د. علي الصلابي
د. علي الصلابي
1.5 k

التوفيق بين مشيئة الله وقدره واختيار الإنسان للهدى والضلال

22/8/2019

كلّ شيء يجري بِتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، ولا مشيئة للعِباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، فهذا الكونُ خلق الله تعالى، ولا يقع شيء إلا بمشيئة الله تعالى، ولا يستطيع عبدٌ مهما كان كبيرًا أن يفعل شيئًا ما أراده الله، وإنّ كلّ شيء وقع أراده الله تعالى، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله تعالى متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.

 

التوفيق بين مشيئة الله تعالى ومشيئة العبد للهدى والضلال

أسند الله عز وجل الهداية والإضلال إلى مشيئته سبحانه في كثير من الآيات، منها قوله تعالى: " وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن  يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (النحل : 93) . وقال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ  مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (إبراهيم : 4) . وقال تعالى:"وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ *وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ" (الزمر: 36 ـ 37) .

 

والواقع أن هذه وأمثالها نصوص عامة، ولابدَّ أن تحمل على النصوص المقيدة، فليست مشيئة الله للهداية والإضلال تسير جزافاً بدون حكمة، أو بدون سنة ماضية في هذا الشأن وذلك لأنه توجد هناك إلى جانب هذه الآيات العامة آيات أخرى تقيد مشيئة الله في الهداية والإضلال بأحوال خاصة وأسباب معينة وهذه الآيات المقيدة تبين لنا من يشاء الله تعالى هدايته ومن يشاء إضلاله وهذا إجمال يحتاج إلى تفصيل.

 

لقد ربط الله عز وجل كثير من الآيات بين مشيئة العبد للهدى، والضلال ومشيئته سبحانه وتعالى لهما، والله سبحانه لا يشاء إلا العدل والرحمة وهذا الذي عرفه رسل الله عليهم الصلاة والسلام ولهذا قال هود لقومه:" إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا  مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (هود: 56) .

  

مشيئة الله سبحانه التي يجري بها قدره في الكائن الإنساني هي أن يخلق هذا الكائن باستعداد مزدوج للهدى والضلال، وذلك مع إيداع فطرته إدراك حقيقة الربوبية

فأخبر عن عموم قدرة الله ونفوذ مشيئته وتصرفه في خلقه كيف يشاء، ثم أخبر أن هذا التصرف والحكم على صراط مستقيم أي سبحانه وإن كانت قدرته تنالهم بما يشاء فإنه لا يشاء إلا العدل، فهداية الله سبحانه لعباده أو إضلالهم إنما تقوم على أساس ترتيب المسببات على أسبابها والنتائج على مقدماتها، كما دل على ذلك كثير من الآيات ومنها: قوله تعالى:" وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ" (إبراهيم: 27) .  وقوله تعالى:" وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ" (الشورى: 13) . بين سبحانه وتعالى في الآية الأولى إن سبب إضلاله لبعض عباده هو الظلم، وبين في الآية الثانية أن سبب هدايته لبعض عباده هو إنابتهم إليه.

 

ومن تدبر القرآن تبين له أن عامة ما يذكره الله من خلق الكفر والمعاصي يجعله جزاء لذلك العمل كقوله تعالى:" فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ" (الأنعام: 125) . وقال تعالى:" فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ" (الصف: 5) . وقال تعالى:" وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى *وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى" (الليل: 8 ـ 10) .

 

وهذا وأمثاله بذلوا فيه أعمالاً عاقبهم الله بها على فعل محظور وترك مأمور، وتلك الأمور إنما خلقت لكونهم لم يفعلوا ما خلقوا له، ولابد لهم من حركة وإرادة فلما لم يتحركوا بالحسنات حركوا بالسيئات عدلاً من الله، حيث وضع ذلك في محله القابل له، وهو القلب الذي لا يكون إلا عاملاً فإذا لم يعمل الحسنة استعمل في السيئة: نفسك إن لم تشغلها شغلتك.

 

يقول الشيخ محمد رشيد رضا عند قوله تعالى:" وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ" (يونس: 100)  أي: وما كان لنفس ولا من شأنها فيما أشير إليه من استقلالها في أفعالها ولا مما أعطاها الله من الاختيار فيما هداه من النجدين وما ألهمها من فجورها وتقواها الفطريين أن تؤمن إلا بإرادة الله ومقتضى سنته في استطاعة الترجيح بين المتعارضين، فهي مختارة في دائرة الاسباب والمسببات ولكنها غير مستقله في اختيارها أتم الاستقلال بل مقيدة بنظام السنن و الأقدار، فالمنفي هو استطاعة الخروج عن هذا النظام العام لا الاستطاعة الخاصة الموافقة له.

 

التوفيق بين القدر الأزلي واختيار الهدى والضلال

ومن مراجعة مجموعة النصوص التي تذكر الهدى والضلال، والتنسيق بين مدلولاتها جميعاً، يخلص لنا طريق واحد بعيد عن ذلك الجدل الذي أثاره المتكلمون من الفرق الإسلامية والذي أثاره اللاهوت المسيحي والفلسفات المتعددة حول قضية القضاء والقدر عموماً: إن مشيئة الله سبحانه التي يجري بها قدره في الكائن الإنساني هي أن يخلق هذا الكائن باستعداد مزدوج للهدى والضلال، وذلك مع إيداع فطرته إدراك حقيقة الربوبية الواحدة والاتجاه إليها،ومع إعطائه العقل المميز للضلال والهدى، ومع إرسال الرسل بالبينات لآيقاظ الفطرة إذا تعطلت وهداية العقل إذا ضل.

 

ولكن يبقى بعد ذلك كله ذلك الاستعداد المزدوج للهدى والضلال الذي خلق الإنسان به، وفق مشيئة الله التي جرى بها قدره، كذلك اقتضت هذه المشيئة أن يجري قدر الله بهداية من يجاهد للهدى، وأن يجري قدر الله كذلك لإضلال من لا يستخدم ما أودعه الله من عقل، وما أعطاه من أجهزة الرؤيا والسمع في إدراك الآيات المبثوثة في صفحات الكون، وفي رسالات الرسل، الموحية للهدى، وفي كل الحالات تتحقق مشيئة الله ولا يتحقق سواها، ويقع ما يقع بقدر الله لا بقول سواه، وما كان الأمر ليكون هكذا إلا أن الله شاء هكذا، وما كان شئ ليقع إلا أن يوقعه قدر الله، فليس في هذا الوجود مشيئة أخرى تجري وفقها الأمور، كما أنه ليس هناك قوة إلا بقدر الله ينشئ الأحداث.

 

وفي إطار هذه الحقيقة الكبرى يتحرك الإنسان بنفسه، ويقع له ما يقع من الهدى والضلال أيضاً، وهذا هو التصور الإسلامي الي تنشئه مجموعة النصوص القرآنية مقارنة متناسقة، حين لا تؤخذ فرادى وفق أهواء الفرق والنحل، وحين لا يوضع بعضها في مواجهة البعض الآخر، على سبيل الإحتجاج أو الجدل.

------------------------------------------------------------------------ 

  

مراجع البحث:

  1. د. علي محمد محمد الصّلابيّ، الإيمان بالقدر، دار ابن كثير، بيروت، ص (129: 132).
  2. د. شريف الشيخ صالح أحمد الخطيب، السنن الإلهية في الحياة الإنسانية وأثر الإيمان بها في العقيدة والسلوك، الدار العثمانية، عمان. الأردن، الطبعة الأولى، 2004م،  (1/ 105 - 106) .
  3.  ابن تيمية، الحسنة والسيئة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، دار الكتاب العربي، القاهرة، 2005م ص 94 ـ 95.
  4. سيد قطب، في ظلال القرآن، القاهرة: دار  الشروق، ط 38، 1430ه، 2009م ، (3 / 1400) .
  5. محمد رشيد رضا، تفسير المنار (تفسير القرآن الكريم)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1990م، (11/ 484).

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة