د. حسين دقيل
د. حسين دقيل
627

بيتري الذي عشق الهرم فسكن المقبرة!

13/8/2019

مع بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولد فلندرز بيتري، وبالتحديد في الثالث من يونيو لعام 1853، لأسرة إنجليزية تهوى الرحلات والتجوال، وتهتم بالبحث العلمي، وبالرغم من أن بيتري لم يتلق تعليما تنظيميا إلا أنه ورث عن والده دراسة الهندسة والمساحة، لذلك كان من عادته أن يتجول في الأرياف ومعه بعض أدوات القياس المختلفة والتلسكوب للبحث عن مواقع أثرية، وقد أنفق جل ما كان يملك من مال من أجل ذلك، ولم يكن منشغلا بطعامه وشرابه أو مكان إقامته بقدر ما كان مشغولا بتلك الهواية.

  

وقد قرأ بيتري عن مصر؛ فأعجب بها وكان أكثر مما أثاره أهرامات الجيزة، التي قرأ عنها ووالده من خلال ما كتبه الغربيون؛ فرغب في القدوم إلى مصر ورؤيتها عن قرب؛ بل ورغب في القيام بعمل قياسات جديدة لها، فقد كان يشك في المقاييس المنشورة عنها من قبل. فعزم ووالده في التوجه نحو مصر، وقبل الرحيل فوجئ بأن والده صرف نظره عن الرحلة وآثر البقاء في وطنه فتأثر بيتري بذلك، ولكنه مع ذلك أصر على الرحيل نحو مصر. وفي عام 1880، وكان عمره حينئذ سبعة وعشرين عاما وصل مصر بعد رحلة بحرية عاصفة استغرقت شهرا كاملا، وهناك حرص على الإقامة بجوار الأهرامات، وبالفعل استطاع النزول بمقبرة أثرية بجوار الهرم الأكبر بعد أن أخذ تصريحا بذلك من مصلحة الآثار التي كان يرأسها حينذاك "مرييت"!    

 

كان بيتري يستأجر العمال بنفسه ويؤويهم بعيدا عن تدخل الشيوخ الذين كانوا يستغلونهم ويقومون بطرد من لا يدفع العمولة التي يطلبونها منهم

بعدها بدأ بيتري في تحقيق هدفه الذي جاء من أجله، فابتكر طريقة جديدة لمسح وقياس الهرم الأكبر، وخاصة أنه كان غير راض عن طريقة مرييت واعتبرها طريقة منفرة ومتخلفة. وقد أثارت طريقة بيتري المتحضرة في المسح والقياس العديد من العلماء والأثريين فتوافدوا على زيارته بمنزله المقبري!

  

وبعد أن انتهى بيتري من عمل المقاييس الكاملة للأهرامات بدأ في الحفر والتنقيب عن الآثار المصرية بشكل مكثف، وحاول أن يستخدم طرقا جديدة، وخاصة أنه رأى مرييت وماسبيرو وغيرهما ممن سبقوه إلى مصر قد أساءوا عمليات الحفر والتنقيب، ورأى أن الاستكشافات الأثرية المصرية في وضع خطير، وكان مستغربا لهذا القصور وخاصة أنه كان بإشراف المسؤولين عن حماية الآثار أنفسهم، فمرييت كان لا يبالي بنسف كل ما يجده أمامه من أجل الوصول إلى ما يريد وكان يرافقه في مهمته الإجرامية تلك فريق من العسكر، وكان يتجاهل الشواهد الأثرية كالأواني الخزفية المزججة على عكس بيتري الذي اهتم بكل صغيرة وكبيرة أثناء حفرياته، وكان بيتري يتحسر على ذلك وله في ذلك كتابات عديدة، منها قوله: "بعد سنة من وجودي في مصر أحسست أنها مثل البيت المشتعل بالنار... فقد كان التخريب يجري بسرعة مذهلة، وكان يتعين عليّ جمع ما أستطيع جمعه بسرعة؛ كي أحفظه حتى أبلغ الستين من عمري فأتفرغ له ولم يكن هناك أي اهتمام بالدقة والاتقان... أما النهب والسلب فكانا على أشدهما"!

 

ولم تتوقف إبداعات بيتري عند طريقته في الحفر والتنقيب بل بلفت أمورا أخرى، منها تعامله الراقي والمنظم مع عمال الحفائر؛ فقد كان يستأجر العمال بنفسه ويؤويهم بعيدا عن تدخل الشيوخ الذين كانوا يستغلونهم ويقومون بطرد من لا يدفع العمولة التي يطلبونها منهم، ولذلك لم يأمن هؤلاء المشايخ فترك التعامل معهم.

  

وقد اعتمد بيتري في حفائره بمصر على الدعم الذي قدمته له الجمعية الملكية ماديا ومعنويا، وكانت حفائره تبدأ في الخامسة والنصف صباحا وتستمر حتى السادسة والنصف مساءً، وكانت هناك مراقبة على العمال من خلال المشرفين، وكان أحيانا يراقبهم بنفسه بالتلسكوب وهو في خيمته. أما عن حفائره المثيرة فلنا معها لقاءات أخرى فانتظرونا

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة