د. علي الصلابي
د. علي الصلابي
1.6 k

توحيد الربوبية أعظم برهان على توحيد الألوهية

25/7/2019

إنَّ الاعتقادُ الجازم والإقرار بأنّ اللهَ جلَّ جلاله ربُّ كلِّ شيءٍ ومالكُه وخالقُه، ومدبِّرُ أمرِه ورازقُه، وأنّه وحدَه الذي ينفعُ ويضرُّ، ويحيي ويميت، وأنّه سبحانه وحدَه المتصرِّفُ بهـذا الكون، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانعَ لما أعطى، ولا معطيَ لما منعَ، بيده الخير، وإليه ترجع الأمور، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، وليس له في ذلك أي شريك، أو نظير، هو توحيد الربوبية.

 

توحيد الألوهية (توحيد العبادة) من لوازم توحيد الربوبية:

إنَّ توحيد الربوبية لا يكفي وحده في حصولِ الإسلام، بل لا بدَّ أن يأتيَ العبدُ مع ذلك بلازمه من توحيد العبادة، لأنّ الله تعالى حكى عن المشركين أنّهم مقرّون بتوحيد الربوبية لله وحده، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ*} [الزمر :38].

 

مما يدلُّ على اعتراف الكفّار بخالقهم، وإقرارهم به، وإنّما عبدوا من دون الله ما عبدوا ليجعلوهم وسائط وشفعاء بينهم وبين الله، ومع ذلك يتخلَّون عنهم إذا نزلت بهم الشدائد، ووقت الاضطرار، وهـذا الإقرار لم يغنِ عنهم شيئاً، ولم ينتفعوا به، إذ لم يصبحوا به مسلمين، ولم يَعْصِمْ أموالهم، ولا دماؤهم، ولا أعراضهم، لأنَّهم أنكروا توحيد الألوهية (توحيد العبادة)، وأشركوا بربهم، ولم يلتزموا بلازمٍ ما أقرّوا به، إذ إنَّ توحيد الربوبية يلزم منه توحيد الألوهية، وهو إفراد اللهِ عزّ وجلّ بجميع أنواع العبادات.

 

السنن العامة:
إنّ توحيدَ الربوبيةِ هو أعظمُ برهانٍ ودليلٍ على توحيدِ الألوهية، وهو بالنسبة له كالمقدّمة بالنسبة للنتيجة، فمن اعتقدَ أنّ لهـذا الكونِ العظيم الواسعِ خالقاً، ومدبراً، وقاهراً، ومتصرفاً فيه، يفعلُ ما يشاء

السنن العامة تخضَعُ لها جميعُ الكائناتِ في وجودِها المادي، وما يمرُّ بها مِنْ حوادثَ مادية، كنموِّ الإنسان، وحركتِهِ، ومرضِهِ، وما شابه ذلك، وما تقعُ مِنْ حوادثَ كونية، كنزول المطر، وتعاقبِ الليل والنهارِ وغيرها من متعلّقات الوجود المادي لمخلوقات الله عز وجل.

 

ولقد وجّه الأنبياءُ والرسلُ أقوامَهم إلى المشاهدةِ والنظرِ، والتأمّل والتفكّر: في مثل هـذه السنن التي تتضمّن دلالاتٍ كبيرةٍ على عظمةِ الخالق، وحُسن تدبيره، وبديع خلقه لأمره، وتدبيره عز وجل، وفق سننه ونظامه وقوانينه، التي وضعها بقدرته وحده لا شريك له، ومن ذلك قول نوح عليه السلام لقومه، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا *وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا *وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا *ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا *وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا *لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجًا *} [نوح :15 ـ 20] .

 

السنن الخاصة:

السنن الخاصة تتعلّق بخضوع البشر لها باعتبارهم أفراداً وأمماً وجماعات خضوعاً يتعلّق بتصرفاتهم وأفعالهم وسلوكهم في الحياة، وما يكونون عليه من أحوال، وما يترتّب على ذلك من نتائج كالسعادة والشقاء، والعزّ والذل، والقوّة والضعف، والنصر والهزيمة، ونحوِ ذلك من الأمور الاجتماعية في الدنيا، وما يترتّب عليها من جزاءٍ في الآخرة، سواء كان عذاباً أو نعيماً، ومن ذلك قوله تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ *} [الاعراف :128] أي الخاتمة المحمودةُ، أو النهاية في الدنيا والآخرة لمن أتقى.

 

سمات السنن الإلهية:

من سماتِ هـذه السنن بنوعيها: الثباتِ والاطرادِ والعمومِ، قال تعالى: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الأحزاب :62]، أي لن تجدَ لها تحويلاً وتغييراً، بل هي ثابتةٌ دائمةٌ، فما من نبيٍّ إلا أرشدَ قومه إلى هـذه السنن، بُغيةَ توحيدِ الخالق، وخاصّةً النوع الثاني منها، التي تتعلّق بالأحوال الاجتماعية، ففي الاعتبار والاتعاظ بها تتحقّق الاستقامة المطلوبةُ في سلوكِ البشر، وتتحقق الضوابطُ المرجوّة في سبيل تحقيق العبودية الخالصة لله عزّ وجلّ، لذا كان من أهداف إيراد القصص في القران الكريم الاتعاظُ بما جاء فيها من ذكر لهـذه السنن، كسنّة الأخذ بالأسباب، وسنّة التدافع، وسنّة في نصر المؤمنين، وسنّة الله في الفتنة والابتلاء، وسنة الله في الظلم والطغيان وغيرها.

 

توحيد الربوبية أعظم برهان على توحيد الألوهية (توحيد العبادة):

إنّ توحيدَ الربوبيةِ هو أعظمُ برهانٍ ودليلٍ على توحيدِ الألوهية، وهو بالنسبة له كالمقدّمة بالنسبة للنتيجة، فمن اعتقدَ أنّ لهـذا الكونِ العظيم الواسعِ خالقاً، ومدبراً، وقاهراً، ومتصرفاً فيه، يفعلُ ما يشاء، وله القدرةُ الكاملُة على تبديله وتغييره، وأنّه الرازقُ لجميع المخلوقاتِ بيدِه النفعُ والضرُّ، ويمنع ويعطي، ويميـت ويحيـي، وينجّي عند الشدائد والكربات، ويجيبُ المضطر عند اضطراره، من اعتقدَ ذلك صِدْقاً تولّدَ في قلبه حُبُّ ذلك الخالق العظيم.

 

وكثيراً ما يذكِّرُ الله سبحانه في كتابه الناسَ جميعَهم بأنّه هو المنعم عليهم، والمتفضل عليهم بالخلق والرزق وجميع النعم، فيرشدهم بذلك لعبادته وحده لا شريك له، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تؤفقون *} [فاطر:3].

 

إن الله سبحانه وتعالى هو الأحد الصمد، القادر على كل شيء، إياه نعبد وإياه نستعين، له العبادة والتوحيد مهما أنكر المشركون وغيروا من أربابهم، وتعاونوا على إشراك غير الله بالتوحيد والتقرب إليه بوسائل شركية؛ كالأصنام والنار وغيرها، فالتوحيد ثابت في قلوب المؤمنين الموحدين كالأوتاد الراسخة التي لا تهزها عواصف، ولا يزحزحها شيء عن الإيمان القوي بالله عز وجل خالق السموات والأرض.

-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------- 

مراجــع البحث:

  1. د. علي محمّد محمّد الصّلابيّ، الإيمان بالله جلّ جلاله، دار المعرفة، بيروت. لبنان، ط 1، 1432هـ - 2011م، ص (33-38).
  2. علي بن عبد الحفيظ الكيلاني، المباحث العقدية المتعلقة بالأذكار، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1428هـ، (1/348)..
  3. د. منى عبد الله حسن داوود، منهج الدعوة إلى العقيدة في ضوء القصص القرآني، دار ابن حزم للطباعة والنشر، 1998م، ص: (29- 30).
  4. د. عبد الكريم نوفان عبيدات، الدلالة العقلية في القرآن ومكانتها في تقرير مسائل العقيدة الإسلامية، دار النفائس، عمّان، ط 1، 1420 هـ / 2000 م، ص: (294).
  5. د. محمد سليمان الأشقر، زُبدة التفسير من فتح القدير بهامش مصحف المدينة المنورة، دار النفائس الأردن / دار التدمرية الرياض، 2012، ص: (560).

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة