مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
519

الفلسفة المُفيدة.. "عزاءات" تستحق القراءة!

7/8/2019

لطالما جرى نقد الفلسفة باعتبارها أفكاراً مجردة وكلاماً هلامياً عائماً لا يخدم الإنسان في حياته، ولا يعينه بأي حال على مواجهة الصعاب وتحمل الآلام الكثيرة التي تعترض سبيله، وكذا – على مر العصور - كان ينظر للفلاسفة وكأنهم أطباء بلا دواء، رجال يُشَخِصون أمراض البشرية بحصافة كبيرة ولكن دون أن يتقدموا بأي وصفات جدية لعلاجها، البعض يعتبرهم "منظراتية " يجيدون فقط الكلام المنمق والنقد المنطقي لكن في النهاية لا يغيرون أي شيء من بشاعة هذا العالم...!

  

بل وأكثر من ذلك، فالكثير من الفلاسفة كانوا قد تكيفوا أصلاً مع هذه البشاعة المفرطة التي ارتبطت بوجودنا كـ بشر على هذا الكوكب، وآمنوا بفكرة أن بالوجود البشري ميؤوس منه ولا جدوى إطلاقاً من محاولة إصلاحه، لذا اتخذوا من الفلسفة مخرجاً للطوارئ، ووسيلة للخلاص الفردي ليس إلا، وتركوا العالم غارقاً من حولهم في مآسيه وبؤسه دون أن يلقوا له بأي طوق للنجاة، اكتفوا فقط بالتنظير وتركوه يغرق!

 

لا يمكن اختزال مجهود الكاتب الذي يقع في قرابة الثلاثمائة صفحة في مقالة أو اثنتين، لكن جل ما يمكن فعله هنا هو الإشارة إلى أن الكتاب رائع بحق، بسخريته وحكمته وقصصه الممتعة

هذه الصورة القاتمة والنقد اللاذع الذي ظلت تواجهه الفلسفة منذ قرون عديدة أراد آلان دوبون تفنيده بطريقة عملية، بطريقة حاول من خلالها أن يثبت أن الفلسفة يمكن أن يكون لها قيمة فعلية في حياة الناس وليس فقط مجرد تنظير أكاديمي نخبوي مكانه المكتبات، فألف كتابه الرائع عزاءات الفلسفة.

 

بدأ ألآن دوبون كتابه بسقراط "أبو الفلسفة " الذي واجه أثينا بتساؤلاته وأفكاره التي كانت عكس الهوى السائد آنذاك، وأنتهى الحال بالفيلسوف الشهير ميتاً بعد محاكمة ظالمه قضت بإعدامه.. لكن أي عزاء يمكن أن يأتي من قصة بهذه المأساوية؟! العزاء الذي يراه ألآن دوبون هو أن السائد ليس بالضرورة على حق، ورأي الأغلبية قد لا يعدو كونه مجرد هرطقات فارغة لا قيمة حقيقية لها، وأن صحة الآراء من عدمها لا تنبع من كم المؤيدين لها بقدر ما تنبع من متانة الأسس المنطقية التي بنيت عليها! وهذا هو المعنى الحقيقي للفلسفة الذي سعى سقراط لنشره، وما كرس نفسه لأجله، أن يجعل البشر يفكرون بطريقة منطقية، ويتوقفوا عن تقديس الكلمات لمجرد أنها صادرة من شخص عظيم أو صاحب مكانة.

 

الغريب في الأمر أن سقراط لم يكتب كلمة واحدة بيده، لم يكن مهتماً بإقناع صفوة المجتمع وسادته من الحكام والأكاديميين، لم يكن أبو الفلسفة فيلسوفاً بالمعني السائد للكلمة، كان شخصاً بسيطاً، قصير القامة، رث الثياب، حافي القدمين، ما كان ليثر انتباه أحد بمظهره أو شكله، لم تكن كلماته معقدة كما الفلاسفة اليوم، كان عادياً بشكله عظيماً بأفكاره!

 

توقف آلان دوبون عند فيلسوف كانت نهايته أكثر مأساوية من سقراط نفسه، هو سينكا الفيلسوف الذي كانت حياته سلسة من الكوارث المتلاحقة، حتى موته كان تراجيدياً وعلى مراحل قاسية تجرع خلالها الألم ببطيء، لكن على الرغم من كل الكوارث التي لحقت به فقد كان الرجل مثالاً للشجاعة والثبات، لم يندب الفيلسوف حظه، أو يضرب رأسه على الحائط باكياً منتحباً، وإنما امتثل لقدره ببسالة نادرة "فالتخفيف الوحيد للشر المهيمن يكون عبر تحمل الضرورة والإذعان لها"، تحدث الكتاب في فصول أخرى عن الحب، والفقر، المعاناة بشتى صنوفها حاكياً سيرة فلاسفة مروا بظروف مأساوية وتعاملوا معها بحكمة وطبقوا فيها فلسفاتهم الخاصة لتعينهم على النجاة والاستمرار!

 

لا يمكن اختزال مجهود الكاتب الذي يقع في قرابة الثلاثمائة صفحة في مقالة أو اثنتين، لكن جل ما يمكن فعله هنا هو الإشارة إلى أن الكتاب رائع بحق، بسخريته وحكمته وقصصه الممتعة، الأمر ليس متعلقاً بالفلسفة فحسب بل بقدرة ألآن دوبون المدهشة في الحكي والسرد الهادئ المطمئن، هذا الرجل قادر أن يصنع حرفياً "من الفسيخ شربات "، وأن يستخرج العزاء من قلب المعاناة بطريقة تدعوا للإعجاب!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة