محمد سالم
محمد سالم
738

حرب الكلب الثانية.. كيف صور إبراهيم نصرالله وحشية الإنسان؟

20/7/2019

يلتقط الكاتبُ بعدسته مكامن الإنسان التي ترزخ فيها طبائعه الاستبدادية وصفاته الوحشية، ويرسم بريشته معالِمَ عالَمٍ يشهد تقلبات متسارعة وتغيرات خطيرة صورةً قاتمة تفاصيلها العنف والجشع والحقد والحسد والمكر والخداع، فالرواية الواقعة بالمستقبل تناقش قضايا يمهد لها ماضيها أي حاضرنا. يسرد الكاتب الأحداث المصفوفة على جنبات مسار حياة راشد منذ دخوله إلى القلعة أو هكذا أصبحت تسمى في المستقبل بسبب نشاطاته المتعلقة بما كان يسمى في الماضي السياسة، راشد الذي لفت بعناده الضابط حتى أنه عرض عليه أن يصبح أحد رجال القلعة، بل أنه وافق أن يكون راشد زوجا لأخته، كما أنه تقرب من "حضرته" بسبب ذكائه وحلو كلماته فأصبح مهندس مشاريع الأمل.

سلام هذه الفتاة فاتنة الملامح التي برع الكاتب في تصوير جمالها وإبراز دورها وتأطير الحياة الزوجية بإطار التفاهم والتجاوز عن الأخطاء رغم ما قد يعتريها من مظاهر أصبحت سببا رئيسيا لحالات الانفصال والتفكك الأسري وما ينجم عنه من مشكلات تؤثر خاصة على الأطفال الذين كان كلما ذهبوا إلى المدرسة تتلاقي على خدودهما الأيامن والأياسر قبلات راشد وسلام في صورة عكست دور الطفل ببناء العلاقة ما بين الزوجين وأنهما سبب رئيسي في هالة الود التي تحيط بالأسرة. يتطرق الكاتب إلى مفهوم الطرفة والمأساة، فالأحداث في المستقبل وما آلت اليه الأوضاع من حالة وحشية كان في الماضي أشبه بطرفة يتناقلها الأشخاص بينهم، لكنها اليوم أصبحت مأساة أحرقت اليابس قبل الأخضر ومن جملة الطرف والمآسي:

في مشهد اندلاع حرب الكلب الأولى جاء الحيوان (الكلب) كضحية أو شماعة يعلق عليها الإنسان وحشيته الذي يتحلى بها فهو الذي نبذ التسامح والتفاهم وفرض على نفسه العنف والقسوة واكتسب صفة الوحشية من الحيوان

الحياة والتكنولوجيا؛ تطورت التكنولوجيا وانفجرت المعرفة حتى أن جميع حياتنا ستغدو تتعلق بها، بالرغم أنها ستجعل الحياة سهلة من حيث السلاسة بالتعامل مع الأدوات المختلفة خاصة المنزلية منها، كما أنه سيجعل الاتصال والنقل بالغ التطور والسرعة، إلا أنها ساهمت في الانغلاق والعزلة كما أن أثرها المدمر على الأطفال وازدياد معدلات الكآبة والركون إلى الراحة والآلة مما له عواقب وخيمة على الصحة البدنية والعقلية وهو ما نراه في كثير من المشاهد المتفرقة في صفحات الرواية، كما أن الجزء الأكثر خطورة هو أثر هذا التقدم على آلة الحرب التي ستجعلها اكثر فتكا ووصولها إلى الأفراد بكل سهولة مما له عواقب وخيمة على الجنس البشري.

الشك؛ لقد طغت صفة الشك على أطوار الرواية وأبرز الحالة النفسية المتعبة التي قد تحيط بالفرد إذا ما أثقل كاهله بالذنوب وحاول أن يتغطى بعباءة الكذب ويبرر أفعاله المشينة كالخيانة الزوجية والعمل لاجل غاية الثراء أو الحفاظ على المنصب مقابل آهات الاخرين وآلامهم، ونرى هذا بارزا في جملة من المواقف فمثلا علاقة راشد مع حضرته (الرئيس والمرؤوس) التي يغلب عليها طابع المصلحة والمداهنة وتصوير الباطل حق والقبيح جميل، بالرغم أن راشد نفسه كانت نسمات تطل بين الفينة والأخرى على ما يبدو إنها خصال الخير لكنها إذا ما احيطت بالظروف السيئة والفساد وتركت الفرجات نحو ارتكاب المزيد والانسياق خلف الشهوات فهي فسرعان ما ستمر هذه النسمات وتبقى أثرا بعد عين، فالمشروع الذي كان فكرة راشد (مشروع الامل) بدى يكون إنسانيا في مظهره لولا أنه يتغذى على آلام الاشخاص ويكسب الأموال الطائلة بدعوى تغيير أحوالهم إلى الأفضل.

الشبه بين الأفراد؛ أيضا من الطرف حالة الشبه التي أخذت النصيب الأكبر من أحداث الرواية وهي فيما يعتقد الكاتب أنها ستكون سببا لحرب الكلب الثانية؛ لا نتحدث عن الشبه في الملامح الخارجية وإنما الرغبة بتملك ما عند الغير ورغبة الوصول إلى المنصة التي يقف عليها كثيرون خاصة من ارتبط نجاحهم بالثراء والشهرة، في حين نرى على الجانب الآخر حب وجشع لاحتكار النجاح والثروة الناجمة عنه فيتحقق لدينا مفهوم الحسد والحقد، قد يبدو الأمر طرفة لكن المأساة في أن القلعة وجدت طريقة لاستغلال رغبة الأشخاص بعدم وجود أشباه لهم، وهنا يحضر راشد بفكرة مشروع الأمل القائم على اعتقال الأشباه بدعوى علاجهم لكن الحقيقة أن مصيرا مرعبا ومأساة تنتظرهم.

في مشهد اندلاع حرب الكلب الأولى جاء الحيوان (الكلب) كضحية أو شماعة يعلق عليها الإنسان وحشيته الذي يتحلى بها فهو الذي نبذ التسامح والتفاهم وفرض على نفسه العنف والقسوة واكتسب صفة الوحشية من الحيوان وألقى عليه اللوم في حروبه كأي شيء في الحياة، فسبب القتل هو حفظ أمن البلاد، وسبب الاعتقال هو القبض على الخونة، وسبب الاخفاء القسري هو درء المفاسد عن المجتمع، لقد صور ابراهيم نصرالله حالة الإنسان كالذي يرى الخطيئة فينبذها ثم لسبب ما يرتكبها وللتغطية على ذنوبه يلقيها على غيره حتى ولو كان كلبا.

في المشهد الأخير من الرواية تنذر الأحداث السابقة بحرب الكلب الثانية التي صور الكاتب العالم صحراء جرداء وكأنه يقول بأن طرفة التقدم المنشود لجعل الحياة أفضل إذا ما استغل بطريقة سيئة فإن مأساة الفناء ستحل على الجميع، وأن الإنسان إذا ما جعل آماله وأحلامه معلقة على مآسي الآخرين التي تخالف الفطرة والمنطق والأخلاق وجعلها غاية يسعى لتحقيقها بأي وسيلة فإن العاقبة ستكون عكسية وأن العدالة ستقوده إلى حتمية العقاب ولو في ظل دولة الخوف والاستبداد والظلم.

الحرب خطيئة يقترفها بنو الإنسان أو قد تكون خطأ تسببها بعض الظروف كمحاولة أن ننسلخ عن واقعنا السيئ ونتقمس واقعنا غرنا الجيد، ربما ليس إبراز الوحشية هو المقصد بل التعلم من أن لكل دوره في الحياة، إن اعترض وحاول التنمر فالعاقبة لن تكون كما يشتهيها، لربما هذا ما أراده إبراهيم نصرالله الذي لا أعرف أن كان هو أم شبيهه الذي كتب الرواية واوصلها بهدف لعب دور البراعة والدقة والرصانة والكلمات الجميلة المنمقة المعروفة عن الكاتب الأصل!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة