احتاطوا من المظاهر!

17/7/2019

انحصر النظر إلى جمال الإنسان في المغرب على المظهر فقط، وهي نظرة مغلوطة إلى الجمال الإنساني، لأن تقييم هذا الأخير يجب أن ينطلق من معايير أخرى تضع الإنسان في وضع يليق به، ثم لأن النظرة مبنية على تقييم الجسد فقط، وبالتالي فهي ليست أكثر من نظرة شبقية تقلل من شأن المشاعر الإنسانية، ليصير بذلك المرء حيوانا مهووسا بغريزته، وهو الأمر الذي يؤكد أن اهتمام المغاربة بالجسد يفوق اهتمامهم بأمور أخرى أرقى من الجسد، وليس لهذا الاهتمام أي علاقة بالجانب المشاعري، بل إن هذا الاهتمام نابع من دوافع الإنسان المغربي لإشباع مكبوتاته، وكل ما يجد الإنسان المغربي نفسه محروما منه، هذه النظرة يتقاسمها كلا الجنسين، فالرجال في الغالب ينجذبون لجسد المرأة أكثر من انجذابهم لتفكيرها ونظرتها إلى الحياة، كما أن النساء بدورهن ينجذبن إلى جسد الرجل إذا لم أضف إلى ذلك ممتلكاته وأمواله، وقلما تجد فتاة تنجذب إلى تفكير الرجل، وعندما تجد امرأة أو فتاة تمتلك هذه النظرة، فلعلها استثناء، ونفس الشيء بالنسبة للرجل، ولطالما كان الاستثنائيون رائعون ونادرون.

 

يبدو أن ما يحدد نظرة المغاربة للإنسان مرتبط بالمظاهر أكثر من ارتباطه بأمور أخرى تستقيم مع حقيقة الإنسان، إذ من خلال ما يبدو عليك، سيتم تصنيفك، وأنت مصنف في جميع الأحوال حتى تتبث حقيقتك. ولقد كان أمرا طبيعيا أن يكترث الرجل المغربي لجسد الأنثى بل ويطمع فيه أكثر من اهتمامه بشخصيتها وما إلى ذلك، وكان طبيعيا أيضا أن يكون اهتمام المرأة بالرجل لا يتعدى ما يظهر عليه، أما الغوص في الأعماق وما يتحدد به الإنسان فتلك لا تثير اهتمام المغاربة، فبقدر ما أضحت المظاهر هي التي تُعرّفنا على الآخر، كانت ولازالت هذه المظاهر خدّاعة، فكان واقعيا أن نشاهد هذا الكم الهائل من الخداع يُمارس بين البشر تحت مسميات أخرى، ذلك أن تلك النظرة الشبقية لجسد الأنثى والتي تتأسس على المظاهر، وتلك النظرة المليئة بالرغبة والطمع، والتي تمتلكها بعض الإناث هي نظرة تقتل قيمة المشاعر التي ينبغي أن نؤسس من خلالها علاقتنا بالآخر، لكن المشاعر لم يعد يشعر بها إلا الاستثنائيون، أولئك الذين قادهم وعيهم نحو اختيار الطرق الصحيحة والصادقة في ممارسة الحياة.

 

نخطئ الصواب عندما نعتبر المظاهر حقيقة الآخر، لقد انغمسنا في المظاهر حتى قتلنا مشاعرنا الإنسانية، ولم نترك لذواتنا فرصة استكشاف الآخر من خلالها، من خلال ما نحسه ونشعر به تجاهه، هذه الأعماق تُوجِّهنا بصدق في الغالب

ليس من الحكمة أن ننطلق من المظاهر لكي نعشق الآخر، المظاهر ليست سوى صورة مزيفة يحاول الآخر من خلالها أن يظهر على الصورة التي يمكن أن تثير إعجابنا، وهي ما يتبقى من الآخر بعد أن تظهر حقيقته، والمظاهر هي ما يجعل الاخر يسبقنا إلى ما قد لا يمثلنا باطنيا، ذلك أنه اكتفى بما بدا منا ظاهريا، هذا التصور قلما ينطبق على ما نكونه في الحقيقة، كما أن هذه الأخيرة تثير الصدمة عندما ينكشف أمرها ولو بعد حين، بعد أن تضعنا المظاهر أمام حقيقة مزيفة، لم نكن نملك حيالها إلا الإعجاب، فبقدر ما نتورط في تلك المظاهر، بقدر ما ستزداد حدة الصدمة التي تنتظرنا عندما نفك رموز حقيقتها، المظاهر هي تلك الصورة التي نقدمها للأخر عنا، ونخبره فيها بأننا طيبون ورائعون حتى يكتشف من نكونه وما نخبئه في أعماقنا، والمظاهر هي ما يتلاشى أمام ما ندفنه سرا عندما تأخذنا الحياة إلى مختبرات الوضوح، لم تكن المظاهر يوما ممرا نسلكه إلى الآخر، لكي نكتشفه كما ينبغي، ولم تكن طريقا يجعلنا نصدق أن الأخر سيكون كما تصورناه ومنسجما مع أحكامنا المسبقة، تلك التي حددناها من خلال ما يتجلى لنا فيه، ولهذا لا ينبغي أن نعطي لهذا الصورة أكثر مما تستحق، ولا ينبغي أن نؤسس لعلاقاتنا انطلاقا مما نراه بأعيننا، فقد يكون ما خفي أعظم، ولطالما كانت الحقيقة مخبأة بعناية تحت جماليات المظاهر.

 

ليس الكبث وحده هو من يجعل الرجل المغربي ينظر إلى المرأة نظرة شبقية، ونفس الأمر بالنسبة لمن لا تجد إلى إشباع رغباتها سبيلا، بل لأن الإنسان المغربي يؤمن بالمظاهر أكثر من أي شيء آخر، فأنت لست أكثر مما يبدو عليك، ولو كان ما يبدو عليك أسوأ مما تملك، هكذا فرضت المظاهر نفسها على المجتمع المغربي، وبقدر ما امتلأت أذهان الناس بفكرة أن المظاهر هي السبيل لمعرفة الآخر، بنفس القدر تنسلخ الأذهان عن التركيز عما يمكن أن يشكل حقيقة الآخر، وهي الحقيقة التي تظل مخفية حتى يتاح لنا استكشاف الآخر، فقد تكون هذه الحقيقة جميلة ومناسبة  لمزاجنا، وقد تدعو على الندم، وفي كلتا الحالتين ينبغي أن نترك المظاهر جانبا حتى نستطيع الشعور بمن يكونه الآخر باطنيا، وإلى ذلك الحين يظل الإنسان المغربي غارقا في مظاهره، ولا يجد إلى امتلاك نظرة حول الآخر غير ما يظهر، باعتبار أن الجانب الفضولي من هذا الكائن يدفعه لتغذية الحواس التي طالما يتبعها في البحث عن الحقيقة، ولعل الفضول هو الذي يقوي علاقة هذا الكائن بالمظاهر، ويجعله يكتفي في البداية بما تراه عيناه.

 

نخطئ الصواب عندما نعتبر المظاهر حقيقة الآخر، لقد انغمسنا في المظاهر حتى قتلنا مشاعرنا الإنسانية، ولم نترك لذواتنا فرصة استكشاف الآخر من خلالها، من خلال ما نحسه ونشعر به تجاهه، هذه الأعماق تُوجِّهنا بصدق في الغالب، فتبرز لنا من يحبنا ومن يكرهنا، فلطالما نشعر بالطمأنينة أمام الشخص الذي يمتلك قلبا جميلا، ويحدث العكس أمام أولئك الذين لا يدركون قيمة المشاعر الإنسانية، ولهذا نخطئ عندما لا نلوذ إلى الآخر بكل صدق نحو استكشاف ما قد يخبئه لنا، بدل التركيز على تلك الرسائل التي تحملها المظاهر، والتي غالبا ما تكون غير جديرة بالثقة، لم يكن صائبا أن نؤمن بالآخر بمجرد ما تملكتنا نظرة إعجاب صوبه، وليس صائبا أن نرى في الاخر غير ما يظهر عليه، وليس صائبا أن نركز على جسد الآخر دون التسلل إلى أعماقه لاستنطاق الخفايا التي قد تجعلنا لا نندم على ما اقترفته حواسنا من أخطاء، لما جعلت من المظاهر مرتكزا يستجيب لحقيقة الآخر.

 

من المؤسف أن نرغب في الآخر من خلال ما يبدو عليه، هذه الرغبة ستتلاشى بمجرد ما ينطق الآخر بحقيقته، تلك التي أخفتها عنا المظاهر، ذلك أنه ينبغي التريث قبل الخوض في الآخر، وقبل إعلان ميلاد المشاعر التي يمكن أن تورطنا فيه، إننا نخطئ حقا عندما ننجذب إلى الاخر بناء على ما يظهر عليه، وقد لا يكون ذلك عيبا، لكن هذا الانجذاب المحكوم بالصورة التي يبدو عليها الآخر محكوم بالفشل في الغالب، والحق أن الانجذاب ينبغي أن يؤخذ على ما ينبعث من الأعماق، وعلى ما تقوله المشاعر عندما لا تجد سوى أن تذوب في الآخر، عندما تنصاع الأعماق أمام ما يتجلى، عندما لم تعد للمظاهر أية أهمية أمام ما استكشفناه لما سافرنا إلى الأعماق، ووجدناها تليق بأن نترك سفينتنا ترسو هناك، ليس لأنها وجدت ضالتها هناك، ولكن لأن ذلك الميناء هو الذي قادتنا إليه مشاعرنا في اللحظة التي وضعنا المظاهر في الهامش، وانطلقنا صوب ما تحتفي به المشاعر من حقائق.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة