علي أبو مريحيل
علي أبو مريحيل
578

الصين وهونغ كونغ.. صيغة "دولة واحد ونظامان" على المحك

11/7/2019

"دولة واحدة ونظامان" مصطلح جديد ابتكرته بكين في السياسة الدولية، حين استعادت المستعمرة البريطانية السابقة (هونغ كونغ) بموجب الإعلان الصيني البريطاني المشترك الذي وقعته حكومتا البلدين في التاسع عشر من ديسمبر عام 1984. ويقضي هذا المصطلح احتفاظ جزيرة هونغ كونغ بنظام سياسي وقانوني واجتماعي مستقل عن الأنظمة المعمول بها في البر الرئيسي الصيني، وهو ما يتيح لسكانها هامشاً من الحرية والديمقراطية لا يتمتع به أقرانهم الصينيون في ظل حكم الحزب الواحد.

غير أن هذا الهامش كان محدداً، بموجب الاتفاق، بفترة زمنية لا تتجاوز خمسين عاماً قبل أن تستعيد الصين هونغ كونغ بصورة تامة عام 2047. ما يعني أن فترة الخمسة عقود عبارة عن مرحلة انتقالية لا يحق فيها لبكين التدخل في سياسة واقتصاد وقوانين المستعمرة السابقة حسب بنود الاتفاق. لكن ثغرات في صيغة هذه البنود، أتاحت لقادة الصين التدخل مبكراً بشؤون هونغ كونغ، فقد نص أحدها بصورة ضمنية على حق بكين في تعيين الرئيس التنفيذي بشرط أن يكون ذلك على أساس الانتخابات الداخلية، بمعنى أن يتم انتخاب مرشحين للرئاسة في هونغ كونغ، ومن ثم يتم تعيين أحدهم بالتشاور مع قادة الحزب الشيوعي. وهو الأمر الذي أزعج سكان هونغ كونغ خصوصاً حين أن صبح، مع مرور الوقت، تعيين الرئيس التنفيذي أمراً سيادياً خالصاً للصين، وقد كان ذلك سبباً في خروج أكثر من مئتي ألف متظاهر عام 2014، للاحتجاج على تدخلات بكين والمطالبة بالحرية والديمقراطية.

المشروع الميت
ما حدث يمثل ضربة قوية لما يعرف بنموذج "دولة واحدة ونظامان"، وهو النموذج الذي سعت الصين إلى تسويقه دولياً على مدار السنوات الماضية، لطرحه كأحد الحلول في معالجة مسألة تايوان ومحاولة استردادها بنفس الطريقة

في مطلع مايو الماضي طرح نواب موالون للحكومة المركزية في الصين، مشروع قانون أمام الهيئة التشريعية في مجلس النواب، يتيح للحكومة المحلية تسليم مشتبه بهم جنائياً للسلطات الصينية، وقد أثار هذا المشروع احتجاجات شعبية هي الأكبر في تاريخ هونغ كونغ منذ إعادتها للحضن الصيني عام 1997. وحسب مراقبين، فإن القانون يستهدف نشطاء أزعجوا السلطات الصينية بأصواتهم المطالبة بالحرية والديمقراطية، حيث أن هونغ كونغ ليست موقعة على اتفاق مع الصين لتبادل وتسليم المجرمين، وبالتالي فإن إقرار وتطبيق القانون من شأنه أن يسهل تسليم المتهمين إلى البر الرئيسي الصيني.

لكن المظاهرات والاحتجاجات العارمة التي شهدتها الجزيرة خلال الفترة الماضية، دعت الحكومة إلى تعليق العمل بمشروع القانون، وقالت كاري لام الرئيسة التنفيذية لهونغ كونغ، إن المشروع فشل فشلاً ذريعاً، وأضافت أنه مات، وأكدت بأن الحكومة لن تعيد مناقشة المشروع في مجلس النواب. لا شك أن هذا التراجع الكبير، والفشل الذريع على حد وصف لام، كان محرجاً وصادماً لبكين التي راهنت على مدار العقدين الماضيين، على ولاء وكلائها الرؤساء التنفيذيين الذين تعاقبوا على حكم الجزيرة منذ استعادتها قبل اثنين وعشرين عاماً، فكان الرهان فاشلاً أيضاً، نظراً لأن وكلاءها لا يتمتعون بشرعية شعبية تخولهم ممارسة حقهم الدستوري في ظل نظام يعرّف بأنه ديمقراطي.

تعجّل الصين

بالرغم من أن نص الإعلان المشترك الموقع بين حكومتي الصين وبريطانيا، يقضي بتسليم هونغ كونغ بصورة تامة إلى الصين بعد خمسة عقود من العودة المشروطة، فإن قادة الصين يبدو وكأنهم في عجلة من أمرهم لبسط كامل نفوذهم على المستعمرة السابقة. ولا أدري إن كان لذلك علاقة بإرث الحقبة الاستعمارية التي قدمت فيها أسرة تشينغ، آخر السلالات الصينية الحاكمة، تنازلات مذلة وغير مسبوقة قبل أن تصبح الصين قوة عسكرية واقتصادية تجاوزت القوى المستعمرة مثل: فرنسا وبريطانيا والبرتغال واليابان..

إنه نفس الشعور الذي يرواد الشيوعيين وهم يقرأون تاريخ ماكاو (المستعمرة البرتغالية السابقة) وتاريخ تايوان التي لجأ إليها الوطنيون في أعقاب الحرب الأهلية، وأسسوا فيها جمهوريتهم المستقلة. أياً كانت الأسباب والدوافع، فإن ما حدث يمثل ضربة قوية لما يعرف بنموذج "دولة واحدة ونظامان"، وهو النموذج الذي سعت الصين إلى تسويقه دولياً على مدار السنوات الماضية، لطرحه كأحد الحلول في معالجة مسألة تايوان ومحاولة استردادها بنفس الطريقة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة