أمين أمكاح
أمين أمكاح
6.5 k

المتمسك بحبل الدعاء لا يخيب

1/9/2019

لو عدنا إلى الوراء قليلا لوجدنا أن المتمسك بالدعاء كانت له مجموعة من الطموحات والأماني الصعبة المنال في العقد المنصرم، لكنه استسهل من صعوبتها لا لشيء إلا لكونه موقن أن العلي القدير خير معين له على ما يرجوه بعد الأخذ بالأسباب اللازمة، ولاعتقاده الجازم بأن أمر دعائه بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يُكَفّر عنه، وهذا يستدعي الإيمان التام بقدرة الله وحده على مد العبد بالتوفيق الذي يجعله يسعى إلى ما يبتغيه بشتى الطرق المشروعة، وحتى هذه اللحظة ستجد أنه قد تحققت عدة أمور كانت من المستحيلات لولا توفيق الله الذي يزداد منسوبه بالتمسك بالدعاء، بل وتجددت لديه طموحات أكثر صعوبة إلا أن نفسه تمني تحقيقها بكل ثقة في المقتدر، وما يساعده أيضا على القيام بذلك وإنجاز المهمة العويصة بنجاح هو توفره على عزة نفس تجرده من التعلق بالخلق، فلا يبحث عن غير الله ليسانده ولو في شده حاجته وضعفه، لأنه الأقدر على إزاحة الاعتراك الدنيوي المنهك من مشواره الحياتي، وإبعاده عن كل ما يؤدي إلى  قضاء زمن طويل في بلوغ أمانيه وكل ما يطمح إليه.

 

لماذا لا يخيب المتمسك بالدعاء؟

أحوال الإنسان في تقلب مستمر على مدار حياته فوق هذه البسيطة، ولعل التغيير الفجائي الذي يقع له يكون نتيجة لتصادمه بمواقف قاسية هو الذي يظهر محدودية قدراته ويبرز نقائصه بشكل واضح، إذ لا يستطيع المرء السير في طرق الخير والرشاد بثبات لوحده من دون ملازمة الدعاء؛ بسؤاله الله وطلب العون والسداد منه وغير ذلك مما يقدر عليه وفي مِلكه وحده، وتجدر الإشارة إلى أنه من أكثر ما يمنع المتمسك بالدعاء من التعرض للخيبة استخارته لربه في كل أموره، والتضرع له من دون الشعور باليأس جراء تأخر الاستجابة نظرا لوجود أمل كبير في لطف الله الواسع، وتعلق روحه بالديان يزيد من قوة إيمانه بتحقق ما يرجوه، خصوصا وأنه يعلم يقينا بأن أي تأخير في نيل مراده فيه مصلحة له، واستعجال الاستجابة يعتبره من سوء الأدب مع خالقه.

 

الخالق سبحانه خلق هذه الحياة الفانية بنظام السبب والمسبب، وأوجب على خلقه العمل في هذه الدنيا وفق ذلك النظام، فمن ألغى الأسباب تعدى على شرع الله وقدره

إن تأخر أمد تلبية الدعاء لا يعد علامة على عدم قبوله، ومن الجهل المعيب أن يخفى على الإنسان مثل هذا، وليست الاستجابة على عجل أهم شيء بقدر ما أن الأهم حصولها في الوقت الذي تكون فيه أنفع، أي أن المطلوب منا القيام بالدعاء وانتظار تلبيته وفق مراد الله الذي لا يريد لعباده إلا الخير، فالمحروم هو الذي لا يلجأ للدعاء مع أنه مما يجلب التيسير والتوفيق، في حين أن الذي تتأخر عنه استجابة الله لدعائه ليس محروما وإن كان ملحاحا في ذلك، وامتلاك القدرة على الصبر وعدم الاستعجال يتطلب الانقياد التام لله والتسليم والتفويض له قولا وفعلا مع إظهار الافتقار له والحاجة إليه.

 

ولا يخيب المتمسك بالدعاء للجوئه الدائم لمن ييسر أمره ويفتح له أبواب الخير ويغلق عنه منافذ الشرور والمساوئ، كما يدفعه ذلك إلى حسن التوكل والإقبال على الله، الأمر الذي يملأ صدره بالانشراح، ويُذهب الهم الثقيل عنه، ويزيل الشك والتردد من عقله، ويبعد وسوسة الشيطان عن قلبه، فالمتمسك بحبل الدعاء متيقن من الاستجابة الربانية، وهذا بالذات ما يعلي من همته ويرفع من سقف طموحاته، ويزيد من إمكانياته التي تعينه على الأخذ بالأسباب لبلوغ المراد بكل أريحية، كما أن التمسك بالدعاء يضمن السكينة القلبية والطمأنينة الروحية، وقد لا ينقص المرء غير ذلك ليجد ضالته ويصير الشخص الذي يريد من دون ما أن يخرج عن دائرة رضا الله الذي يعين على حل مسائله الشائكة وقضاء احتياجاته.

 

ويبقى الدعاء وحده من دون الأخذ بالأسباب أشبه بالمقامرة، وغير كاف لضمان حصول ما يتضمنه الدعاء المرفوع إلى لله؛ فالخالق سبحانه خلق هذه الحياة الفانية بنظام السبب والمسبب، وأوجب على خلقه العمل في هذه الدنيا وفق ذلك النظام، فمن ألغى الأسباب تعدى على شرع الله وقدره، والتطلع لأي أمر بدون طلبه من الله قد يجرد الخيرية منه، فلربما يكون ما تطلبه يحوي شرا خفيا لك أنت غير مدرك له، والفارق بين المتمسك بالدعاء وغيره أنه عندما لا يحصل ما كان يرجوه المرء ويعجز عن بلوغ طموحاته في الظرف الذي يريده لا يتخلى أبدا عن الدعاء مهما ساءت الأحوال وتعقدت، على نقيضه نجد غير المتمسك بالدعاء سريع الانهزام والاستسلام لأمر الواقع ويخيب ظنه كثير باستعجاله استجابة دعائه.

 

إن التعلق القلبي بالله مرهون بالدعاء له والحاجة إليه في الشدة والرخاء، فقد خلق الله الدنيا دارا للابتلاء لهذا فهي لا تخلو لأحد من التمحيص الرباني، فلا تظن أنها ستصفو لك أو لغيرك لمجرد الدعاء وحده، وهذه ليس دعوة للتخلي عن سؤال الله بقدر ما هو توضيح لحقيقة من حقائق الدنيا؛ كي لا يقع المرء في السخط المذموم بسبب تأخر استجابة دعائه، فيعرض عن الدعاء لله؛ ليفتح بذلك بابا إبليسيا كان بمعزل عنه، ويحدث هذا الأمر المسيء للذات الإلهية عندما يقع نوع من عدم الرضا عن تعامل الله مع الفرد بقضائه وقدره الذي يظن أن فيه ضرر كبير عليه، كما أنه لا يحتسب أجر ما حصل له عند الله، واستمرار ذلك مما يختم على القلب ويخل بإيمان المرء فلا يصبح بعد ذلك ممن يعتقدون بأن ما عند الله خير وأبقى، وخلاصة القول أنه لا يوجد أي باعث حقيقي ليتخلى الإنسان عن الدعاء بمجرد تعرضه لابتلاء لم يستحمله قلبه.

 

ماذا تنتظر لكي تصيرا متمسكا بالدعاء؟

الحمد لله الذي لا يخيب من يقصده في حاجة ويتوجه إليه وحده بالدعاء، وسبحان اللطيف الذي يتعامل مع الذي لا يستغني عنه بأحد دونه بمنتهى الفضل والإحسان، ويتيح له تقديم طلباته وشكواه في كل وقت وحين طوال حياته، ويسمع لغمومه ومسائله واحتياجاته، ويصغي إلى نجواه ويلبي رغباته، فلا يبخل أبدا عن المتمسك بالدعاء في كل ما تم ذكره، وحشاه أن يحتقر جل شأنه المتضرع المحتاج إليه، فهو خير مستجيب لمن يتوجه إليه بالنداء وطلب الحاجة، ولا يمكن أن يزرع الله اليأس في قلب من يتمسك بدعائه ويلتمس منه عطاء وإحسانا بإلحاح، وإن انقطعت به الأسباب ولم يبقى لديه منها شيء، وبالرغم من بذل أقصى جهده في تحصيل ما طلب وبلوغ ما أراد.

 

لكي تصير متمسكا بالدعاء يلزمك أن تخلص في ذلك قبل كل شيء؛ بألا تناجي سوى الله، وألا ترفع الشكوى لغيره، وألا توجه سؤال الحاجة والطلب إلا له، ومن المؤكد أن هذا مما يحبه ويرضاه، ويصدر الإخلاص كثيرا ممن يصر على بلوغ مراده ضمن الأسباب المشروعة بعيدا عن أي اعتراض على القدر وسوء الحظ، والتمسك بالدعاء لا يكون من دون اعتباره أنجع وسيلة لتيسير أمر العبد وتوفيقه، ولكونه أيضا من أمارات الإيمان السليم والتمسك الصائب بمن لا يخيب الرجاء فيه، لهذا نجد أن المتمسك بالدعاء لا يخيب ويستمر في الالتجاء إلى الله، بالرغم من بذله ما في وسعه من أسباب لقضاء حاجته، واستخدم كل امكانياته وطاقاته في ذلك إلا أنه لم يصل إلى مبتغاه، بل وربما قد تغلق أمامه كل السبل التي التجأ إليها.

 

إن كل الأمور التي تشغل بالك وتحلم بها بين يدي المنان وحده؛ وإن بدت لك أنها في تصرف وإرادة خلقٍ من خلقه، فتدبير الخالق فوق كل تصرف بشري وإرادة إنسانية كيفما كانت، لهذا الزم الدعاء في كل أمورك التي فيها صلاح لك، وليس فيها أي مساس مسيء لطرف ما ولو بأذية غير مقصودة، فلا يعاب أحد بتعلقه بأمر فيه خير له في الدارين، لأن ذلك يتضمن بشكل صريح تحقيق رضا الله واجتناب سخطه المؤدي لعاقبة السوء؛ فتمسك بالدعاء مع الأخذ بالأسباب لبلوغ مرادك سواء تعلق الأمر بشأنك الأخروي وكل ما يرتبط به أو كان الأمر متعلقا بعرض من الدنيا، ولتعلم أنه بمجرد سؤالك الله بأن يقدر لك الخير في أمرك كله، هو من حسن تفويض أمرك، وإياك أن تنسى أن الله هو خير معين لقضاء حاجتك التي تظنها عويصة المنال، ومهما بذلت من وسع وجهد وعجزت، فلا تجعل ظنك السيء يغلبك فتخيب ويجد اليأس مكانا في قلبك ليركن فيه، لهذا اربط فؤادك على الدوام بالذي تنقطع من دون اللجوء إليه الحيل.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة