كيمياء القراءة

30/7/2019

لقد خلق الإنسان قارئا؛ فالقراءة تفاعل بين مقروء وقارئ، وهي سكون محرك يحرك كل أو اغلب مكونات القارئ ويجعلها تتفاعل مع الحروف والنصوص الساكنة، يمنحها القارئ شكل، ومعنى، وموقع، وقيمة. إنها ظاهرة معقدة وعجيبة ومهمة. هذا التعقيد والأهمية تعكسهما كلمة اقرأ والأمر بالقراءة، مكمن الإعجاز في علاقة القارئ بالكتاب في ذلك المزيج أو المركب العجيب الذي يتشكل بين القارئ والمقروء أثناء القراءة: إنه الخليط اللغز الذي يصعب فهم طبيعته، والمكان غير المألوف الذي تقف اللغة عاجز وقاصرة أمام قاموسه وقوانينه.

 

لقد كشفت دراسات قام بها باحثون أمريكيون تقول بأن القراءة يمكن أن تزيد من التواصل بين خلايا الدماغ، وربما تخفض خطر أمراض الأعصاب، وقد تقلل مستويات التوتر بنسبة تصل إلى 68 في المائة، وتتفوق على وسائل أخرى للقضاء على الإجهاد مثل الاستماع إلى الموسيقى أو الذهاب في نزهة سيرًا على الأقدام. فأثناء القراءة تتغير حالة الشخص المزاجية مما يزيد إحساسه بالراحة والهدوء؛ حيث يؤدي الكتاب إلى تخفيف الشعور بالألم.

 

هناك كتب لا تفعل أكثر من أن تسلي القارىء. أما الكتب الجيدة فهي الكتب التي تستطيع أن تساعد على التفكير بشكل أفضل لأنها كتبت من قبل رجال ونساء فكروا بشكل أفضل

تأثير القراءة يبدو أشبه بتأثير مادة الاندورفين الذي يفرز استجابة للجهد المعتدل الشدة، ويعتقد كثير من العلماء أن الاندورفين هو المسئول عن حالة الشعور بالسعادة التي يشعر بها العداءون المنتظمون على رياضة الجري، هناك ارتباط بين مضمون الكتاب وشعور القارئ؛ لأن هناك تبادل التأثير بين التفكير والعواطف. فالأفكار تولد المشاعر وتوجهها كما أنها تغيرها وتطفئها أيضا. وقد عبر عبد الكريم بكار عن الارتباط بين القراءة والتفكير بقوله: كلما كثرت قراءات القارئ كلما ازدادت حاجته إلى التفكير.

 

أثناء القراءة تزداد إمكانية الإنتقال من موقع المشاركة إلى موقع المشاهدة، مما يثري الفكر والوعي، خاصة إذا كان المضمون المقروء أقرب إلى واقع القارىء. فالتفكير كما يعرفه عبد الكريم بكار (في كتاب تكوين المفكر) هو بناء نماذج، والنموذج صورة عقلية نرى من خلالها الواقع أو شبه خريطة معرفية تحاكي الواقع أو ترشد إليه، ويتكون من عدد من العناصر بعضها يتم التقاطه من الواقع وبعضها يتم استخراجه من الخبرة الشخصية وبعضها يتم استحضاره عن طريق الخيال.

 

إن القراءة عبارة عن عملية تفكير أو عملية فكرية نشطة. لكن ليس كل الكتب تساعد على التفكير كما يقول مور بتمرادل في كتابه (كيف تقرأ كتاب)؛ فهناك كتب لا تفعل أكثر من أن تسلي القارىء. أما الكتب الجيدة فهي الكتب التي تستطيع أن تساعد على التفكير بشكل أفضل لأنها كتبت من قبل رجال ونساء فكروا بشكل أفضل من بقية الناس في هذه الموضوعات. إنها كتب تعلمنا كيف نقرأ وكيف نحيا، وهي جدية كتبت بتأن من قبل كتابها، إنها كتب توضح لقرائها رؤيا هامة عن الموضوعات ذات الأهمية الثابتة للكائنات البشرية. ويوجد من هذه الكتب على الغلب ليس أكثر من بضعة آلاف كتاب، وتتطلب جهدا صارما من قبل قرائها.

 

القراءة حركة؛ فهي عامل محفز للتفكير ومغذي للفكر، قادرة غلى كبح المشاعر السلبية وتقوية التماسك الداخلي. ولقد أثبت الابحاث الحديثة على الدماغ ونشاطه أن تشجيع الفكر من خلال الحوار والنقاش وتعزيزه يطلق مادتي الأندورفين والدوبامين في الدماغ. وهما تولدان حالة من النشوة والحيوية والاستمتاع والدينامية. كذلك فإن التحديات الفكرية وطرح المشكلات التي تحتاج إلى حل، وتنشيط التفكير التحليلي النقدي يساعد على زيادة تكوين الشبكات العصبية في الدماغ، من خلال نمو الشجيرات التي تربط بين الخلايا العصبية.

 

إن هذا التأثير الإيجابي والفعال للقراءة ضد المشاعر السلبية قد أوجد أساليب للعلاج بالقراءة الذي يقوم على تعديل الميول الخاطئة لدى الإنسان إلى ميول سليمة. وقد كانت ساد بديلاني أولى الأمريكيات اللممارسات للعلاج.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة