وجدان شتيوي
وجدان شتيوي
664

عن عيد المنسيين في غياهب الطاغوت

13/8/2019

ماذا لو كنتَ عيدي؟! وأشرقتَ هذا اليومَ مجدَّداً في حياتي؟! ماذا لو سمعتُ تكبيرات العيدِ بصوتكَ الشجيِّ؟! ماذا لو كنت أولَّ من يهنؤونا بالعيد؟! سنواتٌ عديدةٌ مرَّت، والعيدُ يفقدُ رونقَهُ في غيابك، وألم الشَّوقِ يعتصرُني وكلَّ أحبابك، يُجرَّدُ العيدُ من معناه، وتفقدُ كلُّ الكلمات خوّاصَها في التَّعبير عمّا يختلجُ صدري في كلِّ ذكرى ومناسبة تأتي في بُعدك... في يوم ميلادك.. في ذكرى زواجنا... تاريخِ ميلادِ أبنائنا.. عَبَراتُ أمِّكِ الّتي تمتزجُ بكلمات كلِّ صلاة، وترتيل كل آيةٍ في كتاب الله.. واسمكَ كلّما استَهلَّ كلَّ دعاءٍ لي ولأهلكَ ومُحبّيك.

 

قالوا إن البعدَ جفاءٌ ولم يعلموا أنَّهُ زادَنا قرباً، قالوا إنَّ الحبَّ أسطورةٌ قديمةٌ ولم يعلموا أن الحبَّ الذي يصمدُ بوجهِ المحنِ وتنشَّقُ ورودُهُ عبر أسوارِ الظُّلمِ والسَّجان هو الأسطورة الحقيقيّة، هو الحبُّ السَّرمديُّ الصّادق، هو الحقيقةُ الوحيدةُ في زمن الماديّاتِ البحتة، والمشاعر الزّائفةِ اللَّحظيَّة في زمانٍ أصبحَ الحبُّ فيه يتمُّ ويبدأُ بضغطةِ أَزرارٍ إلكترونيّة، وينتهي بثانيةٍ بزرِّ الحظر، حاولتُ للحظةٍ أن أَتكلَّمَ بلسانِ زوجةِ أسير، وهذا غيضٌ من فيض، وقطرةٌ من بحرِ مشاعر حاولتُ تقَمُّصَها لبرهة ممّا أراهُ وأسمعه.

 

كان ممّا حرَّك شجوني وآثارَ هواجسي ما سمعته في برنامجٍ إذاعيٍّ مخَصَّصٍ للأسرى لنقل رسائلِ ذويهم، طفلةٌ صغيرة لم تتعدّى سنواتها السِّت لم ترى والدها إلا عبر صورٍ شاحبةٍ تزيِّنُها ابتسامةٌ هزيلةٌ مصطنعة، كانت تبعثُ له أصدقَ رسالةٍ عبر صوتها المُتحشرج المسكون بالدُّموع، كانت تقول: "كل عام وأنت بخير يا بابا، كبرت أنا وبعد العيد رح أدخل المدرسة، وبتمنى توصِّلني لباب المدرسة أول يوم "، كان بها من الألم والأماني ما يملأ محيطات الدُّنيا وأكثر.

 

الأسرى لهم حقوقٌ علينا فهم أبناءُ الوطنِ جميعاً، علينا واجباتٌ إنسانيَّةٌ وأخلاقيَّةٌ تجاههم من باب ردِّ الجَميلِ والمعروف لمن أذابوا ربيعَ عمرهِم في حُرقَةِ قهرِ السّجانِ ومقاومةِ سطوتِه

في العيدِ تُفتحُ جِراحُ آلافِ الأسرى وذويهم، في العيدِ يُذبحُ الشَّوقُ على أعتاب الغياب، في العيدِ يطرقُ المشتاقون للذِّكرى كلَّ باب، هناكَ في الأسر مرارةُ القضبانِ تخطفُ بهجةَ العيد، تفصلُ الجسَدَ عن الرّوح، تُدمي القلبَ وتفطرُ الفُؤاد، عندما تختلط الأيام، ويصبحُ، ليلها ونهارها سِيّان، ويتطابقُ بطنُ الأرضِ ووجهِ السّماء، ويشتاقُ الأسيرُ لنسمةِ الهواءِ، وتبصرُ عيونُه الشَّمسَ لبضع لحظات، عندما تصبحُ أبسطُ الحقوق أمنيات، وتُخاضُ لأجلها الاعتصاماتُ والإضرابات... هنا وتحديداً في فلسطين.. وبين أروقةِ مقابرِ الأحياءِ والزّنازين.. تسطَّرُ آلاف الحكايات.. يكسرُ الشَّوقُ أضلعاً، وتَجفُّ الدُّموعُ والعبرات؛ لأنها في القلبِ كالنَّهرِ جارية، لا تعرفُ السُّبات.

 

هنا لا يصلهم من العيدِ إلا رائِحتهُ وبضعُ نفحات، كمثل الظمآنِ في الصحراء لفرط عطشه يحسبُ السَّراب ماء. تخيَّلوا هنا أي عيدٍ يمكنُ أن يَحضُرَ وتمارسَ طقوسُه؟! أي عيدٍ هنا يمكن أن يقَدِّمَ لهذا المظلوم ما يعوزه؟! ما يقارب السّبعة آلاف أسير وأسيرة من بينهم أطفال ومرضى بأمراضٍ عُضال لا يُعالجونَ إلا بالمسكِّنات الخفيفة، ومنهم من مات بالسُّجونِ، ومن خرجَ فلم يجد أَحد والديه أو كليهما أو أحد أفراد عائلته أو أصدقائه إذ كان منهم من انتقلَ لمثوى ربِّهِ وفارقَ الحياة، فحتّى من يخرج من ذاك الظلّامِ الدّامس تبقى فرحته دائماً منقوصة، فمذ دخلَ ذاك المكان وسجل مذكَّراتِهِ يلَطِّخُهُ السَّوادُ شيئاً فشيئاً، ففي قلبه ثقبٌ ترقُدُ به ذكرياته المقيتة، يمتصُّ من كلِّ فرحة ويأخذ منها نصيبَه.

 

هؤلاء الأسرى ليسوا عدداً زائداً لننساهم، فهم أَشرف النّاس، حملوا همَّ الوطنِ على عاتِقِهم، وآثروا الكرامةَ على رغدِ العيش، أبوا إلا أن يشقُّوا للمجدِ طريقاً رغم كلِّ الصِّعابِ والمحن، رغم تخلّي القاصي والداني.  لم يخشَ الأسيرُ أن يكون وحيداً في معركتِه، ولم يُثنِ ذلك يوماً عزيمته، قويٌّ حتى بأَمعائهِ الخاويةِ، وجسده المثخن بالهمِّ والجراح، قويٌّ بإرادته وإيمانِه بوطنهِ وقضيَّتِه ونصر اللّه للصّابرين المُرابطين.

 

الأسرى لهم حقوقٌ علينا فهم أبناءُ الوطنِ جميعاً، علينا واجباتٌ إنسانيَّةٌ وأخلاقيَّةٌ تجاههم من باب ردِّ الجَميلِ والمعروف لمن أذابوا ربيعَ عمرهِم في حُرقَةِ قهرِ السّجانِ ومقاومةِ سطوتِه؛ ليمنحونا الحياةَ الإنسانيَّةَ الكريمةَ. فواجبُنا أن نتضامنَ معهم في الاعتصامات، أن نطمئنَ على أحوالهم، نقوم بتوعيةِ الجيل الناشئ بأوضاعهم ومعاناتهم وحقوقهم، وأضعفُ الإيمانِ وأقلُّ الواجبِ أن ندعو لهم في صلواتنا ولا ننساهم ونذكركم في كلِّ المناسبات.

 

وليكونَ عيدُنا مباركاً حقّاً فلا بُدَّ أن نقوم بمسؤولياتنا تجاهَ أَسرانا، بمعايدةِ أهاليهم وأُسَرهم، ورسم البسمةِ على وجوهِ أَطفالهم؛ ليشعروا أنَّنا معهم في مُصابِهم، وكلِّ أَحوالِهم، وأنَّ الوطنَ الذي يناضلونَ من أجلهِ يستَحِق، فأبناؤه كمثلِ الجسدِ الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى لهُ سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمّى.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة