نظريات ونماذج بيت المقدس.. مراجعة كتاب البروفيسور عبدالفتاح العويسي

12/8/2019

شهد الوطن العربي منذ مطلع القرن العشرين أحداثاً جساماً متلاحقة، وظل بيت المقدس وفلسطين القضية المركزية للأمّة، وركن محوري في العلاقات الدولية مع القوى الغربية. ونالت القضية الفلسطينية النصيب الأوفر من الاهتمام الأكاديمي تماماً كالاهتمام السياسي والشعبي. وكما كانت الغلبة العسكرية لأعداء الأمة كانت أيضاً الغلبة الفكرية والمعرفية.

 

وغدت القضية الفلسطينية حقلاً خصباً للدراسة والمتابعة وما زالت قاصرة عن بناء منظومة معرفية تعالج الواقع وتستشرف المستقبل، وبقيت المواد المعرفية والفكرية تتضارب في الاتجاهات والمشارب بحيث تفشل في إحداث أي أثر حقيقي. وفي ظل الأحداث الشديدة التي تخوضها الأمة وتشابك واضطراب العلاقات الدولية مع الغرب خاصة، تبقى المعركة المعرفية أساساً لأي معركة تماماً كما هي أساس لأي حضارة.

 

وفي خضم هذه التحديات أصدر البروفيسور عبد الفتاح العويسي كتابه الأخير بعنوان "نظريات ونماذج بيت المقدس لتفسير الأحداث المعاصرة وتوجيهها وصناعة التاريخ المستقبلي" لعدد صفحات بلغت (464) صفحة، ومن طباعة دار الأصول العلمية (اسطنبول). ويأتي هذا الكتاب ضمن باكورة سلسة أطلقها العويسي تحت شعار نحو بناء جديد للعلاقات الدولية، ويعدّ هذا الإصدار بحق درّة إصدارات العويسي، ومنارة عالية تطلّ على علم العلاقات الدولية باقتدار، وذات ضوء ثاقب يخترق فضاءات عوالمنا المعرفية والأكاديمية المتهالكة، ورأس حربة معرفية في معركة تحرير بيت المقدس بل الأمة أجمع.

 

جاء الكتاب في ستة أجزاء وخمسة عشر فصلاً تعتبر خلاصة خبرة أكاديمية ومعرفية لأكثر من ثلاثة وثلاثين عاماً، قضاها البروفيسور في أعرق الجامعات الفلسطينية والغربية والإسلامية. بل إنّ ما احتواه هذا الكتاب بين دفتيه يعتبر زبدة الزبدة، كما عرّفها المؤلف في معالجة القضية الفلسطينية ومشكلات عالمنا العربي والإسلامي من خلال نظرياته المبتكرة وذات الأصالة في مجال العلاقات الدولية ودراسات بيت المقدس. 

 

 

 

وتعد دراسات بيت المقدس ذات الحقول المتداخلة في العلوم الاجتماعية مشروعاً معرفياً ضخماً قاده العويسي من نجاح لآخر منذ العام 1994 وإلى يومنا هذا. ولعل خبرة الدكتور العويسي الأكاديمية، ورسالته المعرفية من خلال مجمع دراسات بيت المقدس طوال عقود عدة، يعطي لهذا الكتاب أهمية خاصة. فالمشروع المعرفي لبيت المقدس الذي يقوده الدكتور تحت عنوان المعرفة تقود التغيير والتحرير، يتصدّر المواجهة المعرفية بشكل مؤسسي واستراتيجي ضد المؤسسات والحملات الإسرائيلية والغربية في الترويج للمزاعم التوراتية وتشويه التاريخ.

 

ويتناول الكتاب في الجزء الأول تعريف بالمشروع المعرفي لبيت المقدس، متضمناً أحدث البحوث والمفاهيم في هذا المجال. وكذلك يحدد فيه المصطلحات والتعريفات، ويصر العويسي على مصطلح بيت المقدس معتبراً أن معركة المصطلحات من الأهمية والأولوية للأمة. واعتبر العويسي أن مصطلح بيت المقدس هو تحرير للتسمية وعودة الهوية الإسلامية والتاريخية والجغرافية لفلسطين، ويخوض العويسي باقتدار معركة معرفية ضد مصطلحات طاغية ويفنّد فيها الكثير من الثوابت الوطنية المزعومة. أما الجزء الثاني فتضمن النماذج الإستراتيجية والجيوبوليتيكية لبيت المقدس مثل نظرية دوائر البركة والعهدة العمرية ونظرياتها ونماذجها، وهي نظريات ونماذج معرفية حديثة في مجال العلاقات الدولية ابتكرها العويسي بزّت النظريات الغربية.

 

ويمكن القول أنّ هذه النظريات والنّماذج في العلاقات الدولية فتحاً معرفياً في مواجهة نكبتنا المعرفية، وخاصة أنها منبثقة من حضارتنا الإسلامية وتراثها وبديلاً عن النظريات الغربية المشبعة بفكرهم وإرثهم، مؤكداً أنّ التغيير هو الشكل العملي للأمل، وأنّ الأمل يحتاج جهود حثيثة ومنهجية لتحقيق التغيير المنتظر، بينما جاء الجزء الثالث حول العهدة العمرية ونموذج بيت المقدس لآثار انتهاء الحرب وتنظيم العلاقات الدولية في حال السلم. والرابع متناولاً نماذج استراتيجية في التعدّدية والتواصل الحضاري شهدتها أرض بيت المقدس من خلال تحليل العهدة العمرية. وانتهج المؤلف منهجياً علمياً فريداً ورصيناً يعتبر نموذج لأهل فنّ التاريخ، كما أنّه منهجاً متعدد المعارف يدرس الواقعة ويبثّ ظلالها على الحاضر والمستقبل، مثبتاً أن العهدة العمرية كانت مبادرة عملية لإعادة تشكيل العلاقات الدولية وتنظيمها وإدارتها بين سكان إقليم بيت المقدس. وأنّ العهدة العمرية قدّمت عدة مبادئ مهمة أهمها إعلاء قيم الحوار وعدم الإقصاء ومفهوم العدل والاعتراف بالآخرين وحقوقهم وواجباتهم، مما يعطي نموذج في إدارة الدولة لمجتمع متعدد.

 

وتناول الجزء الخامس مواضيع جدّ هامة وتلامس الواقع، في نظرة علمية جديدة في دراسة القضية الفلسطينية في مجال العلاقات الدولية. هذه النظرة لا تدرس التاريخ وتعالج الحاضر فحسب بل تسعى نحو فهم أفضل للنموذج التاريخي في صناعة التاريخ المستقبلي، ويناقش الدكتور الحاجة الماسّة إلى متخصصين في العلاقات الدولية. فهذا المجال ما زال الأكاديميين العرب عالة عليه، ونفتقد إلى نماذج ونظريات تنبثق من حضارتنا وتعالج مشكلاتنا، ويؤكد الدكتور على ضرورة قيام ثلة متميزة وذات همة عالية لاختراق مجال العلاقات الدولية، والعمل على توسيع دراسة حال الأمة من أكثر من منظور وتشخيص المشكلة ووضع الحلول لها، ويشخّص البروفيسور العويسي الداء والدواء لهذه الأمة، ويغرف من مخزونه المعرفي وتجاربه العالمية، مؤكداً أنّ التعليم العالي في بلادنا العربية هو أحد أهم المشكلات الجذرية في تخلف الأمة واستمرار تراجعها. وأنّ جامعاتنا وتعليمها فاشل بامتياز.

 

ما احتواه هذا الكتاب بين دفتيه يعتبر فتحاً معرفياً ليس بخصوص فلسطين وبيت المقدس فحسب، بل للوطن العربي والأمة أجمع

ويرى العويسي أننا بحاجة إلى ثورة علمية ومعرفية تنفض الغبار عن مؤسسات التعليم العالي ومخرجاته في الوطن العربي عامة. وللكاتب نظرة ومنهج خاص، حيث يرى أن التعامل مع علوم التاريخ والعلاقات الدولية باعتبار علاقتهما عضوية. ويدعم أفكاره من خلال آخر ابداعاته وهو النموذج التاريخي لدراسة العلاقات الدولية. ويختتم الكاتب كتابه القيّم في الجزء السادس وهي خاتمة الكتاب، وقد وصفها المؤلف بأنها زبدة الزبدة فهي خلاصة تجاربه المعرفية والأكاديمية العالمية. ويضع لنا الكاتب خارطة الطريق المعرفية للتحرير القادم للأرض المقدسة (بيت المقدس) ومسجدها. مؤكداً أنّ الفتح المعرفي يسبق الفتح السياسي والعسكري، ويسهب الكاتب في تشخيص مشكلاتنا والوصف الدقيق للعلة. مستبشراً بثورات الربيع العربي وما سيتلوها وإن لم يخفي خيبة أمله في تعامل الحركات والأحزاب السياسية وخاصة الإسلامية منها مع ثورات الشعوب وتطلعاتها نحو التغيير.

 

ومن الجدير ذكره والإهتمام به جرأة الكاتب في طروحاته ونقده الواضح المباشر دون مواربة أو مجاملة. والعويسي إذ يرفع لواء المعرفة ويصدح بها كأولوية استراتيجية عاتباً على الحركات والأحزاب الإسلامية تغافلها وحتى تقاعسها في هذا الميدان. فإنه يرى نفسه متحرراً من أية صفة تنظيمية قد تحجر على أفكاره وبالتالي ما يطرحه يمثل قناعاته وخلاصة تجاربه العميقة والمبنية على أسس مهنية ومنهجية علمية. ولا يرى العويسي حرجاً في إغضاب بعض الحركات ومفكريها أو بعض الجماهير بأن يصدمهم بالعديد من الآراء التي أصبحت للبعض تتصف بالقداسة وما هي إلا أماني خدّاعة. فليس مهمته – والكلام للمؤلف - كتابة ما يطلبه الجمهور أو دغدغة عواطف الأمة، فالتشخيص الدقيق أهم مراحل العلاج.

 

وبهذا ينحى العويسي نهجه بجرأة نافذة وعدم اتخاذ مواقف رمادية، بل يرى أنّ على المفكرين وقادة الرأي أن يكون موقفهم كالشمس في رابعة النهار. فهذا زمن التغيير الجذري لا زمن الإصلاح في البلاد العربية، ومنطق العويسي لا يرتكز للعاطفة والركون للآمال. بل يرى أن بداية التغيير وقيادة التحرير تكون من خلال المعرفة. مؤكداً أن لا شيء مستحيل وأن أحلام اليوم هي حقائق الغد. وبالتالي ركز الكاتب في كل نظرياته ونماذجه في التاريخ والعلاقات الدولية على توجيه الأحداث وصناعة التاريخ المستقبلي، بحيث يكون تاريخنا الوقود الذي يحرك هذه الشعوب نحو مستقبلها.

 

وفي العموم ما احتواه هذا الكتاب بين دفتيه يعتبر فتحاً معرفياً ليس بخصوص فلسطين وبيت المقدس فحسب، بل للوطن العربي والأمة أجمع. فبيت المقدس كان على مدار التاريخ ميزان للأمة ومرآة لأحوالها، ويحثّ الكاتب الأمة الإسراع في حلّ مشكلة بيت المقدس لأنها ستكون حلاً لمشكلات الأمّة بل هي مقدمة للأستاذية العالمية للأمة الإسلامية وبداية الفتح العالمي الثاني للحضارة الإسلامية.

 

وتبقى مهمة العويسي وتلامذته والمفكرين أمثاله قائمة وجدّ صعبة، وسواء اتفقنا مع العويسي أو اختلفنا في تقديرات وتفاعلات الربيع العربي، إلا أننا لا نختلف على ضرورة الانبعاث المعرفي ومعالجة آثار النكبة المعرفية. وربما يتطلب الأمر كذلك من العويسي بما يمتلك من خبرات ومعارف في العلاقات الدولية والتاريخ أن يولي ثورات وحراكات وقومات الشعوب العربية مزيداً من الدراسات والتوجيه، وخاصة في مجال التحرك في المجال الدولي والاستفادة من التغييرات والتشكلات في موازين القوى العالمية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة