملايين في العراق وأفغانستان يعيش ما تبقى من حياته الآن بمرح بين أحفاده في ضواحي نيويورك.

 

ولا داعي لأن أذكر لكم الملايين من الهنود الحمر الذين اختفوا من على سطح البسيطة دون أن يشعر بهم أحد! وأولئك الآلاف في دارفور والصومال وإفريقيا الوسطى الذين أحرقتهم الحرب بنيرانها دون أن يبكيهم أحد.. أيُّ أحد! وآخرين كثر لم أسمع بهم ولم تسمع بهم عزيزي القارئ ولن يكتب عنهم أحد، غادروا الحياة هكذا مجهولين كأضرار جانبية لجبروت أحدهم وأهوائه الشخصية.

 

البعض يحاول جاهداً إعطاء ثقة زائفة لمنظومة العدالة البشرية التي لدينا هنا مع علمه اليقيني أنها معطوبة بافتراض ساذج أن ربط الجريمة بالعقوبة ولو على سبيل المجاز المحض والكذب المنمق كفيل بإبعاد الناس عنها، محاولاً بطريقة بهلوانية تسويق الخير بلوازمه فقط وليس باعتباره غايةً في ذاته أولاً. ومتجاهلاً الصدمة التي ستحدث لا محالة والردة التي ستتبعها حال عدم تحقق هذه العدالة المجازية..

 

على أي حال فإن الإصرار الطفولي على مواجهة الحياة بافتراضات رومانسية وتوقع أن تقابلنا بالمثل لن ينتهي على خير، هكذا افتراض سيقودنا في الغالب إلى السقوط في بئر لا نهاية لها من الخذلان.. بطريقة ما -وبرغم كل هذا- ما زلنا نؤمن أن العدالة المطلقة موجودة لكننا بسذاجة نفترض وجودها في المكان الخطأ.. فهذا العالم ليس مؤهلاً بما يكفي لإنجازها، ربما لهذا السبب بالذات توجد حياة أخرى وعالم آخر بقوانين مختلفة أعدت خصيصاً لهذا الغرض.. الحياة اختبار يجب أن نتعامل فيه مع الآخرين بعدالة لكن لا يجب أن نتوقع أن نُعامل فيه بعدالة، فالحياة ليست عادلة أما الله فعادل وعدالته مطلقة ولأجل تلك العدالة خصص لها يوم طويل يسمى القيامة..!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة