د. محمد الجوادي
د. محمد الجوادي
3 k

إبراهيم باشا.. القائد الذي فتح عكا وخسر الشام

26/8/2019

لا يخلو مرجع أوربي عن تاريخ مصر الحديث إذا ما جاء ذكر إبراهيم باشا من الإشارة بالغمز وبالتشكيك في نسبه إلى محمد علي باشا وأنه لم يكن ابنا له، ومن الجدير بالذكر أن هذا الموضوع قُتل بحثاً بمعنى أنه كثُر نفيه، لكن الأوربيين بحاستهم الحريصة على تشويه أيّ مسلم أو شرقي يستلذون بذكر التشكيك من دون ذكر نفي التشكيك، وهم يُجيدون أداء الدور فيظهرون وكأنهم يُثبتون التشكيك على استحياء مع أنهم يضعونه في لحظة فاصلة وقادرة على الإيحاء، ومن ذلك على سبيل المثال القول بأن اضطراب علاقته بمحمد علي باشا كان بسبب شكوك محمد علي نفسه في نسبه إليه، مع أن هذا بالمنطق غير مُمكن، وفي جميع الأحوال فإن المصريين والعرب لا يولون هذه الرواية أية أهمية، وينسبون إبراهيم باشا إلى والده في ثقة واطمئنان.

 

إذا ما انتقلنا إلى تاريخ توالي حكام أسرة محمد علي فإننا نستطيع أن ندرك بوضوح أن كل الحكام جاءوا من نسل إبراهيم باشا ما عدا الواليين الذين خلفاه فعباس الأول هو ابن أخيه طوسون، ومحمد سعيد الذي خلف عباس هو ابن لمحمد علي باشا نفسه، أما حكام الاسرة العلوية بدءاً من الخديو إسماعيل الذي تولى الحكم في مصر 1863 فهم جميعاً أبناء إبراهيم، أو أحفاده، أو أبناء أحفاده، أو احفاد أحفاده وذلك على النحو التالي:

ــ ابن إبراهيم: الخديو إسماعيل.

ــ أحفاد إبراهيم: الخديو توفيق والسلطان حسين والملك فؤاد.

ــ أبناء أحفاد إبراهيم: الخديو عباس حلمي، الملك فاروق.

وهكذا فإن إبراهيم الذي لم يحكم إلا شهوراً في 1848 حكم من خلال نسله هو تسعين عاما (1863 ـ 1953).

 

في 1824 حارب مع الدولة العثمانية في اليونان فتمكن العثمانيون ومعهم إبراهيم باشا من إنهاء التمرد اليوناني ضد الدولة العثمانية

لكن القيمة التاريخية والأهمية المعنوية لإبراهيم باشا لا تتمثل في الشهور التي حكم فيها ولا في السنوات التي حكم فيها أبناؤه وأحفاده وإنما تتمثل في الدور الذي لعبه في حياة والده محمد علي باشا، وإذا كانت هناك كلمة واحدة قادرة على أن تًلخّص قيمة هذا الرجل وتاريخه فإنها هي كلمة "القائد" التي رأى المصريون الأذكياء أن يجعلوها ملازمة لاسمه عند تخليده في ذكرى مرور مائة عام على رحيله فسموا بها مسجد القائد إبراهيم، وهو ذلك المسجد العظيم الرائع الذي يقوم في محطة الرمل في الاسكندرية بطراز معماري إيطالي لم ينتقص ذرة من روحانيات المسجد ولا قُدسيته، نعم فقد كان إبراهيم قائداً موهوباً سواء كان ظالماً أم مظلوماً وسواء كان مُعتدياً أو مقاوماً لكنه لم يُغادر أبجديات القيادة وأصولها إلى ملذات الهرج والمرج والخطابة والربابة وإنما ظلَّ قائداً مهيباً قادراً على المواجهة والاشتباك كما هو قادر على الغزو والاعتداء.

 

لم يولد إبراهيم باشا في مصر وإنما ولد في مقدونيا، فلمّا استقر لمحمد علي باشا حكم مصر في 1805 جاء هو وأخوه طوسون ليعيشا في كنف الوالي وليعيشا مجد الوالي، كان إبراهيم يبلغ من العمر 16 عشر عاماً (ولد 1789) وسرعان ما بدأ يلعب أدواره العسكرية القيادية المهمة، ويُحقّق الانتصارات التي نُسبتْ إليه وهي قائمة طويلة من الانتصارات كان من أرادوا تخليده من الذكاء بحيث وضعوا قائمتها على قاعدة تمثاله الذي نُصِبَ في ميدان إبراهيم باشا، ومن الطريف أن هذا الميدان تغيّر اسمه في عهد الثورة 1952 إلى ميدان الأوبرا باعتبار أن الأوبرا تُطل عليه، فإذا بالأوبرا تحترق، ثم تنتقل إلى مكان آخر ويبقى الاسم المُستحدث للميدان، ويبقى أيضاً التمثال، فإذا سألت عن تمثال إبراهيم باشا فإن الإجابة أنه قائم على جواده، والجواد قائم على أربع في ميدان الأوبرا، ومن الطريف أن أسئلة المعلومات العامة تُكرر السؤال عن وضع قوائم جواد إبراهيم باشا في تمثاله في ميدانه، فيجتهد المسئولون في وصف حركة الأرجل بينما الجواد قائم على أربع.

 

في 1821 قاد إبراهيم باشا حملة والده إلى نجد كما قاد الحملة إلى السودان وحقّق نجاحين بارزين في الحملتين، وفي 1824 حارب مع الدولة العثمانية في اليونان فتمكن العثمانيون ومعهم إبراهيم باشا من إنهاء التمرد اليوناني ضد الدولة العثمانية. بدأت خطوات إبراهيم باشا الواسعة منذ 1831 حين استطاع الاستيلاء على بلاد الشام مدينة بعد أخرى، وقد تمكّن من فتح عكا التي عجز نابليون قبل سنوات عن فتحها بسبب تحصينها الذكي، كما نجح في الاستيلاء على دمشق وحمص وحماة، وهكذا أصبح بمثابة حاكم سوريا الفعلي، وقد ترك له والده هذه المهمة عن رضا، لكنه فشل بالطبع في الحصول على رضا السوريين كما فشل هو وأبوه في الحصول على قبول العثمانيين بهذا الوضع.

  

من ثم فرضت آليات التاريخ نفسها فكان لا بد لإبراهيم باشا أن يتقدم للأمام من أجل تأمين ما حصل عليه بقوة السلاح وهكذا كانت الأمور تسير في اتجاه مواجهة بين إبراهيم باشا وبين الدولة العثمانية، وبالطبع فقد كانت هناك إغراءات أوروبية كثيرة (بل اتفاقات وتفاهمات سرية) تدفع بمحمد علي إلى مواجهة الدولة العثمانية وقلقلة وضعها وانتقاص سيادتها، فلم يكن هناك أحب إلى الأوربيين من مثل هذا الأمر لكن محمد علي وإبراهيم استناما إلى الترحيب السري للأوروبيين دون أن يؤسّسا شرعية حقيقية للتمرد على العثمانيين، وغلب على محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا الإيمان بالظن بأن ما نجح في نجد وسوريا قد يتكرّر ويتأكد في الأناضول.

 

حاول العثمانيون إزاحة إبراهيم باشا من سوريا نهائياً في 1838 ونجحوا بالفعل في هذا 1840 بعد أن هزموا قواته وأعادوه بالإجبار إلى مصر

لم تكن الدول الأوربية على الرغم من ترحيبها القلبي والمسبق قادرة على أن تسمح بمثل هذا التغيير في خرائط القوى والسيادة، ذلك أنها جميعا كانت مهددة بمثل هذه الحركات الانفصالية المُستندة إلى قوة السلاح فحسب، وهكذا فإنه حين لاحت لحظة الجد وقفت الدول الأوربية بلا استثناء مع الدولة العثمانية لا مع محمد علي وإبراهيم الذين قدّما للأوربيين خدمات ضخمة من قبل، وكان تقديمهما لهذه الخدمات على حساب الإسلام والعروبة ومصرو الإنسانية، وذلك على الرغم من كل الانخداع الذي مارسه العرب على أنفسهم كالعادة، وكانت النتيجة بعد عدة معارك عنيفة تحطمت فيها قوات إبراهيم باشا ووالده مع جموع غفيرة من قتلى المصريين والمسلمين أن تمَّ توقيع معاهدة كوتاهية وبمُقتضاها منح إبراهيم باشا حكم سوريا ومن الطريف أنه جعل عاصمتها في أنطاكية لا في دمشق.

 

لكن وضع إبراهيم باشا في سوريا ظلّ قلقاً، وقد حاول العثمانيون إزاحته من سوريا نهائياً في 1838 ونجحوا بالفعل في هذا 1840 بعد أن هزموا قواته وأعادوه بالإجبار إلى مصر وذلك بعد سنة واحدة فقط من تولي السلطان عبد المجيد الخلافة في 1839 وفي مقابل هذا فإن معاهدة لندن (1840) سمحت لمحمد علي بأن يكون حكم ولاية مصر في نسله وبهذا اصبح إبراهيم باشا مرشحا لحكم مصر وهو ما حدث في شهور حياته الأخيرة 1848 فكأنه تنقل من قيادة الجيش المصري إلى حكم سوريا إلى ما يُناظر ولاية عهد مصر ثم إلى حكم مصر لشهور قليلة قبل أن يتوفى في 20 نوفمبر 1848 قبل أن يبلغ الستين من عمره.

   

ومن الطريف أنه عندما تم الاتفاق على أن يتولى حكم مصر في حياة والده المريض كان الترتيب أن يذهب إلى إستانبول ليتلقى فرمان الولاية، فذهب إلى هناك هذه المرة للاعتماد لا للغزو، ومرض، وتوفي بعد فترة قصيرة من عودته إلى مصر.

#يتصدر_الآن

تكلفة البقاء ضمن الأنظمة الاستبدادية.. الحصاد المُرّ!

تطور الفكر السياسي الحديث بمقارباته ومداخله وأدواته ومناهجه، قد أفرز عدة نماذج للحكم وإدارة المجتمعات الحديثة، وأُثْرِيَ البحثُ السياسيُّ بمنظومة جديدة من القيم والأسس والأفكار التي تتماشى مع تطور الإنسانية.

704
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة