من مغامرات طبيبة برازيلية في قطاع غزّة وفي اليمن

29/7/2019

التقيتُ بزميلة دفعتي في كلية الطب (تخرج الـ٢٠٠٧م)، والتي لم يكن قد سبق لي اللقاء بها منذ تخرجنا. كان محور الحديث عن مغامراتها في البلدان العربية عبر منظمة "أطباء بلا حدود". أخبرتني أنها متطوعة في هذه المنظمة العالمية، وبحكم اختصاصها في جراحة الأوعية الدموية، فإنها أُرْسِلَت إلى مناطق منكوبة من العالم. وشاءت الأقدار أن تُرْسَلَ إلى كلٍّ من قطاع غزة واليمن (منطقتا مخّا وعدن). 

 

كان لقاؤنا على الغداء في أحد مطاعم ساو باولو. وكان محور الحديث عن انطباعاتها الاجتماعية والثقافية والسياسية عن البلدان العربية والإسلامية. أُعْجِبتُ باطّلاعها الجيّد جدًّا على الأوضاع في منطقتنا العربية، وبحديثها العميق الذي يدلّ على ثقافة وإنسانية نادرتَيْ الوجود وسط الأطباء فضلًا عن عموم الناس. طلبت مني أن أدلها على مدرِّسة لغة عربية. وعدتها خيرًا بعد أن أبديتُ لها أسفي عن إهمال الجالية العربية للشأن الثقافي، وعن عدم اهتمام أفراد الجالية العربية بتعليم أبنائهم اللغة العربية. 

 

حديثها عن اليمن تركّز حول موضوعين اثنين: الأول حالة الكراهية بين شمال اليمن وجنوبه، والصراع الدامي بين أبناء الوطن الواحد، أما الوضع الثاني فهو وضع المرأة اليمنية

كلامها عن قطاع غزة يعبّر عن محبة كبيرة لهذه المنطقة المنكوبة من العالم. قالت لي إنها تعشق الشعب الفلسطيني وأنها ذُهِلَتْ بالتهذيب الشديد لدى ابناء غزة وبمستواهم الثقافي والتعليمي العالي جدًّا. قالت لي أنها استقبِلَتْ بحفاوة شديدة هناك وأنها أُكرِمَتْ إكرامًا عظيمًا. وساقت لي معلومة كنت أجهلها: إن قطاع غزة فيه أكبر نسبة عاطلين عن العمل في العالم بين حملة الشهادات الجامعية. وعن الحياة الاجتماعية، أخبرتني أن غزة، رغم ظروف الحصار، مدينة تعيش الحياة وتعشقها كأي مدينة اخرى في العالم، وأن شعبها يمارس حياته العادية رغم كل الظروف القاهرة المحيطة به. 

 

وكان الحديث عن السياسة لا مفر منه. فأعربت أنها تناصر القضية الفلسطينية مناصرة تامّة، وأنها متعاطفة تمامًا مع الفلسطينيين، وأنها لا تفهم سبب إنشاء الكيان الصهيوني في تلك المنطقة من العالم. وعندما سألتها عن "حماس"، كان جوابها مقتضبًا: "حماس ليست جيّدةً". وعندما سألتها عن السبب، قالت لي أن معظم الغزاويين الذين قابلتهم يكرهون "حماس" وإن كانوا يخشون من إعلان رأيهم هذا على الملأ، فهي عرفت منهم رأيهم هذا همسًا بعد أن وثقوا بها ووثقت بهم.

 

ثمّ ساقنا الحديث إلى اليمن، فقالت إنها تعشق مدينة مخّا، حيث قامت بمهمتها طبيبة جرّاحة في المستشفى الميداني الذي أنشأته منظَّمة "أطبّاء بلا حدود". ولكن حديثها عن اليمن تركّز حول موضوعين اثنين: الأول حالة الكراهية بين شمال اليمن وجنوبه، والصراع الدامي بين أبناء الوطن الواحد، أما الوضع الثاني فهو وضع المرأة اليمنية. وأسرَّتْ لي أنها تتمنى أن تتعمق في دراسة الحركات النسوية في اليمن. 

 

وعبّرت لي عن تعجّبها الشديد كيف تبلغ الكراهية بين أبناء الوطن الواحد درجة تجعلهم يتقاتلون ويتنهاهشون، ففريق يرعاه الفرس ويمولونه ويدعمونه وآخر يدعمه السعوديون. وأخبرتني أن جزءًا كبيرًا من المقاتلين يذهبون الى الجبهات بسبب إغراء الرواتب (زهاء ٤٠٠ دولارًا شهريا) في بلد يعاني من الفقر المدقع ومن أوبئة كالكوليرا. ولكنها قالت لي أنها متشائمة جدا، فهي لا تظن ان الصراع في اليمن وفي باقي البلدان العربية أنه سوف ينتهي قريبا وبسهولة. 

 

وعن وضع المرأة اليمنية، رَوَت لي واقعة تعجّبَتْ لها كل التعجّب. ففي المستشفى الميداني الذي كانت تقوم فيه بمهمتها الإنسانية، أكرمها أحد المساعدين اليمنيين بطعام أعدّته زوجته، فلما سألته عن اسم هذه الزوجة، ساد الصمت، فلما استفسرت عن هذا الأمر بعد ذلك، قيل لها أنه من المعيب أن يخبر رجل اسم زوجته لغير خاصته وذويه والمقربين منه. وقالت لي عن القيود المفروضة على حرية التجول لدى المرأة، التي لا يسمح لها الخروج إلا برفقة محرم. 

 

ثم عرّجنا في حديثنا على موضوع الاستبداد في البلدان العربية، فقالت إنها لا تفهم لماذا الاستبداد يحكم معظم الدول العربية. وسألتني إن كنتُ اظن أن للدين دورًا في هذا الأمر. أخبرتها أن مشكلة الاستبداد في البلدان العربية ليست في الاستبداد السياسي وحسب وإنما تتجاوزه إلى كافة الميادين: الاجتماعية والثقافية والعائلية والاقتصادية، وأن الشعب العربي يرضع الاستبداد مع حليب الأم. وقلتُ لها أن المشكلة ليست في الدين (الإسلام بشكل خاص، كونه دين غالبية العرب)، وإنما في المؤسسات الدينية التي تكرّس الاستبداد وتوالي المستبدين في كافة الميادين. وأن المشكلة الأخرى الكبرى لدينا كعرب هي في القَبَلية والعشائرية التي تعتبر بيئة خاصة لإيلاد الاستبداد ورعايته ونموه وانتشاره. 

 

بعد الغداء، ذهبنا إلى مقهى مجاور لاستكمال حديثنا، فطلبتُ فنجان قهوة إكسبرس، أما هي فطلبت بادئ الأمر كابوتشينو ثم غيّرت رأيها بعد أن رأت قهوة "مخّا" على لائحة الأشربة المتوفرة، وهذا تيمّنًا بمدينة "مخّا" اليمنية التي أتيح لها فيها أن تقوم بدورها الطبي الإنساني. وفي المقهى، اعترفت لي أن تجربتها في كل من قطاع غزة واليمن قد اعطتها المعنى الذي كانت تبحث عنه منذ التحاقها بكلية الطب. وأنها شعرت بشيء نبيل لا يمكن أن يقدمه لها سوق العمل الذي نحتاج إليه لمعاشنا، ولكنه لا يشعرنا بالنبل ولا بالعمق، لأننا فيه أصحاب مهنة كأي مهنة أخرى. 

 

انتهى لقائي بهذه الصديقة بعد ثلاث ساعات بين المطعم والمقهى في ساو باولو. وخرجتُ من هذا اللقاء بعدّة انطباعات تتّسم بالإعجاب وبالتعجّب في آن. وأغبطتُ هذه الصديقة الزميلة على قيامها بهذه المهامّ الإنسانية وعلى اهتمامها الصادق بالثقافة العربية والإسلامية، وعلى تعاطفها مع الإنسان العربي المقهور والمظلوم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة