حرزالله محمد لخضر
حرزالله محمد لخضر
478

المفكر الوظيفي ومهمة تشكيل الوعي المجتمعي في الحراك الجزائري

20/7/2019

يعتبر المفكرون والعلماء القاعدة الصلبة لتأسيس أي معمار حضاري وهندسة النهضة الفكرية للمجتمعات، وعلى مر الدهور شكل دورهم عاملا محوريا في تنمية الوعي وتطوير نمط التفكير والإرتقاء بالسلوك وتزكية الأنفس، كما يضطلع المفكر بمسؤولية استنهاض الهمم وتوحيد الجهود وإنارة الرأي العام بمختلف القضايا الحساسة والتحديات المحدقة خاصة أثناء الأزمات المدلهمّة التي تمر بها الشعوب. وقد تجلى هذا الدور مع العديد من المفكرين ورموز الوعي الذين عرفهم التاريخ قديما وحديثا؛ كغاندي في الهند ونيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا وتوينبي في المملكة المتحدة ومونتيسكيو في فرنسا ورواد النهضة الأوروبية التي تلت عصور الظلام، وعبد الرحمان الكواكبي ومحمد عبده في مصر وجمال الدين الأفغاني في البلدان العديد التي نزل بها، إضافة دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إبان الإحتلال الفرنسي في بعث الحركة الفكرية في المجتمع الجزائري الذي أعْيَته الآلة الإستدمارية والإستخرابية، فحرّفت لديه العديد من المفاهيم وشوهت علاقاته الإجتماعية بتأجيج العصبيات المقيتة والجهويات الفاسدة والأفكار البالية التي مكّنت للمستدمر وبررت بقائه، فكان لكتابات شكيب أرسلان وتوفيق المدني والبشير الإبراهيمي ومالك بن نبي ومالك حداد وأحمد رضا حوحو وغيرهم من الرواد؛ أثرا بارزا في إصلاح أفكار العباد، وتوجيههم إلى سبيل الرشاد.

لقد شكل دور المفكر عبر الأحقاب الزمنية المتباينة نقطة مركزية في رسم المعالم الكبرى للتحولات النهضوية الرائدة في تاريخ الأمم، من خلال مبادراته الفاعلة في الهندسة الفكرية والجودة المعرفية التي تسهم في تنشئة النفوس وإحياء الضمائر واستفاقة العقول، فالمفكر الوظيفي هو الفهيم الحَصِيف الذي يسبر أغوار المعضلة بعين البصيرة ويقدم لها البدائل والرؤى التنموية والحلول الواقعية، وهو المستشرف لما وراء حجاب الزمن من مآلات وأطروحات؛ فيمتاز لديه ما استشكل عند غيره، ويتضح له ما انبهم لدى الآخرين، وهو مصدر الوعي والقيم الحضارية، والمؤسس لنظم التفكير الفعال في مجتمعه.

العقل الجمعي للنخبة هو بمثابة القوة المرَجّحَةِ والمؤثرة في معادلة الحل، ومن مجموع المبادرات ستبرز أفكار جديدة تُغذّي وتُقوي البناء الفكري والتأصيلي لاستراتيجية توافقيةٍ تكاملية لحل الأزمة

والمفكر هو الحكيم الذي يستجلي الحقائق ويَسْتَكْنِه مصائر الأزمات، ويبدد حوالك الشبهات؛ يقدح بالرأي المنير، والفكر الناقد الخبير، لا يقف عند حدود التمايز بين الخير والشر، بل يزايل بنور البصيرة بين شر الشرين وخير الخيرين، ويدرك الخير المستتر بين ثنايا الشر، والشر المستكنّ بين ثنايا الخير، يوازن بين المصالح والمفاسد بمثاقيل الدراية والهداية، والخبرة والحكمة، والعلم والحلم، يجمع ولا يفرق، داعية سلم ورحمة وإخاء، لا بريد زور وفتنة وبلاء، يُشتفى من رأيه ولا يُكتفى من وِرْدِهِ.

وتمر بلادنا الحبيبة الجزائر منذ 22/02/2019 بمرحلة فارقة من تاريخها الحديث، عرفت تطورات متسارعة وكثيفة للأحداث، ومتغيرات شملت مختلف الأصعدة، ومع مرور الوقت واستعصاء حل الأزمة السياسية برزت تحديات جسام ألقت بظلالها على المستوى السياسي والمجتمعي والفكري والهوياتي، وقد تمتد لتشمل المستوى الأمني والاقتصادي، وهي مؤشرات خطيرة تفرض على أصحاب الشأن والكفاءات العلمية أن يساهموا في الحفاظ على آصرة المجتمع وقوته، وأن يردوا عنه عَادِيَة الفتنة التي بدأت نُذُرُها تطفح على سطح الحراك وتتسرب من بين جنباته.

إن انخراط النخب والكفاءات العلمية والرموز المعرفية في الحراك المعرفي والفكري وقيامهم بدورهم الاستراتيجي وهو: التأطير الفكري والمعرفي للمجتمع، يمثّل عامل قوة ومَنَعَةٍ للحراك، وذلك من خلال الدراسة الواعية والاستقراء العميق لكل البدائل والمتغيرات وهندسة رأي عام رشيد وموحد تجاه كافة قرارات وخطوات مختلف الفواعل الرسمية وغير الرسمية، وكذا العمل على تفعيل الوعي المجتمعي واقتراح الأفكار الحيوية للحفاظ على الطابع السلمي والحضاري للحراك، وكشف الأفكار القاتلة وتفكيك الألغام المستترة في ثناياها؟

إنه لمن الضروري أن تضطلع النخب بدور ريادي يليق بمقامها في إنتاج الأفكار الفعالة وتحصين الأمن الفكري والعقائدي للمجتمع، وأن تتقدم بالمبادرات النوعية والجدية لحلحلة الأزمة، وأن تقيم النوادي والملتقيات والمحاضرات والحلقات النقاشية في الأحياء وعلى مستوى الجامعات ومراكز البحث والمؤتمرات، لطرح مختلف الرؤى والحلول واستخراج مكنون الأفكار التي يزخر بها العقل الجمعي للنخبة المفكرة، والتي تشكل القوة الذكية والناعمة والفعالة التي تساهم في تأمين مسار الحراك وتقديم الأطروحات والبدائل والمقاربات المعرفية، التي من شأنها هندسة المسارات العملية والعلمية لحل الأزمة السياسية والخروج منها بأوفر المكاسب وأقل الخسائر.

أعتقد أنه يجب على الخيرين التكاتف والتعاون لإيجاد توافق وطني يجمع بين مختلف المبادرات الفعالة ذات القيمة العملية القادرة على إحداث تحولٍ نوعيّ في مسار الأزمة الحالية، فالعقل الجمعي للنخبة هو بمثابة القوة المرَجّحَةِ والمؤثرة في معادلة الحل، ومن مجموع المبادرات ستبرز أفكار جديدة تُغذّي وتُقوي البناء الفكري والتأصيلي لاستراتيجية توافقيةٍ تكاملية لحل الأزمة، تجمع بين المشتت وتؤلف بين المختلف، وهذا هو الطريق السديد لتقوية المطالب الشعبية وإعلائها وتوحيدها، والضغط على كافة الفاعلين لإيجاد أرضية ملائمة لتنفيذها في أسرع وقت ممكن حسما لمادة الأزمة والفتنة.

وأخص بالذكر من النخب التي يتعلق بها دور أوّلي وتقدميّ للمساهمة الفعالة في حل الأزمة السياسية الحالية؛ الأخصائيون في العلوم القانونية والسياسية والإجتماعية والإنسانية وبقية التخصصات ذات الإرتباط كالاقتصاد والإعلام والتاريخ...الخ، الذين يملي عليهم الواجب الوطني أن يجتمعوا في إطار تشاركي من خلال الدعوة إلى ملتقى وطني جامع؛ ولا بأس إن كانت ملتقيات جهوية تكاملية ويساهموا في حل الأزمة بمبادرات يتقدمون بها للرأي العام باسم النخب المتخصصة بعد نقاش مستفيض وغربلة دقيقة لكل المواقف والأطروحات، وبذلك سَيَسُدُّون "الفراغ المعرفي" الذي تعاني منه ساحة الحراك، وسيكون لمبادراتهم الجماعية أعظم الأثر في رأب هوّة الخلاف وتحقيق فضيلة الإئتلاف، إذ أنهم يمثلون"الشرعية المعرفية والمرجعية العلمية" للأمة جمعاء، وعندئذ يصح القول: "لا يُفتى ومالكٌ في المدينة". وفي المثل: أعط القوس باريها؛ وأسكنِ الدار بانيها.

فالنخب العلمية إذا لم تتقدم وتضطلع بمسؤولية تأطير الوعي السياسي ونقد الوضع في البلد بعين البصيرة والحكمة وقيادة الحراك السلمي وتوجيه الأفكار والإرادات نحو التغيير المأمول والإصلاح المسؤول، فإن سلبيتها وعدميتها تلك ستساهم في إنتاج مناخ موبوءٍ بداء الرداءة والضحالة الفكرية والتطفل والإسفاف المعرفي، وسيشغل موقعها الاستراتيجي الشاغر زُمَرُ المتسلقين المنتفعين الذين لا همّ لهم سوى تعظيم المصالح الشخصية، وتضييع الموارد الوطنية ولا عزاء للوطن بعدئذ إذا انطفأت منائره. وقديما قيل:

متى يصل العطاش إلى ارتواء ... إذا جلس الأكابر في الزوايا
وقد صدق الأفوه الأودي حين قال ناصحا قومه:
تُهدى الأمور بأهل الفضل ما صلحت ... فإن تَوَلّت فبالأشرار تنقاد.
لا يصلح الناس فوضى لا سَرَاةَ لهم ... ولا سراة إذا جُهّالُهم قادوا.
إذا تولى سراة الناس أمرهم ...نما على ذاك أمر القوم فازدادوا

#يتصدر_الآن

تكلفة البقاء ضمن الأنظمة الاستبدادية.. الحصاد المُرّ!

تطور الفكر السياسي الحديث بمقارباته ومداخله وأدواته ومناهجه، قد أفرز عدة نماذج للحكم وإدارة المجتمعات الحديثة، وأُثْرِيَ البحثُ السياسيُّ بمنظومة جديدة من القيم والأسس والأفكار التي تتماشى مع تطور الإنسانية.

824
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة