محمد أمزيل
محمد أمزيل
171

فيلم غودزيلا ويوتوبيا حماة البيئة

7/8/2019

"الإنسان هو آفة الأرض ولابد للطبيعة أن تعيد التوازن لنفسها". وردت هاذه الفكرة ولو بصيغة أخرى في الفيلم، وبالطبع كان الصراع قائما على هاته الأطروحة، بين متطرفين من الإيكولوجيين في الفيلم وبين المعتدلين منهم، فبعد أن استطاع العلماء الوصول إلى الوحوش الأسطورية التي استوطنت الأرض منذ آلاف السنين، قبل أن تقبع تحت طبقات الأرض، محتفظة ببنيتها كما هي. فبعد أن تمكن هؤلاء العلماء من الوصول إليها، قاموا بإيقاظها، معتقدين بأنهم في استطاعتهم أن يتحكموا بها، لتحقيق هدفهم اليوتوبي.

 

كان مشروعهم هو إيقاظ الوحوش وإضافتها إلى الطبيعة بالتحكم فيها، حتى تتعايش مع البشر بتوازن طبيعي متناسق، لكن الأمور لم تسر كما أرادوا لها، فقد غيَّر المتطرفون الإيكولوجيين من مسار المشروع حيث قاموا بإيقاظ وحش أسطوري بثلاث رؤوس من أجل أن يقوم بالقضاء على الحضارة الإنسانية التي عكَّرت صفاء الطبيعة، حين نقول الحضارة الإنسانية، فإننا نقول التلوث والحروب والقنابل النووية والاستغلال المفرط لخيرات الطبيعية والمساهمة في آفات خطيرة تهدد سلامة الكرة الأرضية، هكذا ينظر المتطرفون الإيكولوجيين (في الفيلم) للحضارة الإنسانية، فهم يعتقدون أن الكرة الأرضية مهددة من طرف الإنسان الذي يتكاثر بوتيرة مرتفعة، ويستهلك الموارد الطبيعية بشكل خطير، وإن استمر الوضع كما هو فإن النهاية الحتمية هي أرض جهنمية جديدة. 

    

  

  

إذن الحل هو إيقاظ الوحوش الأسطورية العملاقة، لتخريب الحضارة الإنسانية بالكامل حتى يُعاد التوازن للطبيعة. ولكن بين صفوف المتطرفين، هناك تضارب في الأفكار، فجانب معتدل نوعا ما، يرى أنه يجب التحكم في الوحوش حتى يتم استعمالها في القضاء على الحضارة الإنسانية دون تعريض البشر للإنقراض، بينما هناك جانب آخر، يضع سلامة الكرة الأرضية فوق كل إعتبار، ويتطرف في موقفه، حيث يعتبر أنه يجب أن يعود الوحوش إلى الأرض ويقضوا على الإنسان بشكل كامل، حتى لا يتكرر المرض مرة أخرى. نعم إنه هدف راديكالي، الغاية منه هو إعادة الكرة الأرضية كما كانت قبل ظهور الإنسان. بمعنى أكثر طبِّيا؛ تطهير الطبيعة من البشر.

 

إن اليوتوبيا (المدينة الفاضلة) عند المتطرفين الإيكولوجيين في هذا الفيلم، هو كرة أرضية بدون بشر (متطرفون راديكاليون) أو كرة أرضية بقليل من البشر (متطرفون إصلاحيون)، إنه هدف فوق إنساني، هدف يأتي كرؤية جديدة للعالم، الذي يتجاوز الرؤية الإنسانية الحداثية التي بدأت بعصر الأنوار، والتي اعتبرت أن الإنسان إن وثق في عقله فقط ورفعَ عنه أية وصاية خارجية فإنه يستطيع أن يتقدم نحو ماهو افضل دائما، إلى أن يخلق الجنة فوق الأرض (اليوتوبيا). وبالطبع كانت الماركسية آخر بوادر هاذه الرؤية وآخر مشروع لتحقيق هاته اليوتوبيا، قبل أن يحطمها مشاغبوا مابعد الحداثة (خاصة ميشيل فوكو وليوتارد وجيل دولوز)

إن وثق الإنسان في عقله، بمعنى إن التجأ للمنطق والعلم، فإنه سيبنى عالما رائعا، هكذا تخيل الأباء المؤسسون للنزعة الإنسانية، لكن تفاؤلهم في تقدم راقي، تبين فشله، فالعلم أفرز أسلحة الدمار الشامل، وأفرز التقنية التي سيطرت على البشر ولم تحررهم (و انا أتفق مع مارتن هيدجر في هذا الطرح)، فإن استطاع العلم أن يقدم الأدوية مثلا لإنقاذ الآلاف، فإنه قدم أسلحة لقتل الملايين وتخريب آلاف الهكتارات، نعم لقد سقطت النزعة الإنسانية الحداثية، ولم يعد هناك أمل في يوتوبيا فوق الأرض، والحل الذي قدمه الفيلم هو القضاء على السبب المحوري الذي سبب المشكل أصلا، وهو الإنسان. وهكذا يتبين لنا أن المشروع الإيكولوجي المتطرف في الفيلم، حتى وإن كان مشروعا فنتازيا فإنه مشروع له مقدمات منطقية، وهاته المقدمات هي :
-الكرة الأرضية في خطر
-السبب هو الإنسان لأنه هو المستغِل الفاحش لخيرات الطبيعة.

 

  

إذن إن هذا المشروع يضع مرة أخرى النزعة الإنسانية أمام أمر الواقع، وهو أن المشكل ليس خارجيا بل في الإنسان نفسه. إذن المدينة الفاضلة التي حلم بها البشر ستُبنى لو لم يكونوا حاضرين. إن الفلسفة الإيكولوجية كما جاءت في كتاب "أجمل قصة في الفلسفة" للفيلسوف لوك فيري، تُعتبر إجابة معاصرة عن الإشكالية الوجودية الخاصة بالحياة السعيدة، حيث اعتبر لوك فيري أن جمعيات حماية البيئة جاءت كأساس للإهتمام بالطبيعة لا لشيء إلا لحماية الاجيال المقبلة من الإنقراض. حيث اعتبرت أنه يجب أن تجد الأجيال القادمية المكان في أفضل أحواله وليس في أبشعه، فالسؤال الخطير الذي تطرحه هاته الفلسفة الجديدة الخاصة بالإيكولوجيا هي "كيف سنحمي الإنسانية من الإنقراض؟"

والإجابة المعتدلة التي قدمها لوك فيري في كتابه، وهو الإجابة التي تأخذها جمعيات حماية البيئة على عاتقها، هو حماية الطبيعة من الاستغلال المفرط لخيراتها ومن التلوث الناتج عن الحياة الصناعية. والقضاء على أسلحة الدمار الشامل والوصول للسلام الدائم بين البشر وتصحيح الأخطاء التي وقعت فيها الحضارة الغربية ضد الحضارات الأخرى وعدم التدخل في شؤونها الثقافية والسياسية. فإن قدم كتاب لوك فيري إجابة معتدلة، فإن الفيلم أعلاه قدم إجابة متطرفة، والهدف واحد هو حماية الكرة الأرضية دائما من عجرفة الإنسان، فهل حقا المتطرفون الإيكولوجيين على حق؟ يجب القضاء على البشر لتنعم الكرة الأرضية بالسلام؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة