د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
1.4 k

تصوير الأستاذ هيكل لمسؤولية الملك فيصل والمشير عن هزيمة 1967

3/7/2019

في هذه التدوينة نضئ جوهر توجهات الأستاذ هيكل "الممولة بالنصوص الأمريكية والفصوص الناصرية" في كتابه عن هزيمة 1967 أي كتاب "الانفجار" فيما يتعلق برؤيته لموقف كل من الملك فيصل والمشير عامر. نحن نعرف أن الأستاذ هيكل لم يدخر وسعها طيلة حياته في نسبة كثير من الشرور التي حاقت بالعالم كله إلى الملك فيصل، وفي التقليل من قدره، لكن هذا كله يهون، إذا ما قورن بإنكار الأستاذ هيكل التام لفضل الملك فيصل في مؤتمر الخرطوم 1967، وهو فضل لم يشأ الأستاذ هيكل أن يعبر إلى جواره بجملة واحدة ولا سطر واحد، بل إنه على العكس من ذلك بدأ سلسلة من الأكاذيب المستهدفة تقليل دور هذا الملك الكبير وقيمته في مؤتمر الخرطوم 1967.

 

على أن الحديث عن هذه الجزئية لا ينبغي أن ينسينا الحقيقة المهمة والناصعة وهي أن الأستاذ هيكل، بكل ما كان في يده من الخزانة الأمريكية التي فتحها له مَنْ وظفوه، لخدمة أهدافهم الخبيثة، قد عجز عن أن يأتي بورقة واحدة تتضمن أي شبهة تدين موقف الملك فيصل من مصر أو من زعامتها، أو تستعدي الأمريكيين على مصر، أو علي الرئيس عبد الناصر على نحو ما نشرته تلك الوثيقة المزورة المعروفة التي هلل لها نظاما الأسد وعلي عبد الله صالح والتي لا تزال تنشر من حين لآخر لابتزاز السعوديين.  

 

الرسالة الفكرية للأستاذ هيكل في نهاية حياته اختزلت نفسها في جملتين لحنيتين اثنتين تدوران حول أن ما حدث في 1967 لم يكن هزيمة لأن الإرادة لم تنكسر، وبقي عبد الناصر

لكن الأستاذ هيكل في هذا الكتاب كان حريصا على أن ينقض كل آرائه السابقة في الملك فيصل، وهي الآراء التي أخفاها بعد أن وقع عقد التفاهم الذي منح بمقتضاه كثيرا من الود السعودي حتى إنه تولى كتابة مقدمة كتاب التويجري التذكاري عن الملك عبد العزيز، فضلا عن الإمكانات الشاسعة التي مولت صدى لكتاباته الجديدة التي أصبحت تثمن (بطريقة غير مباشرة أو ملتوية) قيمة الإعلام السعودي والتوجهات السعودية وإلى حد أنه هو الذي أطلق مسميات من قبيل الحقبة السعودية وحقبة الثروة بدلا من الثورة مع كل ما في هذه التسميات من خيانة للكفاح التقدمي. وقد ناقض الأستاذ هيكل نفسه بسهولة من دون أن يعنى بالتوافق مع حجم أطروحاته السابقة التي قامت على اللف والدوران، والتلميح والتجريح، والتي ضمنها فقرات كثيرة في أكثر من كتاب تناول الملوك السعوديين بكل ما أمكنه من الموبقات.

 

أما صورة المشير عبد الحكيم عامر في كتاب "الانفجار فإنها لا تأتي إلا لتكون هدفا لمدفعية الأستاذ هيكل الثقيلة الموجهة، مع أن انشغال الأستاذ هيكل في المقام الأول بالهدف الكبير الذي تموّل كتبه من أجله، وهو تبرئة أمريكا من خيانة الأردن، جعله في زحمة النقل من الأوراق الأمريكية وغير الأمريكية ينسي أن بعض نصوصها يمجد عبد الحكيم عامر من حيث هو قائد عسكري، وأن بعضها الآخر يمجد عبد الحكيم عامر من حيث هو سياسي، وأن بعضها الثالث يمجد عبد الحكيم عامر من حيث هو إنسان.. وهكذا فإن صورة عبد الحكيم عامر في نصوص هذا الكتاب ترتفع على حساب صورة الرئيس عبد الناصر بأضعاف ما يتوقع أي قارئ، وأي دارس، وأي محلل.

 

بوسعنا أن نشير للقارئ إلى بعض مواضع هذه الرفعة فيما رواه الأستاذ هيكل دون أن يقصد به إنصاف عبد الحكيم، وإنما هو بحكم التأليف وجد حاجة إلى سد بعض الثغرات هنا وهناك، وشاء حظه أن تكون بعض الأحجار التي سد بها بعض الثغرات بمثابة شاهد لما لم يكن هو يحب أن يشهد به من مزايا عبد الحكيم عامر. ومن الطريف أن الأستاذ هيكل  لم ينتبه حتي وفاته، وبعد مرور ما يقرب من عشرين عاما على نشر كتابه، إلى مثل هذه الحقيقة، ذلك أن أحدا لا يعني بكل ما يورده الأستاذ هيكل، بل إن بطانته يعتبرون الصفحات الضخمة التي يؤلف فيها كتبه حشوا لابد منه لمقدماته، وينظرون إلى مضمون الكتب نظرتهم إلى موكب الرئيس الذي تعظم قيمته كلما ازداد طوله، أو إلى الفرقة الضخمة التي لابد منها لإثبات علو قيمة المطرب، وأغلب هؤلاء العازفين الذين يحبون الأستاذ هيكل ويتباهون بالنقل عنه، يكتفون بجملة لحنية واحدة من كل كتاب من كتبه، وليس في هذا الذي أقوله تجن عليه ولا عليهم، وبوسع القارئ أن يسأل أي واحد منهم عما يذكره من أي كتاب من هذه الكتب، أو عن فكرة الأستاذ هيكل  تجاه موضوع معين، وسيجدون الدليل بوضوح. 

 

بل إن الرسالة الفكرية للأستاذ هيكل في نهاية حياته اختزلت نفسها في جملتين لحنيتين اثنتين تدوران حول أن ما حدث في 1967 لم يكن هزيمة لأن الإرادة لم تنكسر، وبقي عبد الناصر، أما ما حدث في 1956 فقد كان نهاية إمبراطوريتين تجرأتا على مواصلة اللجوء إلى الأساليب الإمبراطورية التقليدية دون استئذان القوة الأعظم. وهكذا فإن انتصار 1956 أمريكي قبل أن يكون عربيا. أما أقوال الأستاذ هيكل عن 1973 و1977 وغيرها من أقواله عن حرب الخليج وأوهام القوة.. إلخ فإن محبي الأستاذ هيكل يرونها (فيما بينهم وبين أنفسهم) في نطاق أنها أقوال حكيم موتور، وأن له العذر في أن يكون موتورا، وربما أنهم من باب الإكرام له ولتاريخه يرونها في نطاق أنها أقوال موتور حكيم وليست أقوال حكيم موتور فحسب! وأما أقواله فيما يتعلق بنظام الحكم في وطنه ورئاسة مبارك فإن محبي الأستاذ هيكل لا يرونها (فيما بينهم وبين أنفسهم) إلا في إطار أنها أقوال مشتاق، وربما أنهم من باب الإكرام له ولتاريخه يرونها في نطاق أقوال مشتاق مستحق. وهكذا، للأسف الشديد، ينظر القارئ العربي إلى تراث هذا الرجل الذي كان صاحب موقع عظيم (!!)

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة