كيف نجت تونس من المحاولة الانقلابية الأخيرة؟

5/7/2019

سيبقى يوم 27 يونيو 2019 محفورا في ذاكرة كلّ التّونسيين، هو خميسا أرادوه أسودا وأرادوا لشمس غده أن لا تبزغ فأبت إلاّ أن تشرق لتكشف بعض ما يحاك من مؤامرات في الغرف المظلمة، أرادوها فوضى خرابا ومحرقة، وضربة قاصمة قاضية تنهي التّجربة، تجربة تونسية واعدة متعثّرة رسمت في العتمة نقاط ضوء مشعّة مشرقة فكانت مرمى لسهام خفافيش الظّلام وأعداء الحياة والأنوار ليتهافت عليها الضّباع والذّئاب واللّئام ويمكرون لها مكرا تزول منه الجبال، تعاليم مستوحاة من أسفار التوحّش والفوضى الخلّاقة وبروتوكولات بني صهيون كانت كفيلة بان تحسم الأمر وتنهي المسالة لولا لطف الله لينقلب السّحر على السّاحر وتحصل المعجزة. هي محاولة انقلابيّة جديدة على مسار ديمقراطي تخشى من عدواه أنظمة بائسة مستبدّة متسلّطة فوظّفت أدواتها لتشغيل آلة الاستبداد القديمة الصّدئة، فكيف أمكن لتونس المستهدفة أن تمتصّ الصّدمة وتتجاوز الأزمة؟

  

إرهاب حسب الطّلب

صبيحة27 يونيو 2019 تحرّك الإرهاب مجدّدا ليستفيق من سباته وكأنّ أياد أيقظته، استدعي على عجل ليكون في الخدمة، تفجيرين في العاصمة تونس وآخر في مدينة قفصة والمطلوب هو أثر الصّدمة الّتي حتّى وإن لم تكن بالقدر المرغوب فستجد أذرع إعلامية وأبواق تضخّمها في الدّاخل والخارج ليحصل الإرباك والذّعر وتستفحل في الشّعب حالة الرّهاب فيخرج له المنقذ الملهم مخلّص البلاد والعباد من "الإخونج" والثّورة ومشتقّاتها من تسبّبوا فيما يحصل من مآسي وإرهاب. معلوم أنّ الإرهاب هو صنيعة الاستبداد والفساد وأنّ صنّاعه لا يجهدون أنفسهم كثيرا لتوفير أدوات تنفيذه، وتكفيهم بعض الفتاوي المضلّلة من لحيي الدّجل الّتي تجد صداها لدى كائنات هجينة مشوّهة لتتحوّل لريبوتات مفخّخة.

 

لا شكّ أنّ الإرهاب لم يجد له حاضنة شعبية في تونس فقد لفظ ورفض ودحر وملحمة مدينة بن قردان شاهدة على ذلك، غير أنّ ارث التصحّر الدّيني وواقع الجهل والتخلّف والتهميش الممنهج ونشر ثقافة الإحباط واليأس طوال سنوات الاستبداد وخلال فترة محاولة التخلّص منه من طرف من يحنّون إلى استعادته قد وفّر خزّانا معتبرا لمن يسهل شحنه وتفخيخه، ليست هذه المرّة الأولى الّتي يضغط فيها على زرّ الإرهاب، تكرّر ذلك سابقا في أغلب المحطّات المفصليّة الّتي مرّت بها البلاد، حين اتّخاذ قرار مهمّ كقانون تحصين الثّورة الّذي استمات البعض لكيلا يمرّ فكانت الاغتيالات والاعتصامات والإضرابات العشوائية، أو حينما يقترب موعد انتخابي لتغيير نوايا التّصويت أو لمحاولة إلغاء كلّ العمليّة الانتخابيّة لمن لا يؤمنون بالدّيمقراطية وللمصابين بالعمى الإيديولوجي اليائسين من نتائج الصّناديق.

 

كانت العمليّات الإرهابية الجبانة الأخيرة منتظرة ومتوقّعة مع قرب موعد الانتخابات البرلمانية والرّئاسية القادمة، فقد سبق لأحد أصحاب مؤسّسات سبر الآراء المؤثّرة أن أكّد على حتميّة حصول عمليّة إرهابية "كبيرة" لقلب الموازين الّتي هي في صالح حزب النّهضة، وقد تلا ذلك مؤخّرا تهديدات صريحة من قبل أطراف طالتها تنقيحات لقانون انتخابي كان القصد منها تحصين المسار الدّيمقراطي وتنقيته ممّ علق فيه من شوائب معرقلة وفيروسات وفطريا.

   

  

عمليّات وقعت سويعات بعد هزيمة مذلّة ومدويّة تلقّاها المجرم حفتر مع خسارته لمدينة غريان الإستراتيجية وما مثّله ذلك من ضربة موجعة لمحور الشرّ، والأخطر أنّ التفجيرات تزامنت مع خبر سرّب عن وعكة صحّية حادّة أصابت رئيس الدّولة ليسارع البعض بالإعلان عن وفاته قصد خلق حالة من الإرباك الشّديد لغاية في نفس يعقوب.

 

مات الرّئيس.. تعافى الرّئيس

بعد منتصف يوم27 يونيو كان الخبر الأكثر تداولا على صفحات التّواصل الاجتماعي وتناولا من قبل الصّحافة المحلّية والدّولية هو موت الرّئيس التونسي الباجي قايد السّبسي، ابتدأت القصّة من مستشاري الرّئاسة حيث سرّب أحدهم خبرا يتطلّب التريّث والتحفّظ في وضع حرج دقيق يتعرّض فيه الأمن القومي لتهديد جدّي، لتتناوله في البداية صفحات مشبوهة محسوبة على أعداء الثّورة ثمّ تتلقّفه القنوات الإعلامية المحلّية كقناة نسمة أو الدّولية كقنوات العربية وسكاي نيوز وفرنسا24و تتّخذه خبرا يقينا وتجعله على عناوين أخبارها متواترا مع خبر التّفجيرات.

 

ما أنقذ التّجربة التّونسية هذه المرّة هو نظام الحكم المتّبع الّذي وزّع السّلطات، جيشها الوطني وأمنها الّذي بدأ يتعافى ويتطبّع بقيم الجمهورية إلى جانب مستوى عال من الوعي المجتمعي

الرّئيس الّذي دعموه ذات مرّة وهلّلوا لوصوله قصر قرطاج أصبح غير مرغوب فيه بعد عدم استجابته الكاملة لمخطّطاتهم فصاروا يهلّلون لموته. موت الرّئيس التّونسي الّذي أثلج صدر البعض كان المقصود منه هو موت لكلّ التّجربة التونسية ولا يعلم ماذا كان يحضّر ويدبّر في الغرف المظلمة ومن تراه الفارس المنقذ الّذي سيظهرونه حينما تدخل البلاد في دوّامة الفوضى والمجهول؟ والعجيب أنّ من روّجوا لخبر موته ولم يخفوا شماتتهم في سقوط أخلاقي مدوّ هم في غالبيتهم من انتخبوه ذات يوم والأعجب أنّ من تريّثوا وتعاطفوا معه وطلبوا له الشّفاء وأكثروا له الدّعاء هم معارضوه ومنتقدوه من لم ينتخبوه.

 

ما أخاف الصّادقين ليس موت الرّئيس، فهو سيموت وكلّنا ميّتون، والشّعب الّذي انتخب ذاك الرّئيس سيبقى حيّا لينتخب أيّ رئيس وسيراقبه وينتقده ويعارضه ويحاسبه ويعاقبه ويتخلّص منه بالصّندوق ليختار من يراه الأجدر، سيفعل كلّ ذلك وأكثر دون خشية من أن يسجن أو يفرم، ما أخاف من همّهم أوطانهم ومستقبل أجيالهم هو ظّرف اللّحظة الدّقيق، وحجم المكائد والدّسائس الّتي تحاك من قبل أعداء الشّعوب والحياة.

 

ومن يفكّك ما وقع خلال تلك السّاعات العصيبة، من تزامن مريب لعمليّات إرهابية مع تسرّع عن قصد في إعلان وفاة الرّئيس وغياب مشبوه لرئيس مجلس النّواب وبثّ الإشاعات المغرضة والإيحاء بحصول فراغ وشغور إلى جانب طريقة تناول إعلام الثّورة المضادّة للأحداث، يتبيّن له دون شكّ أنّها محاولة انقلابيّة تضاف إلى أخرى استهدفت التّجربة التونسية ولعلّ نفيهم للتّهمة واستباقهم عند تأكّدهم من فشلهم في مخطّطاتهم بمحاولة إلصاقها بحزب النّهضة لأكبر دليل على ذلك، كاد المريب أن يقول خذوني، هكذا يدفعون بالتّهمة نحو طرف يدّعون أنّه حاول الانقلاب على نفسه.

 

ولعلّ ما أنقذ التّجربة التّونسية هذه المرّة هو نظام الحكم المتّبع الّذي وزّع السّلطات، جيشها الوطني وأمنها الّذي بدأ يتعافى ويتطبّع بقيم الجمهورية إلى جانب مستوى عال من الوعي المجتمعي دون نسيان دور الأطبّاء التّونسيين الأكفّاء الّذين عالجوا رئيس بلدهم في بلدهم دون الحاجة لنقله إلى الخارج. قد تكون رقصة الدّيك المذبوح وقد يكون الخميس الّذي أرادوه اسودا فاسودّت وجوههم وليكون لحظة فاصلة تؤرّخ لانتصار جديد لإرادة الشّعوب. ومازالت المسيرة مستمرّة مادام في الجسد قلب ينبض ولا عاش في تونس من خانها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة