أحمد زيدان
أحمد زيدان
1.4 k

أطفال الشمال المحرر.. هل يوجد براميل متفجرة في اسطنبول؟!

1/9/2019

بينما كنت في طريقي إلى مسجد القرية بالشمال المحرر، كان أمامي فتيان من أقاربي يلهوان ويلعبان ويتراكضان، ويتمازحان، وما إن بلغتهما حتى سلّما عليّ، وسألاني مباشرة كيف الجو في اسطنبول؟ رددت عليهما ما تقصدون بالجو، كان الرد سريعاً وصاعقاً بالنسبة لي نقصد هل يوجد براميل متفجرة في اسطنبول، هل يوجد قصف روسي ومليشيات إيرانية وطائفية هناك تُرغم الأهالي على النزوح؟!، كانت الأسئلة والتساؤلات سريعة وواضحة كمن حفظ قصيدة شعر ليتلوها أمام لجنة تحكيم طالما انتظر جائزتها.

 

نظرت في عيون الأطفال، فقلت لهم لا شيء من هذا هناك، فهذا شيء خاص بالشام والعراق واليمن ربما، كل ما استأثر باهتمامي وتركيزي لحظتها أن الطفولة بالشام لا تفكر بأكثر من الأمن والأمان، لا تفكر بأكثر من غياب الطيران عن سمائها، أصبح كل طائر يطير فوق رأسهم يصدر صوتاً قريباً من الطائرة عدو، لم يعد الطفل في المحرر يفرق بين طائرة السفر وطائرة الاستطلاع والمروحية صاحبة البراميل المتفجرة.. الكل غدا عدواً، وخرج عن دائرة الصداقة، لم يعد يثير اهتمام الطفل الشامي الحدائق والألعاب وديزني لاند ونحوها من الألعاب التي يطمح ويأمل بها الأطفال، غدا جل همهم هو الأمن والأمان والعيش بسلام، فما سواه رفاهية لا يقوى عليها الطفل الشامي اليوم، بله يفكر فيها.

  

لا يود الشامي أن يطل على أحد بعد أن رأى خذلان الكل له، فما فائدة أن يكون لك جارٌ قد جار عليك، أو لا يقوى على الوقوف إلى جانبك

بعدها بيوم أو يومين كانت طائرات الاحتلال الروسي تقصف بلدة تفتناز الحبيبة، وكان القصف بصواريخ ارتجاجية اهتزت له مدينة إدلب الواقعة على بعد أكثر من 13 كم، كان طفلي أسامة البالغ من العمر خمس سنوات قد تسمّر في زاوية من زوايا البيت، بعد أن حشر نفسه في داخلها، فهو لأول مرة يجرّب هذا النوع من الإجرام، ذهوله وصمته وتحديج عيونه في المجهول تحكي ملفات ومجلدات، هو نفسه حال الطفولة في الشام، ربما بعضهم اعتاد على الأمر حتى جعل الفتيين الذين التقيتهما في طريقي للمسجد أن يظنان كل الظن أن لا بلداً آمناً، فليس هناك من لا تطاله البراميل المتفجرة، وأن كل البلدان هي الشام بالنسبة لهم، وأن الطفولة هي ذات الطفولة الشامية.

 

لا أحد يتحدث عن الخسائر الغامضة المظلمة البعيدة كل البعد عن الخسائر الواضحة من جرّاء الإجرام الروسي والإيراني وذيلهما في الشام لثماني سنوات، الخسائر المظلمة المجهولة هي الخسائر التي لحقت بالطفولة الشامية، فالخوف والفزع والرعب لا يمكن قياسه، فلا مقياس له اليوم، ما دام السوريون مشغولون بالخسائر الواضحة، من تدمير لبيت ودفن لشهيد، وإسعاف لجريح واستعداد لتهجير ورحيل بعيداً عن الوطن في رحلة تغريبية شامية لم يسبق أن عرفها العالم.

 

فمدارس الشمال المحرر غدت تحت الأرض بعيداً عن كل ما ينالها من قصف وتفجير ونحوه، وكذلك مشافي المحرر وكل مؤسسات المحرر، فأغلى المباني هي التي تكون تحت الأرض، والتي تكون بعيدة عن إطلالات الشوارع ونحوها، لتكون بذلك بعيدة عن القصف والإبادة، لا يود الشامي أن يطل على أحد بعد أن رأى خذلان الكل له، فما فائدة أن يكون لك جارٌ قد جار عليك، أو لا يقوى على الوقوف إلى جانبك، حينها فالأفضل هو أن تقفل عليك بابك وليسعك بيتك المستهدف من العالم كله، باختصار إن الطفل الشامي يعيش حياة غير طبيعية، فهو إما يستعد لقصف أو يتعافى من قصف، أو يستعد لتهجير.

 

نعود إلى ديار الهجرة فتكون الكارثة من نوع آخر وهي أن تتعافى من هدير الطائرات، فأول ما شاهد طائرة سفر فوقه كان سؤاله الطبيعي بالنسبة له والمفاجئ بالنسبة لنا هل ستقصفنا؟! فمن سيعيد الثقة لطفلي أسامة، ومن معه بأن من يُحلّق فوقه من طائرات هي صديقة وليست عدوة، وأن هذه الطائرات لن تقصفه، ربما سيستغرق وقتاً، تذكرت هذا يوم كنت أعود من تغطياتي الصحافية للحرب في سوريا حيث كنت أحتاج أياماً حتى أعتاد على هدير طائرات صديقة، لقد غدت كل الطائرات فوق السوري عدوة وعدوانية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة