بشار طافش
بشار طافش
162

إلى إبني الحنون.. وهل للإنسان إلا كرامته؟

2/7/2019

بني الحبيب، مرّ زمنٌ طويل هذه المرة منذ أن بعثتُ لك بآخر رسالة، ربما أنك تستطيع أن تشعر الآن بحال البلد والكساد الكبير الذي تمر به كباقي البلدان، هذا الكساد الذي انعكس بشكل سلبي للغاية على أعمالنا وحجم الجهد المضني الذي نبذله في كل ساعة من أجل تأمين حاجياتنا الأساسية ولقمة عيشنا، كلنا في بلاد العرب خاصة، نسعى دائما لتأمين تلك الحاجيات، الحفاظ على حياتنا المعيشة مستقرة ضرباً من الصعوبة كما تعلم في هذه المنطقة، لكن الأمر بات الآن في غاية الصعوبة، لقد فاق هذا الكساد بهولِهِ هولَ الكساد العظيم الذي أصاب العالم مطلع ثلاثينيات القرن الفائت.


وربما أنك تسمع عن الأحوال السياسية العربية المتردية للغاية، وحالات التشرذم المستمرة والعميقة التي تمر بها بلادنا قاطبة، ومن المؤكد أيضا يا حبيب عمري أنك سمعتَ مؤخرا عن ما بات يسمى، بصفقة القرن، واللغط الجنوني الذي يدور حولها والذي أصابني بتشنج مؤلم اجتاح وجداني وكامل منظومتي العصبية مرورا بعقلي الذي توقف عن إلهامي بالكلمات، ليس حين أود أن أكتب إليك فقط، لا، بل حتى توقف عن إلهامي لكتابة مقالاتي السياسية التي عادة ما أهربُ إليها من الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الصعب الذي تمر به أمتنا اليوم، إلا أنني من مؤيدي فشل هذه الصفقة وقد كتبتُ بهذا الشأن عدة مقالات رغم توقف الوحي لدي لزمنٍ طويل.

تطلعاتي كانت بسيطة جدا، وكبيرة جدا كذلك، وهي أن أبقى فقط إلى جانبكما يا أحباب عمري وروحي، لكن شاء القدير بأن أشتري كرامتي بكل ذلك، وما للإنسان إلا كرامته

بني الغالي، بين خضم هذا وذاك ما زلتُ أتحرّق شوقا إلى مراحل طفولتكما التي انتُزِعْتُ منها رغما عني، كان هذا الانتزاع ثمناً لكرامتي دفعته، لكنه باهظ واستطعت أن أدفعه، وكان أثمَنَهُ بُعدي عنكما، وسوف أسترد هذا الثمن في يوم من الأيام، إن لم يكن على هذه الأرض فهناك، حتماً هناك، هذا عدا الذي خبأه لي ربي من خير كبير نتيجة التشويه الكبير الذي أصاب صورتي في ذهنيكما أبنائي وأحباب عمري، وأذهان الكثير من الناس بفعل الكراهية والشر والكذب. لاحظ هذه الصدفة، أيضا كان لي طفولة ذات يوم لكنها بقيت ورائي هناك غرب النهر كما تعلم، وهي كذلك انتُزِعْتُ منها رغما عني، أتعلم أمراً؟ يا إلهي! لكم أشتاق إلى طفولة سُرِقَتْ مني ولم أشبع من وجودها حولي هنا شرق النهر، هذه هي الصدفة أو القدر الذي غدر بي على ضفتي النهر، أنت رحيم يا ربي، رغم قساوة ذلك ومرارته، إلا أنني راضٍ عنك يا الله.

هل تعلم بني الحبيب أنني أُخزّن قنوات الكرتون التي كنتَ تحب أن تدير الشاشة عليها ضمن قائمة مفضلة؟ لكني لا أشاهد عليها أي برنامج كرتوني، في الحقيقة لا أستطيع ذلك، فهي تذكرني بك وبكما أنتما الإثنين، وأتَذكر كيف كنتُ أجلسُ معكما لمشاهدة هذه البرامج كي نستمتع جميعا، وأيضا من أجل شيء آخر لم تكونان تعلمان به قبل الآن، وهو أنني كنتُ أراقبُ ماهية هذه البرامج حين كانت تبِث برسائل خطيرة ومبطنة لمن هم في سنكما، فكنتُ أحيانا أشرح لكما أثناء أو عقب كل برنامج، أتذكُر ذلك؟

أتذكُر أيضا البرنامج الذي كان اسمه، جيمي نيوترون الفتى العبقري؟ أتذكُر حين كان جيمي في أحد الحلقات يطلب من والدية بأن يجلبا له أخ كي يلعب معه، وحين يأس من الموضوع برمته قرر أخيرا بأن يصنع له أخ آلي بنفسه، فجيمي هذا كان شديد الذكاء، وأصبح يأخذ أخاه هذا معه إلى كل مكان، إلى المتجر والمدرسة والملعب، لكنه واجه مشكلة كبيرة حين سَرَق منه أخاه الآلي الأضواء في المدرسة حيث بات كل أصدقاء جيمي يميلون إلى أخاه الآلي ويسألون عنه ويريدون اللعب معه هو فقط، وأصبحوا يتجاهلون جيمي، فبدأ جيمي يغار بشدة من أخاه الآلي ويمقته وأصيب بحالة اكتئاب حتى قرر أخيراً أن يصنع صاروخا ليذهب بأخاه إلى القمر ويتخلص منه إلى الأبد، لقد شكلت هذه القصة الخيالية صدمة كبيرة لنا جميعا، وشرعتُ وقتها بالتحدث إليكما بأن هذا لا يحدث وأن علاقة الأخوة هي أعمق من ذلك بكثير، وأن فعلته تنم عن شعور كبير وبغيض بالأنانية وضعف الشخصية، أحببتُ حينها أن أُبعد عنكما تلك الإيحاءات الخطيرة التي بُثَّت خلال حلقة جيمي نيوترون تلك.

كم أشتاق لأن أجلس معكما من جديد، المزيد من الأوقات، ونشاهد مرة أخرى جيمي نيوترون، وجامبول، وبسبس بوبي، وجنجر، وسبونج بوب، وتوم آند جيري، ومستر بين، كانت أوقاتاً جدُّ رائعة، وكانت غايتي في الحياة وقتها، فتطلعاتي كانت بسيطة جدا، وكبيرة جدا كذلك، وهي أن أبقى فقط إلى جانبكما يا أحباب عمري وروحي، لكن شاء القدير بأن أشتري كرامتي بكل ذلك، وما للإنسان إلا كرامته!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة