الفلسفة الوجودية.. بين الانحياز للأفكار الثورية والكفاح من أجلها

11/7/2019

يعيش الإنسان يجري وراء الحياة حتى تهوي به بالنهاية في غياهب اللانهاية ليكتشف بذلك أن كل ما مضى كانت مجرد مسرحية دراماتيكية هادفة أختير فيها كشخصية محورية وترك له حرية اختيار الدور وتجسيد المشهد.. الطبيعة البشرية بالفطرة تميل دائما إلى لعب دور البطولة لذلك تغلب على الإنسان طيلة حياته صبغة حب الذات وتعالي الأنا على حساب سلطة الفكرة والقضية. نادرون هم من يعيشون لأجل جوهر القضية المحورية التي بعثت لأجلها الإنسانية. نادرون هم رسل الوعي والمعرفة في زمن الفاشية الفكرية. حين نتأمل جيدا في الفسيفساء الحياتية التي تجسد الاختلاف العميق في الجوهر بين مختلف الأطياف البشرية، سنكتشف أن هناك من يعيش عبثا وعالة على الإنسانية، هؤلاء هم الحمقى الذين يسيرون دائما مع التيار، لا تسمع لهم صوت ولا موقف، هم الخاضعون دوما تحت لواء الاستكانة والسلبية.

في المقابل هناك من يعيش لأجل الفكرة، لأجل صناعة التاريخ وترك أثره وبصمته في تفاصيل الأجيال المتعاقبة. الحمقى دائما راضون عن أنفسهم وعن حياتهم التي لا تتعدى مجرد مفهوم زمني كلاسيكي روتيني يقطع مع العمق في التطرق لجوهر الحياة والبحث في الفلسفة الوجودية أما أولئك الممتلؤن بالقضية فالحياة بالنسبة لهم أكبر من أن تكون مجرد حيز زمني يعاش كما هو، طموحهم لا ينتهي عند إعلاء راية الأنا فقط بل يتجاوز ذلك نحو السعي إلى ترسيخ القيم العليا لأجل عالم أفضل بمواصفات اليوتوبيا، أهدافهم تتجاوز تلك الحياة البسيطة والسطحية القائمة على نظرية التعايش مع الموجود وثقافة التكاثر العبثي.

الفكرة هي النظرة الأولى والواحدة لماهية الأشياء فإن طال مخاضها تولد مشوهة وإن تجاوزت ذلك فإنها ستخضع للعاطفة وتتجرد من مصداقيتها، حينها ستطوع لخدمة المنطق وتكون قربانا للحسابات النفعية

في نهاية الأمر الحياة اختيارات وأنت من تختار تموقعك في ساحة الحياة، أنت من تحدد سلالتك وهويتك المعرفية، أنت من تختار أن تكون أو لا تكون، أن تصطف في صف الحركات الثورية المعرفية أو أن تنصهر في مستنقع الجهل وتستوطن دائرة الفراغ والعدمية. واهم من يعتقد أن الطريق نحو اليوتوبيا معبدة وأن الطريق تنتهي مع آنسداد الأفق، الهدف أسمى من أن ينال بدون إصرار، تضحية، نضال وكفاح. نحن البائسون وضحايا التاريخ لم نولد بملعقة ذهبية في أفواهنا لذلك كافحنا لأجل أحلامنا، كافحنا وناضلنا طويلا في حرب البقاء المعنوي، كانت الحياة دوما تجر خطواتنا إلى الخلف ومع ذلك لم نستسلم ولم يكن لنا من سبيل غير الكفاح.

الكفاح هو ما بعد الهزيمة حين تصل منهكا ومع ذلك يجب أن تواصل، أن لا تستسلم للنهايات. النهايات للجبناء فقط، حين تكون ضعيفا ستستوطن أرضك الضباع وتجد نفسك منفيا في صحراء التاريخ بلا هوية. الكفاح ليس فقط على ساحة الحرب، أو بين أروقة الفضاءات السياسية، هو صراعك مع نفسك المتواطئة مع السلطة المطلقة للسائد والموجود والتسليم بالمسلمات، هو الصراع مع ذاتك العقيمة الفاشلة في تمرير الرسالة بين الروح والجسد. الكفاح هو التحرر من ثقافة الأقنان والرق الفكري، هو أن تتمرد عن السطحية والغوص في بحر الذات الضاربة في عمق الهوية.

هو صراعك الوجودي اليومي لأجل لقمة العيش، لأجل إسعاد محيطك، لأجل تنوير العامة بكلمة الحق، لأجل الحرية، لأجل كل القيم السامية، الكفاح هو نضالك لأجل الحلم، لأجل الوطن، لأجل الجميع ولأجل كل ماهو جميل بالحياة.. النضال فكرة والفكرة لا تموت.. تلك الفكرة التي تتمحور حولها إنسانيتك هي جزء منك وهي رحلة البحث عن الأنا وعن الاحتواء الفكري في زمن العودة إلى الوراء. هي رحلة البحث عن الهوية والمكانة "الرمز" التي خص بها الإنسان عن غيره من سائر المخلوقات بعيدا عن ثقافة المحدودية وقيود المحظور. لا تخضع الفكرة الهادفة إلا إلى سلطة الأخلاقيات أي إلى ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺜﻞ العليا ﺃﻭ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺔ ﺍﻟﻤﻌﻴﺎﺭﻳﺔ ﻟﻠﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﺸﺮ ﻭﻫﻲ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺃﻭﻟﻴﺔ نسلم ﺑﻬﺎ ﺗﺴﻟﻴﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﭐﻋﺘﺒﺎﺭ ﺃﻥ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻭﺛﺎﺑﺘﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺯﻣﺎﻥ ﻭﻣﻜﺎﻥ ﺃﻭ ﺑﺎﻷﺣﺮﻯ ﻗﻮﺍﻋﺪ ﻋﺎﻣﺔ ﻛﻠﻳﺔ ﻻ ﺗﺨﻀﻊ ﺇﻟﻰ ﻓﻌﻞ ﺍﻟﺘﻐﻴﺮ ﻣﻊ ﺍﻟﺰﻣﻦ.

الفكرة هي النظرة الأولى والواحدة لماهية الأشياء فإن طال مخاضها تولد مشوهة وإن تجاوزت ذلك فإنها ستخضع للعاطفة وتتجرد من مصداقيتها، حينها ستطوع لخدمة المنطق وتكون قربانا للحسابات النفعية.. أفكارك الثورية غالبا ما تستمدها من لحظات جنون أو خراب روحي ينتج غالبا عن الفشل الوقتي لتكون دافعا نحو الثورة الذاتية بالمفهوم الشمولي. الثورة الروحية هي المتنفس من سجن الحياة الواحدة الكلاسيكية المحكومة بالخنوع والاستسلام لإملاءات الأنا الميتة. في هذا الإطار أستحضر موقفا لمناضل تونسي إبان الثورة، بعد خروجه من السجن خرج ذات يوما وركب تاكسي، حين سأله السائق: أين آخذك يا سيدي، أجابه قائلا: خذني إلى حيث تجد أناس يصيحون أريد أن أصيح معهم إشارة إلى مظاهرة أو شئ من هذا القبيل.. هو يريد أن يصيح، أن يخرج كمية الكبت التي تستوطن جسده وفكره لكي يحرر الأفكار المقموعة في جوفه.

كل شخص يحتاج بين الحين والآخر إلى الفضفضة والصياح، يحتاج إلى التمرد والثورة بمفهومها الكلياني خاصة في ظل واقع قمعي لكل نفس تحرري يجرد فيه الإنسان من أفكاره وآماله ليصبح كومة من الموت تتنقل وتنشر الطاقة السلبية بين الآخرين. تلك هي الجدلية الثنائية التي تجمع بين الانحياز للفكرة والكفاح من أجلها حتى وإن ظللنا الطريق في خضم التفرعات المنبثقة من الحقيقة الكونية النسبية. في لحظة ما من الإحباط نشعر أننا خلقنا فاشلين بالفطرة وأن الشئ الوحيد الذي نجحنا فيه هو التعاقد مع الفشل النسبي وسنغالي في الدغمائية المميتة لكن في النهاية سيسطع نور الله في عمقنا وسنهتدي إلى فهم رسائل الله المبطنة في ثوب الأقدار السعيدة منها والحزينة وسنواصل الرحلة أخذا بمقولة درويش "نحن أحياء وباقون وللحلم بقية".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة