أحمد زيدان
أحمد زيدان
2.5 k

كيف وصلت المسلاّت المصرية إلى ساحات لندن وباريس؟!

5/7/2019

الزمان الثالث والعشرون من شهر كانون أول/ديسمبر من عام 1833، والمكان ساحة الكونكورد بفرنسا، تنتصب مسلّة شومبوليون، والتي تعرضت لرحلة مضنية متعبة بدأت في الخامس عشر من شهر نيسان من عام 1831 تحت قيادة فيريناك دن سان، ويمكن تخيل النزهة التي كان يلزمها صعود النيل حتى الأقصر، ورفع المائتين والثلاثين طناً من الغرانيت على متن البواخر، ومعاودة النزول عبر النهر والالتفاف حول شبه الجزيرة الإيبيرية، واجتياز خليج غاسكون للوصول إلى لوهافر، ثم صعود السين حتى باريس، لتنتصب في ساحة الكونكورد، كانت تلك المسلّة الثالثة التي يقدمها محمد علي باشا لفرنسا وفاءاً لها على علاقاتها المميزة معه في مواجهة السلطان العثماني، وتثبيته في سلطة مصر، فكان ردّ لويس فيليب ملك فرنسا بعد ثلاث عشرة سنة من ذلك فأرسل في الثامن عشر من أيلول لسنة 1846 الساعة الحائطية المخصصة للمسجد الذي يرقد فيه اليوم جثمان محمد علي باشا..

 

أما الإنجليز فسيعاودون المحاولة بعد أكثر من أربعين عاماً من ذلك وفي سنة 1878 حيث تصل مسلّة كليوباترا إلى لندن وتقوم الآن بجوار واتلرو بريدج.. لقد كان التنافس الغربي في مصر يدور في ساحة المسلّات المصرية، تحت شعار استعادة مسلاّت تعود لشخصيات وزمن روماني، وكان محمد علي باشا بذلك يتخلى عن تاريخ مصر كما تخلى عن حاضرها في ساحة التنافس الغربي مع العثماني يومها، فتعرض يومها لمواقف شديدة، الحرج حين طلبت منه بريطانيا مسلّتي الأقصر التي لا يمكن تجزئتهما، فعرض عليها اقتسامها مع فرنسا، فكان الرد هذه مسلّة توأمة ولا يمكن فصلهما.

لم يكن هناك ما يوازي الشره والجشع الغربي لنهب وتدمير كل الأثار المصرية لنقلها إلى بلادهم، إلا اللامبالاة المصرية والتركية في الحفاظ على التاريخ والآثار

فقال محمد علي باشا يومها إنكم تضعونني في موقف شديد الحرج، فعرض الإنجليز يومها للخروج من هذا المأزق منحهم إحدى مسلاّت طيبة، وهي مسلّة الكرنك، فهي أكبر وأجمل المسلاّت، ولفرنسا يتم عرض مسلتي الأقصر، فكانت ترضية لهما ولكن على حساب مصر وتاريخها، وواصل الأولاد والأحفاد نفس السياسة في كسب الدول الغربية فكان أن أهدى الخديوي اسماعيل مسلة "حتشبست في معبد آمون" والتي يصل ارتفاعها إلى ثلاثين متراً وبزنة تتعدى الثلاثمائة وعشرين طناً، ولفهم وإدراك أن المسلاّت المصرية ورموزها التاريخية لم تكن تعني شيئاً لتاجر التبغ محمد علي باشا الذي حكم مصر لاحقاً هو عرضه على مهندسيه يوم طلبوا أحجاراً لبناء ما طلبه منهم من سدود بأن يهدموا أهرامات الجيزة ليستعملوها في بناء السدود، وبالطبع لم يحصل ذلك لرفض المهندسين بطريقتهم الخاصة التي بالتأكيد سخروا من هذا الحل الباشوي؟!..

 

لم يقتصر التنافس الغربي على المسلاّت المصرية فقد كانت ساحة حرب أخرى فرنسية ـ بريطانية تدور وهي ساحة حيوان الزرافة، فحين وصلت زرافتان نادرتان من السودان إلى مصر فطلبهما الفرنسيون والبريطانيون وتقاسموهما، ومع هذا لم ينفع التقاسم، لكون الزرافة الفرنسية أشد صلابة وصرامة من الانجليزية، التي كانت دائمة المرض، فتعرضت للموت السريع.. لم يكن هناك ما يوازي الشره والجشع الغربي لنهب وتدمير كل الأثار المصرية لنقلها إلى بلادهم، إلا اللامبالاة المصرية والتركية في الحفاظ على التاريخ والآثار، فليس الحاضر هو المسروق وإنما الماضي أيضاً، وما لم يكن له ماض ولا حاضر فلا تنتظر له مستقبلاً..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة