د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
2 k

الأحزاب ما بين القرآن الكريم والسياسة والتاريخ

8/7/2019

كثيراً ما ردّدتُ قولي القائل بأنّ جزءاً  كبيراً من المواقف السياسية للجماهير يرتبط بظلال المعاني المرتبطة بالمصطلح، ولهذا السبب فإنني عادة ما أُثني على الشيوعيين العرب الأوائل الذين توصّلوا إلى استخدام كلمة الشيوعية للدلالة على مفهوم اقتصادي واجتماعي وسياسي كان العرب قد عرفوه طيلة سنوات قبلها بمُصطلحيْن مثيرين للكراهية والاشمئزاز وهما: الفوضوية والبلشفية، هكذا كانت تسمى الشيوعية قبل صك المصطلح العربي المستساغ وهو الشيوعية فلمّا جاء هذا المُصطلح العربي الجديد ونجح الشوام في فرضه على صحافة القاهرة وثقافة القاهرة أصبحت الشيوعية "قابلة للبلع" حتى لو لم يقبل بها كثيرون.

 

قل مثل هذا في مصطلح الاشتراكية الذي وضعوه لمصطلح أجنبي لم يكن لفظه يوحي بهذا المعنى العربي لكن جوهر مذهبه كان يتوافق مع هذا اللفظ ذي الإيقاع الجميل. أقفز مباشرة إلى مصطلح "الأحزاب" الذي استمد واضعوه اسمه من التحزّب الذي يعني المفهوم السياسي تماماً، لكنه تعرض على يد كثير من السلفيين لبعض الغمز في بعض الحالات اعتماداً على اللجوء إلى استعارة المعنى التاريخي الذي فرضته غزوة الأحزاب التي اجتمعت فيها مجموعة من الأحزاب المختلفة على عداء النبي صلى الله عليه وسلم ومحاولة القضاء على دعوة الإسلام، لكنني في المواقف التي يعزف السلفيون فيها هذه النغمة كُنتُ ولا أزال أُذكرُهم بأحزاب القرآن التي يبلُغُ عددها ستين حزباً، والتي من خلالها تنتظم علاقتنا بحفظ القرآن وتلاوته وتلاوة أورادنا منه، وبالإشارة إلى مواضع آياته، وإلى مقدار ما نعرضه على تلامذتنا في معاهد التحفيظ منه.

 

في هذا المقال سأُقدّمُ للقارئ مجموعة من المعلومات المهمة التي ترتبط بأحزاب القرآن الكريم وسوره المُختلفة، وهي معلومات يُمكن وصفُها بأنها معلومات عامة أو بركات قرآنية

من الجدير بالذكر في هذا المقام أن تقسيم القرآن على هذا النحو تمّ في عصر العدّ اليدوي قبل الكمبيوتر والآلات الحاسبة بمئات السنين، وتمّ بناء على عدِّ الحروف وهو أدقُّ مقياس يُمكن تصوُّرُه في إتمام مثل هذه المهمة، قام بهذه المهمة علماء كثيرون بطريقة التوازي أي أن مراكز علمية مُختلفة أنجزت المهمة في أوقات ومواضع مُختلفة ودون اتفاق، لكن أشهر هذه المراكز هو ما تبلور فيما نأخذ به في المصاحف المصرية عن كتاب "غيث النفع" للعلامة الصفاقسي وهو تونسي الأصل كما يظهر من نسبته، وكتاب "ناظمة الزهر": "تحقيق البيان وارشاد القراء والكاتبين، وقد تكفّل بهذا كله ثلاثة من علمائنا الأعلام في مطلع نهضتنا الحديثة هم الأساتذة  الكبار حفني ناصف وأحمد الإسكندري ومصطفى عناني".

 

وما دمنا قد تعرضنا للتاريخ فمن الطريف أن أوّل من استخدم مصطلح "حزب الله" للدلالة على حزب سياسي مُعين لم يكن أهل لبنان والسيد حسن نصرالله وإنّما كان الزعيم اليمني القاضي الشاعر محمد محمود الزبيري الذي قُتل غدراً في أثناء الثورة اليمنية، لكن مكانه في قلوب اليمنيين الأحرار لا يزال محفوظاً. وحتى الآن فإن اسم "حزب القرآن" اقتداء بحزب الله لا يزال مُتاحاً لمن يُريد أن يلجأ إلى رؤية ذات معنى جليل على نحو ما يوحي به هذا الاسم الكبير. لكنني في هذا المقال سأُقدّمُ للقارئ مجموعة من المعلومات المهمة التي ترتبط بأحزاب القرآن الكريم وسوره المُختلفة، وهي معلومات يُمكن وصفُها بأنها معلومات عامة أو بركات قرآنية، كثيراً ما يُفكر فيها من يتعاملون مع القرآن الكريم أو يتردّدون على صفحاته بالقراءة أو الاطلاع أو الحفظ أو النقل أو الاستشهاد. وسأُقدّمُ هذه المعلومات على هيئة نقاط متتالية حتى يسهُلَ الرجوع إليها عند المناقشة.

 

  1. نصف سور القرآن الكريم أي 57 سورة من 114 سورة تُمثل الأجزاء الثلاثة الأخيرة منه [10%] بينما تمثل 57 سورة الأجزاء السبعة والعشرين الأولى [90%]، ومن هذه السور السبع والخمسين أولى السور وهي سورة الفاتحة.
  2. سورة واحدة فقط هي التي يتعدّى طولها أربعة أحزاب وهي سورة البقرة التي يبلُغُ طولها 19 ربعاً ونصف أي أنه ينقُصُها نصف ربع لتكون خمسة أحزاب.
  3. سبع سور فقط هي التي يتعدى طولها طول جزء واحد من القرآن الكريم، ومن هذه السور كبرى السور التي هي البقرة ويليها حسب الحجم ستة سور يأتي ترتيبها من حيث الطول على النحو التالي:

النساء اثنا عشر ربعاً (أي ثلاثة أحزاب)

آل عمران عشرة أرباع ونصف

الأعراف عشرة أرباع (أي حزبان ونصف)

الأنعام تسعة أرباع ونصف

المائدة ثمانية أرباع ونصف

التوبة ثمانية ارباع ونصف       

أُبَسط هذا الشرح بطريقة أخرى، وهي أننا إذا أردنا مكافئة أبنائنا على حفظ القرآن الكريم بطريقة المكافأة على الجزء الواحد فإن سورة المائدة وسورة التوبة تُمثلان جزءاً كاملاً ونصف الربع وهو ما يوازي 107% من الجزء على سبيل التقريب.

4. ما هي أطول سورة في القرآن الكريم بعد السور السبع الكبيرة؟ الإجابة: هي سورة النحل التي يبلُغُ طولها حزب ونصف بالضبط (أي ستة أرباع الحزب أو ثلاثة أرباع الجزء) وهي ثامنة سور القرآن من حيث الطول، وكأن للنحل مكانة السبق بين الكائنات الحية التي سُميت بعض سورة القرآن الكريم بأسمائها.
5. أربع سور تتفق في كونها تتكوّن من خمسة أرباع أي حزب وربع، وهذه السور ثلاث متتاليات تأتي بعد السور الكبرى مباشرة، وسورة تتوسط القرآن الكريم، وهكذا فقد عرف القارئ هذه السور وهي يونس وهود ويوسف والكهف.
6. ثلاث سور متفرقة يبلُغ طول كلٍ منها أربعة أرباع ونصف، أي حزب ونصف ربع وهي سور الإسراء والقصص والأحزاب.

7. ونصل إلى موضع التوسط في القياس أي إلى السور التي يصل طول كلٍ منها حزباً كاملاً فقط، فنجد ستة سو، ثلاث منها متتاليات، وهذه السور هي الأنفال التي جاءت قبل التوبة لتقطع تواصل السور الكبرى، والسور الثلاث المتتالية هي طه والأنبياء والحج ثم السورة الخامسة وهي النور والسادسة وهي الشعراء. ومن الطريف أن سورة النور تقع بين سورتين يبلُغ طول كلٍ منها ثلاثة أرباع فقط. نتوقف هنا لنذكر أن بعض الحُفاظ كانوا يعتبرون السبع المثاني هي السور الأولى من القرآن مع حسبان الأنفال والتوبة معا على أنهما سورة واحدة نظراً لأنّ سورة التوبة لا تبدأُ باسم الله الرحمن الرحيم.. وهو ما يبدو في لغة العلم وكأنّه نوع من التكلُّف أو لزوم ما لا يلزم، وفي لغة القانون هو نوع من التعسُّف.. لكننا في مقام أساتذتنا العلماء لا نستطيع أن نقول إلا غفر الله لنا ولهم.

8. بهذا فإننا نستطيع القول بأن واحداً وعشرين سورة من سور القرآن الكريم يبلغ طولها حزبا أو ما  يزيد عن الحزب:
- السور السبع الكبار التي تزيد عن الجزء
- سورة النحل: 6 أرباع
- 4 سورة: خمسة أرباع
- 3 سور: أربعة أرباع ونصف
- 6 سور: أربعة أرباع

9. وعلى هذا النحو يُمكن لنا أن نُرتّب بقية سور القرآن الكريم حسب حجمها، وهو ما نُقدم نموذجا له على نحو سريع:
- سورة لا يصل طولها إلى حزب لكنه يتعدّى الثلاثة أرباع ونصف وهي سورة غافر
- ثلاث سور يبلُغُ طولها ثلاثة أرباع ونصف، وهي سور مريم والنمل والزمر
- سبعة سور يبلُغُ طولها ثلاثة أرباع، وهي سور الرعد والمؤمنون والفرقان والعنكبوت وسبأ والصافات وفصلت ومن الطريف أن سورة المؤمنون تقعُ بين سورتين يبلُغُ طول كلٍ منها حزباً كاملاً (بين الحج والنور)، وكذلك سورة الفرقان (بين النور والشعراء).

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة