زعير نجود
زعير نجود
865

ماضي الزوجة بين خوف المصارحة وأمان الكتمان

31/7/2019

عثرت على بعض الصور والرسائل التي احتفظ بها زوجي بين وثائق عمله المهمة، قصد الذكرى لعلاقة عاطفية مضى عليها الزمن وطمس ما حَوَت أحداثها من مسرات وأحزان، فما كان مني سوى الحرص عليها كحرصه وأكثر، مكررة مقولتي المفضلة بالنسبة إليه: "أحب كل تجاربك العاطفية المظلمة التي مررت بها قبلي لتجعلك مع الشخص المناسب مضئ".

هذا التسامح الرائع مع ماضي زوجي، والذي تقبلته بصدر رحب وتفهم عميق، وقد تتقبله كل نساء المجتمع العربي، نجد الموقف المناقض له من الزوج إزاء ماضي الزوجة والتجارب التي عاشتها قبل الزواج، فالرجل بطبيعته وأنفته الذكورية لا يتقبل الحقيقة ومصارحة الزوجة لزوجها، مع أن الله ساوى بين الجنسين في التكاليف الشرعية والحساب على الأخطاء، فقال تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" آية 97 سورة النحل. من هذا المنطلق الذكوري بامتياز تروادنا أسئلة كثيرة أهمها تداولا: هل ماضي المرأة يؤثر فعلا على الحياة الزوجية؟ وإذا كانت هناك مصارحة للشريك بالعلاقات السابقة هل تجب قبل الزواج أم بعده؟

من الأفضل أن تتم المصارحة قبل الزواج، ولكن ليست تامة بل جزئية، وما نعنيه بالصراحة الجزئية هو عدم التعرض للتفاصيل حفاظا على كرامة الزوج، ومنعا لاستثارة غيرته، لأن الغوص في التفاصيل عن العلاقة السابقة سيولد لدى الرجل الشك

معظم الآراء في مجتمعنا القاسي ترى أن الماضي يقلب الحياة الزوجية رأسا على عقب، إما تدريجيا أو جملة وتفصيلا، ويضعها على نار هادئة من الشكوك والوساوس التي لن يجني منها أي من الزوجين إلا الألم والوهم والدمار والغيرة المفرطة، و"الحب الهش" الذي ينهار مع أول خلاف بسيط. ذلك لأن العادات والأعراف السائدة ترى الرذيلة في المرأة ولا تراها في الرجل، والملاحظ أن معظم الرجال يعتبرون كل ما يتعلق بماضيهم وحياتهم الشخصية هي ملك لهم فقط، وفي ذات الوقت يرون أن من حقهم التعرف على تفاصيل ماضي نسائهن، وكلما امتنع الزوج عن البوح بأسراره يشدد على التحقيق والتحري في ماضي زوجته أو خطيبته.

وليس من المبالغة في شيء أن الشك والوهم يظل لصيقا بالرجل، حتى ولو تزوج من امرأة بدون ماض، أو من مراهقة في الخامسة عشر من عمرها، أو حتى لو ارتبط بزوجته منذ الطفولة.. فالشك هنا لا يؤدي إلا إلى مزيد من الشك طالما أن مجتمعنا لايحاسب الرجل بقدر ما يحاسب المرأة التي غالبا ما يكون الرجل سببا في مغامراتها العاطفية. والمرأة التي غالبا ما لا تلوم الرجل على ماضيه هي عكس الرجل، الذي ما إن يختار شريكة حياته حتى يبدأ في البحث والتنقيب عن الصغيرة والكبيرة في تفاصيل ماضيها، وكم تتعرض الحياة الزوجية لهزات ارتدادية لمّا يعلم الزوج أن زوجته كانت على علاقة عاطفية مع شخص في الماضي، فهناك زوجات بمجرد ما يسردن لأزواجهن ماضيهن من باب تقديم البرهان على حبهن لهؤلاء الأزواج، ومصارحتهم بجميع التفاصيل والأسرار عن حياتهن، يتحول ذلك بمثابة رياح مطفئة لسراج الثقة والعقل، وكل حركة تقوم بها يعتبرها حنينا إلى هذا الماضي.. حيث يتفجر الشك والسؤال حول الماضي سيلا جارفا للحاضر.

وأحيانا يصبح ذلك الماضي تهمة ثابتة وذنبا لا يغتفر، ويصبح سرد هذه الذكريات وكشف بعض تفاصيلها لشريك الحياة الزوجية سببا في تحويل هذه الحياة إلى جحيم لا يطاق.. فكلما سكنا إلى بعضهما تحرك شريط الذكريات ليعكر صفو اللحظة، ويولد الشعور بالنفور حتى الغثيان.. وبدل أن يكون الزواج بداية جديدة متحررة من ضغط الماضي، يصبح الماضي شبحا مخيفا يسمم حياة الزوجين بالشك والريبة والوساوس.. وكلما كان الحب أقوى وكانت العلاقة مدتها أطول فهذا يؤدي إلى صدمة أكبر، قد تفوق خيبة الأمل لتصل عند بعض الأشخاص إلى الإحباط، ويمكن أن يلجأ بعضهم إلى محاولة الانتحار.

لدى ينصح في حالة اكتشاف الزوج عن طريق المصادفة لهذه العلاقات السابقة وجوب التحلي بالتسامح والتفهم، لأن ذلك من شأنه أن يعزّز القدرة على المغفرة والنسيان، فمن المفترض أن كلاً من الزوجين سأل عن الآخر وتعرف عليه خلال فترة الخطوبة، ولسنا جميعاً ملائكة، بل كلنا أخطاء، وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون". من هذا المنطلق عمل الإسلام على علاج هذه المشكلة بدعوة الرجل إلى اختيار صاحبة الدين والأخلاق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرأة لأربع، لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"، وعلى الجانب الآخر أمر المرأة وأهلها أن يكون اختيارهم للرجل شريك حياة المستقبل على أساس الدين والأخلاق أيضاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض".

غير أن هناك فئة أخرى من الأزواج يعتبرون الماضي (تاريخ ما دفنه التاريخ في مزبلته) ويكتفون بالعيش مع زوجاتهم تحت سقف واحد وبقلب واحد، ولا يهمهم ماضيهن انطلاقا من قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ"، ولنتصور رجلا ستر امرأة بإخراجها من دور البغاء وتزوج بها على سنة الله ورسوله، هل يقوم بالتحقيق في ماضيها؟ بالعكس، فالرجل عليه أن يفرق بين مشاعر الماضي ومشاعر الواقع الذي تجمعه بزوجته، ويكفيه وفاؤها له بعد الزواج، وإذا غفر لها ماضيها فمن حقه طبعا ألا يغفر مجرد نزوة صغيرة تصدر عنها في الحاضر والمستقبل،
فالحياة الزوجية تبتدئ بعقد القران، ولذلك فليس من حقهم محاسبة الزوجة على ماض مضى.



لقد أصبح من الطبيعي أن يرتبط الرجل بامرأة قد خطبت لآخر قبله أو تزوجته، خاصة في واقعنا الذي أصبح فيه سن الزواج متأخرا، وليس من حقه أن يحاسب زوجته قبل لقائه بها، ما يهمه هو بعد الزواج، فالعشرة تولّد المحبة، والمعاملة الطيبة بين الزوجين تجعل كل واحد منهما ينسى ماضيه. ثم إن الهفوات التي تكون في حياة الشخص من السهل ان يغفرها الطرف الآخر، طالما أن هناك حباً يجمع بين الطرفين، وإرادة مشتركة لعيش حياة قائمة على التوافق، كما أن الراحة النفسية في العلاقة تأتي من خلال الصراحة، لأن الصدق هو المبدأ الأساسي لتكوين أي علاقة ناجحة، ولأن الصراحة أحد طرق الاستدلال على الشعور بالأمان، والأمان أحد أهم ركائز الحب.

ومن الأفضل أن تتم المصارحة قبل الزواج، ولكن ليست تامة بل جزئية، وما نعنيه بالصراحة الجزئية هو عدم التعرض للتفاصيل حفاظا على كرامة الزوج، ومنعا لاستثارة غيرته، لأن الغوص في التفاصيل عن العلاقة السابقة سيولد لدى الرجل الشك، وسيجعله يتخيل أموراً كثيرة قد لا يكون لها أساس من الصحة، لذا يجب الاختصار في هذه المسألة، وهنا يتم سد باب الفتنة التي حذرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم والسعي إليها، فقال: "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها". وهذا ما يثبت أن الستر مبدأ إسلامي أصيل، لهذا قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إن الله حيي ستير، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر"، وقد عرف الفقهاء «الستير» الذي يستر على عباده كثيراً من القبائح والفضائح ولا يفضحهم في المشاهد، ويحب الستر من عباده على أنفسهم، ويكره المجاهرة بالمعصية والمفاخرة بالفاحشة، التي ستفتح أبواب فتنة وتهلكة، وقد نهانا الله عن ذلك بقوله: "وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" آية 195 سورة البقرة.

نحن نعلم أن كل زوج وزوجة أدرى بنفسية وشخصية شريك حياته، فرؤية الرجل لزوجتة تختلف من شخص لشخص حسب ظروف كثيرة جدا، بدء من بيئته وتربيته، ودينه، ومقدار تفهمه ومدى عقلانيته، وإمكانية توفر حوار صحي بينهما أم لا.. من هنا نؤكد أن الأمر يتوقف على مدى تقدير الموقف من طرفه. بالتالي بدل النبش في الماضي، لماذا لا يبحث الزوجان عن طريقة تجعل من الزواج علاقة أحسن من سابقاتها، تدفن الماضي وتنشغل بالحاضر والمستقبل، وتمحو أي أثر لمغامرات الماضي، وذكرياته وتدفع ببحر الشوق إلى مستقبل أبهى وأكثر إثارة، بدل أن تولد حنينا بائسا ويائسا إلى ما مضى وانقضى. انطلاقاً من القاعدة الفقهية: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح). عموما، البوح بماضي الزوجين لبعضهما البعض، وخصوصا للزوج، مغامرة جريئة، وللجرأة أحيانا ثمن باهظ! لذلك، فالحب مهما كان قويا والزواج مهما كان متينا، فهما في حاجة إلى فضيلة النسيان، وإلى حسن الظن بالآخر وإلى الاستفادة من التجارب التي احترق بنارها الزوجان بتحويلها إلى نور يضيء مستقبل حياتهما وعلاقاتهما.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة