جراح علاونة
جراح علاونة
1.2 k

تاريخٌ مليءٌ بالهزائم.. فما الجدوى من قراءته؟!

12/7/2019

التاريخ وسيلةٌ مثلى لحفظ الوقائع، وتسجيل الهزائم قبل الانتصارات، والاخفاقات قبل النجاحات، والتنقيب عن أسباب الضعف والاندثار قبل البحث في أسباب القوة والبقاء، وهذا ما يجعله مرجعنا الأول في محاولة قراءة الماضي واستقراء الحاضر وتدوينه واستشراف المستقبل والتخطيط له بناءً على ما نصادفه في طيات التاريخ ومراجعه، ولكن إذا كان الواقع مليئًا بالهزائم والتخبّطات العشوائية التي تجعل الدول تسير خبط عشواء فلا تهتدي لنور أو طريق ما جدوى التاريخ؟! ماذا إذا كان التاريخ محرفا بحيث يتماشى ورغبات الكبار -المسؤولين قوىً سياسيةً وأحزاب- في تغييب عقول الأجيال الحاضرة وتثبيط هِمَمِ الأجيال القادمة؟!

ما فائدة قراءتنا للتاريخ إذا لم نجد فيه سوى الهزائم والانتكاسات؟! ما جدوى قراءته إذا لم نستشفّ منه ما يجنّبنا الفخاخ التي وقعنا بها سابقًا والهزائم التي تجرّعناها إلى أنْ صرنا لا نحفظ شيئًا سواها؟! إنّ المتتبّع والمستبصر يدرك بما لا يقبل الشكّ أنّ مشكلتنا لا تكمن في قراءة التاريخ بقدر ما تكمن في هدفنا من هذه القراءة وحيثياتها، فلو ضربنا مثالًا بسيطًا لوجدنا أنّ طلابنا وأبنائنا في المدارس لا يقرأون التاريخ إلّا كمادةٍ دراسيةٍ كريهةٍ يتوجّب عليهم حفظ تواريخها وأرقامها دون أنْ يخلطوا بينها، عليهم أنْ يحفظوها فقط ليحصدوا الدرجات العالية والعلامات المُشرّفة! فما الجدوى من كل هذا؟!

التاريخ لا يعيد نفسه إلّا لأنّنا سمحنا له بذلك، سمحنا لأنفسنا أنْ نستكين ونُسلِّم للمعطيات الموجودة، والخيارات المطروحة، التاريخ يعيد نفسه، والأخطاء نفسها تتكرّر لسببٍ رئيسٍ هو أنَّنا لا نتعلّم من هذه الأخطاء

إنّ قراءة التواريخ وتتبّعها وحفظ أسماء أماكن الوقائع وأعداد القتلى في الحروب لا يهمّنا بقدر ما يهمّنا معرفة أسباب هذه الوقائع، لم بدأت؟ كيف بدأت؟ ما نقاط الضعف التي وجدت فينا؟ ما النقاط التي أعطت الفرصة للعدو ليفتك بهذا العدد من القتلى؟ ما الذي أعطاه فرصةً ليستفرد بنا، ويُنَكّل بالشعب بهذا الشكل؟ فهذه الجزئيّات أهمّ وأجدى من حفظ التواريخ، وإلّا ما سنجني إذا عرفنا عدد الشهداء في عام (1948م)؟! أيّ غصة ستنتابنا ونحن نُعَدِّد أسماء القرى والمدن التي هُجِّر أهلها وسقطت بيوتها ركامًا أثناء الاعتداءات الصهيونية على السكان؟!

فأجدر بنا من معرفة هذا أنْ نبحث عن الأسباب التي أوصلتنا لهذا الحال، فإذا نظرنا في ثغراتنا وبحثنا في أسباب التي قادت العدو للبطش بهذه الوحشيّة سنصل إلى جزءٍ لا بأس به من إجابات الأسئلة الحاضرة التي تشرح لنا الوضع الراهن، فما أشبه ما حصل عام (1948م) بما يحصل اليوم في القرى المحيطة بالقدس والمناطق المصنفة ضمن المنطقة (ج). إنّ جزءًا من ضعفنا وقوتنا يتكشّف لنا من خلال الاجابة على هذه الاسئلة، الإجابة لمعرفة ما حصل للتعديل على الحاضر ومعطياته، وتجنّب الازمات المستقبليّة، والكوارث التي تجعلنا أكثر مهانةً ورضوخًا، وليس الإجابة عليها لندسها في كتب التاريخ ونجبر الطلاب على حفظها ثم نختبرهم بها بعد يومين!

"التاريخ يعيد نفسه" كثيرًا ما نكرّر هذه العبارة، ونأخذها على أنّها حقيقةٌ مُسلَّمٌ بها، لا تحتمل تغييرًا ولا تبديلًا، فهل هذا يرجع لإيماننا بثبات الحقائق أم لشكوكنا في قدرتنا على تغيير مجرى التاريخ ونتائجه؟! التاريخ لا يعيد نفسه إلّا لأنّنا سمحنا له بذلك، سمحنا لأنفسنا أنْ نستكين ونُسلِّم للمعطيات الموجودة، والخيارات المطروحة، التاريخ يعيد نفسه، والأخطاء نفسها تتكرّر لسببٍ رئيسٍ هو أنَّنا لا نتعلّم من هذه الأخطاء بحيث تكون موجهًا لنا في تصويب مجريات الحاضر الذي يعتمد بشكلٍ أساسٍ على أحداث الماضي أكانت انتصاراتٍ أم هزائم.

فلو نظرنا إلينا في كل مرة نتعرض فيها لهزيمةٍ أو نخوض حربًا لا نجد من أمرنا شيئًا إلّا أنْ نجلس لنَبكِ هذي الهزائم، ونَندِبَ حظّ موتانا، وما آل إليه حالنا، كأنّي بنا لا نملك سلاحًا نواجه به أخطائنا وشيئًا نقوم به ضعفنا سوى حفنةٍ من الدموع نذرفها بُعَيْد كل هزيمةٍ، فما أشدّ حُمقنا وسذاجتنا إزاء ما يحدث! بل ما أشدّ حاجتنا لصفعةٍ تُوقِظنا من غفلتنا، علّنا نُعِيد قراءة الأحداث بطريقةٍ مغايرةٍ بعيدًا عن الاحصائيات وحشو المعلومات في الكتب وأذهان الطلاب، قراءةً تنقذنا من هُوَّة الهزائم والتردّي الذي يزداد يومًا بعد يوم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة