ياسر سليمان أبو غليون
ياسر سليمان أبو غليون
681

هل فعلا تشيخ المدن؟

23/8/2019

من المتعارف عليه أن لكل قاعدة استثناء، ومن هنا فالشيخوخة التي تصيب الإنسان بعد مرور نصف قرن من عمره تتأخر لقرن كامل لدى قبائل الهونزا في مقاطعة كاراكوم بباكستان، والتي تُعدّ التجمع البشري الأقل مرضاً والأطول عمراً بمتوسط أعمار يتجاوز المئة عام، حيث تنعم هذه القبائل المتصالحة مع ذاتها بالصحة والعافية، مما استوجب تسمية الجغرافيا التي تستوطنها بوادي الخالدين، وتفسير ذلك مرده عائد لنظامها الغذائي المتبع وأسلوب حياتها الصحي، إلى حد أنه يتواصل إنجاب النساء إلى سن السبعين.

 

وتتمثل أسرار النظام الغذائي الصحّي في تجفيف المشمش، وتناول القمح والشعير ومشتقات الحليب، والخبز الهندي والخضار، ومنقوع المشمش كوجبة خفيفة، أما وجبة الغداء فيتم تناولها بين العصر والعشاء، وتحتوي الخبز والخضروات والفاكهة، وأفراد هذه القبيلة نباتيون يبتعدون عن اللحوم وينبذون المسكرات، ويحرصون على الصيام وتجنب السكريات، ومداومة المشي لمسافات طويلة، والاستحمام بالمياه الباردة حد التجمد، وإشاعة جو السعادة، لذا فهم في منأى عن كثير من الأمراض وفي مقدمتها السرطان، وتحوم حول هذا الشعب المنغلق والمكون من خمس عشائر هي البورونغ، والديرامايتنغ، والباراتالنغ، والكوروكوش، والبوروشوط الكثير من الأسرار، وقدرات التحمل واللياقة البدنية وممارسة رياضة اليوجا. وإذا كان هذا هو الواقع البشري، فماذا عن شيخوخة المدن، هل يمكن التغلب عليها؟

  

تتضح معالم الصورة في العينة الأكثر تمثيلا لواقع المدن العربية، والمراد هنا العواصم حين تؤول الأمور لتراكم أعراض شيخوختها: التلوث والبطالة والزحام وأحياء العشوائيات والغلاء وأزمة الإسكان والفساد بأنواعه، فإن اجتهدنا في إيجاد الرديف، فإن انعدام التخطيط وتواصل التمدد غير المدروس، وتضاعف الهجرة البشرية من الضواحي كفيل بفشل ذلك المسعى، فهل يكون الخلاص عبر الارتقاء لمواجهة الذات أم بمواصلة بناء عواصم جديدة؟ يوما عن يوم يتزايد الفقر ويستفحل الصراع السياسي، وتتسع دائرة الإهمال، وتقل الموارد، ويتوالى الانفجار السكاني.

  

هنالك هزيمة من نوع خاص تحيق بالشاب العربي، تجبره على تلمس المستقبل حتى وإن وقع أسيرا للزمن، في دوامة فعلية تستنسخ نفسها في كل زمان ومكان، وتفرض تلمس إحداثيات الألم في المدن الكبرى على الرغم مما يشوبها من عسر اقتصادي

مما يتكفل ببروز ظاهرة موت المدن فى المنظور الاقتصادي قبل الفلسفي، وبالأخص حين تدرك الجماهير حقيقة تصدع قابلية المدن للاستيطان، وخداع القيادات السياسية التي ترفع شعارات زائفة بكره تشوفوا... ومن المؤكد لن تبصر سوى نجوم الظهيرة، فتبدأ فصول الهجرة من قبل الكبير قبل الصغير، وهذا الاغتراب يولد اضمحلال الشعور بالانتماء حيال تشتت المشارب السياسية والتوجهات الفكرية، والانفتاح على الآخر دون ملامسة الهم الاقتصادي اليومي المتمثل في رغيف الخبز، فتصبح معادلة تمدن الريف وتريف المدن، وما يرافقها من اشكاليات وإحباطات بابا ينفتح على الشيخوخة ومواصلة الأكاذيب.

  

نخطئ إن اعتقدنا أن أصابع الزمن تترك مفعولها فقط في الانسان لوحده، فتقادم الزمان أثر بدوره في مفاهيم القرية والبلدة والمدينة، وبتنا إزاء توصيفات ووقائع جديدة، من العسير النجاح في الهروب من استحقاقاتها، ولعل المثال على ذلك حين شاءت الأقدار أن يجد الوالدان - أطال الله في عمريهما- نفسيهما إزاء خيار التبرع بقطعة أرض لبناء مدرسة أساسية في باكورة قرية على هامش الجغرافيا، وضمن حيز الزمن الجميل، فهذا عمل يصنف ضمن إطارين لا ثالث لهما: الإطار الديني أو الإنساني، بخلاف ردة الفعل حيال تبرع أحد الأثرياء لمسجد القرية بتركيب خلايا الطاقة الشمسية المتجددة، فكانت النظرة التي يحار المؤرخ في توصيفها في عهد المدن الأخطبوطية التي تترك مهمة القيام بالأعمال الخيرية للأثرياء كبناء المدارس والمساجد والحدائق بوعد الإعفاء من الضرائب المتلاحقة، وتتجاوز ذلك لفرض ضريبة على الضريبة! فهل بعد ذلك من شيخوخة؟!

 

وقد تغريك الآمال بالتجول كشاهد على العصر في شوارع المدن القديمة، ولكن سرعان ما ستدرك أن السياسة برفقة الاقتصاد المتراجع أكلت الأخضر واليابس، لتؤسس لمدن تبدو ظاهريا تنعم بالرفاهية الكاذبة المتمثلة في الخضوع لغزو البضائع الصينية الرخيصة، أو تلك التي تتقولب في إطار خدماتي لا هو بالصناعي ولا بالزراعي، ككرة ثلج تزحف على سجادة اقتصادية صوب المجهول، كمدن الموانئ التي تسعى للاندماج في أنظمة الخصخصة، أما مدن الإسمنت التي تحجب الأفق بناطحات سحابها، فطغيان النزعة الاستهلاكية كفيل في تبديد الآمال، وبالتوازي معها لا تستطيع الاقتراب من مدن تسعى لخصخصة كامل قطاعاتها، وترتفع فيها إحصائيات نسب الجرائم المتزايدة، لتختزل بالتالي مشاهد يومية متكررة، لا تمت بأدنى صلة لمفردات الماضي حين كانت المدن في ريعان شبابها.

 

نعم ثمة جدل يتصاعد باطراد في أوساط جيل الستينيات حول التكيّف مع الواقع الجديد، وابتدار صيغ مستجدة ترتقي إلى مستوى التحديات التي أفرزتها الأحداث العاصفة، وخصوصا في مرحلة انكفاء الربيع العربي وتداعياته القاسية، والذي ترتب عليه تدمير العديد من المدن العربية التي كانت تعقد عليها الآمال؛ وبين دعاية الجمود والتقليد، وتوقف ديناميكيات الحركة والتطورات لصالح رؤى ومواقف عقيمة تسببت البكاء على الأطلال حين كانت بيروت تطبع وبغداد تقرأ.

   

يعاني المواطن العربي في محبس أسطوري يسعى للخلاص منه بأي ثمن، حتى ولو كان تحت نطاق ظروف الاغتراب الرديئة، واستنساخ السندباد، فهل هرمت الأوطان وهرمنا معها أم لازال الأمل معقودا؟ هنالك هزيمة من نوع خاص تحيق بالشاب العربي، تجبره على تلمس المستقبل حتى وإن وقع أسيرا للزمن، في دوامة فعلية تستنسخ نفسها في كل زمان ومكان، وتفرض تلمس إحداثيات الألم في المدن الكبرى على الرغم مما يشوبها من عسر اقتصادي راكم الآلام، وحدا بالجميع للسعي الحثيث لتعديل الصورة على أقل تقدير، لتصبح المدن الساحلية الملتقى الأخير قبيل موجات قوارب الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط، بمثابة انقلاب على الذات، والتنقل بمعية الرفاق نحو الغرب، عبر مصارعة أمواج البحر المتوسط.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة