علي زلط
علي زلط
1.5 k

عالقون في دم المذبحة

14/8/2019

مرت ستة أعوامٍ.. كانت مصر نائمةً، واستيقظت على وقع أكبر مذبحة ارتكبها المصري في حق المصري في العصر الحديث، أطلق فيها القاتل الرصاص على أطفال ونساء ورجال مدنين غير مسلحين، وهو ينادي عبر مكبرات الصوت: "عملية الفض تتم بقرار من النائب العام".

 

على مرأى ومسمع من الجميع شاهد العالم نسخة مكررة ممن سولت له نفسه قتل أخيه فقتله، الفارق الوحيد هو أن القتل هنا كان جماعيا، وأن من ارتكبه لم يصبح من النادمين. قبل المذبحة وبعدها، لا يزال الدم ينضح في بلادي من سيناء حتى الواحات مرورا بمعهد الأورام في قلب القاهرة، إنها لعنة الدم إذ ترينا ثمنَ السكوت، وتنتقم منا إذ عجزنا أن نكون مثل غراب قابيل فنواري سوءة إخوتنا.

 

واليوم يكفي أن تنظر حولك لتدرك الحقيقة المرة، كل المصريين عالقون في دم المذبحة، جميع أطراف الأزمة غارقون فيه حتى التراقي. طعم الدم في كل خبز، ورائحته خلف كل باب، وبقاياه على وسادة كل أم ثكلت ابنها، وزوجة ترملت، وطفلة تيتَّمت لتحيا مصر ثلاث مرات، ويحارب الجنرال الإرهاب المحتمل!

 

لا القاتل قادر على طي صفحة الدم، فالعنف يزداد وتيرة في سيناء، والشرطة والجيش باتا غير قادرين على فرض سطوة "إرهاب الدولة" المسلحة لأهلنا في أرض الفيروز، بذريعة محاربة "دولة الإرهاب" الداعشية المسلحة، توابيت القتلى من جنوده وضباطه تتوالى، والتقارير المهنية الدولية ترى الجيش المصري عاجزٌ عن مكافحة الإرهاب المستشري في سيناء.

   

  

وضحايا رابعة عالقون في الدم منذ زورت بأمر البوليس تقارير الطب الشرعي لأسباب وفاة شهدائهم، ومنذ ضحك عليهم تجار الحروب واستنزفوا أموال المتبرعين ودافعي الاشتراكات التنظيمية، سعيا وراء سراب محاكمة القتلة أمام المحاكم الدولية، فلم تخطو العدالة شبرا واحدا في أي اتجاه!

 

حتى الشعب المصري في عمومه استيقظ ليجد نفسه أكثر العالقين في الدم، السلطة التي دلعته بأغنية "بشرة خير" ليمرر المذابح في ذاكرته الجمعية، أكلته في موجات رفع الدعم عن التموين والوقود والكهرباء بعد أن تمكنت ودانت لها الأمور، وأصبح الصعيدي ينادي على ابن أخوه البورسعيدي بأن الغلاء تفحش، وقروض النقد الأجنبي كبلت أجيالا لن تسدد، والقمع طال حتى من سار في ركب إسقاط أول رئيس مدني منتخب مات في السجن محروما من العلاج.

 

نحن اليوم إذ تمر بنا الذكرى السادسة لأم المجازر، يجب أن نسأل أنفسنا الأسئلة الكاشفة الموجعة التي هربنا منها في خضم "كربلائيتنا".

 

من المسؤول عن ضياع حق شهداء رابعة وما بعدها؟

لا جدال في جرم من اقترف الدم وجرأ عليه الناس، حتى تغنوا راقصين "احنا شعب وانتو شعب"، وحتى لو صلوا جميعا للقبلة فأبانا الذي في المخابرات أوحى لعلي الحجار أن يقول لمن يقتل بغير ذنب "ليكوا رب ولينا رب".

   

  

لكني اليوم أتوجه بالسؤال لأصحاب القضية، لماذا تركتم رابعة في مهب النسيان، ماذا استفادت القضية بعد انشغالكم بخلافات تنظيمية رائحتها تزكم النفوس، وتبعاتها ترونها في آلاف المهجرين والمطاردين الذين يسلمون في مطارات العالم لسلطة لا عدالة لها؟!

 

لقد هزمنا، هذا اعتراف مني كولي دم لأخي الذي قتلته السلطة الغاشمة بالرصاص، وقتله بالتنازع والفشل قيادات معارضة مصرية شائخة، تشغل نفسها بنفسها أكثر من انشغالها بمن يسومها سوء العذاب قتلا وسجنا وملاحقة في الوطن والمهجر.

 

لقد هزمنا، هذا اعتراف لا يعيبنا، حتى حالة الإنكار التي يتمسك بها طيبون كثر آخذون بأهداب الشرعية، لم تعد تفيد، وفكرة استرداد حق الشهداء صارت باردة برد القبور التي حوت أغلى من ضمتهم الصدور. لم يبق وفيا لذكرى رابعة غير النائحة الثكلى، فقد انفض إلى "بيزنسه" كل نائحة مستأجرة.

 

تأتي رابعة لتكشف زيف نفوسنا واختلاف وجوهنا، وتنازعنا على فشلنا. لقد غرقت سفينة الوطن للأسف، وانتزعنا ألواحها فتشاجرنا بها، وفي قاع السفينة أهالي وأولياء الدم.. غارقون فيه حتى آذانهم، وطفق الحزن بهم مسحا بالسوق والأعناق.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة