حرزالله محمد لخضر
حرزالله محمد لخضر
104

الحراك الشعبي الجزائري بين عُصَب الفساد والمعارضة الراديكالية

11/9/2019

إرتأيت أن أَخرج في هذا المقال عن المعهود، لأكتبه بأسلوب مُسَجّعٍ مَعْقُود، على منوال مقامات الحريري، وبديع الزمان الهمذاني، "وإن لم يبلغ الظالع فيه شأو الضليع" دفعا للسآمة، وترويحا عن القُرَّاء وذوي الفهامة، وقد اخترت له من الأسامي السّنِية، عنوان المَقامةُ الحَرَاكِيّةُ. يواجه الحراك الشعبي بالجزائر أصعب مَرَاحِلِهِ، مع مرور الزمن وتآكُلِه، وجمود الحياة السياسيّة، واستعصاء الحلول التّوافقيّة، ومع تقدم مسار المحاكمات، وافْتِضَاحِ ما اسْتَتَرَ من الفاجعات، يكتشف الشعب أن بلاده كانت مُختَطفَةٌ، وبجرثوم الفساد مُرتهنَةٌ، من زمرة فاسدة جَهْلَاءَ، خائنة لضميرها وشعبها وأمانة الشّهداء، فعندما يحتضن سجن الحَرّاشِ، مُسْتوْدَعُ الفَسَدَةِ الأَوْباشِ، رئيسيْن للحكومة، وفَيْلَقًا من الوزراء بما فيهم وزير العدل والحقوق المهضُومَة!

ورُؤساءَ أحزابِ الموالاة، ولَفِيفًا من رجال المال والجاه والمحاباة، الذين نهبوا قروض المشاريع الوهميّة، من خزينة الشعب العموميّة، وكذا شخصياتٍ عامة من المقربين، أساءت استغلال وظيفتَهَا طِيلَةَ العَقْدَيْن الفَارِطَيْنِ، إضافة إلى مسؤولين عسكريين، أُحِيلُوا على المحكمة العسكريّةٍ، بِتُهَمٍ خطيرة أمنيّةٍ، فعندما نشاهد كل ذلك، ندرك حجم المؤامرة التي حِيكَتْ في الحَوَالِكِ، ضد الشعب لتُورِدَهُ المهالِك، وتفترس ثرواته وكل الممَالِك، ولِتَسُومَهُ العذاب واللّظَى، وتُجرّعَه مَرارة الأسَى، وشَظَفَ العيشِ والبِلَى، وتُودع قلبه جمرَ الغَضَى، ومع قلة ذات اليد، وعُسْرَ المعاش والمدَد، ضاقت عليه الواسعة بما رَحُبَتْ، وأَلَمّتْ به الشّهْباءُ بما جَمَعَتْ، فلم يجد شبابُه إلا البحر الخِضَم، مهربا من البلاءِ الأعمِّ، والألمِ المدْلَهِمِّ، فأَنِسَ بالغربةَ والظّعَنِ، حين اسْتَوْحَشَ في الوطن، ومن لم يَسْنحْ له القدر المقْدُور، بالهَجْرِ والفرار والنُّفُور، مات كَمَدًا أو عاش قهرا من الضَّرَر، أو ارْتمى في أَتُونِ الجريمة ليَقتُلَهُ الخَور، فلا سكن ولا عمل ولا طموح ولا نَظَر، فتعاظمت الجريمة ومشاهد الانتحار بالحَرْقِ، أو التّردي بحبال الشَّنْقِ، تحت سُعَارِ الفقر والبِطالة، وغياب الحقوق والعدالة، كل هذا وأكثر كان يحدث في الوقت الذي استَحَلّ فيه الأفّاكُون المحارِمَ، واعتبروا أموال الشعب مَغَانِمَ، ونصبوا لكل من عارضَ المحاكِمَ، فجَارُوا وسَطَوْا، وفسقوا وبَغَوْا، وطغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، وربك لهم بالمرصاد.

هناك بقايا سلطة من آثار العهد البوتفليقي، وعصابةٌ مُسْتَكِنّةٌ خلف أسوار الأحزاب والمنظمات، وحتى الوزارات، تتوارى حينا عند الانتباه، وتُبرِز قُرُونَها طَوْرًا لحظةَ الانتفاخ، وهي لا زالت تتراقص على آمال الشعب الجزائري

إن هذه الموبقات العِظَامِ، والجبال الرّاسِيات من الآثام، لهي بلا أدنى رَيْبٍ ولا لِثَام، جُرمٌ يَرْقَى للخيانة العُظمى، ويَسْتَوْجِبُ محاكمة رأس الأفعى، وزعيمِ الفسادِ، بَاسِطِ القُبحِ في كل نادٍ، أيْ نعم؛ هو بالذات! من تَعْلَمُونَ وأَعْلَمُ، وتَفْهَمُونَ وأَفْهَمُ، الرئيس المعزول والمبْتُور، بإرادة الشعب الغَيُور، التي قدرها مالك الملك الذي لا يَبُور، هذا الرئيس الذي أسّسَ لتَعْوِيم ثقافة الفساد، في مؤسسات البلاد، وكوّن طبقة سياسية وظيفتها الكبرى، وغايةُ مُنْيَتِها القُصوى، ليس التغيير والإصلاح والنَّمَا، ولا إرضاءَ رب العُلى، بل تقديمُ الولاء لشخصه الأوْهَى، والتمكين السياسي لأركان حُكْمِه، والترويج الكاذب لمشروع برنامجه، الذي اتّضَحَ أنه لم يكن سوى زَيْفًا، وَوَهْمًا مُلَفَّقًا وحَيْفًا.

ومن جهة أخرى، تتخذ بعض أطياف المعارضة تَوَجُّهًا راديكاليًّا، ومَنْزَعًا دُوغْمَاتِيًّا، في التعاطي مع عملية الانتقال الديمقراطي، والإصلاح السياسي، دون تقديم مبادرة أو بديل ذي جَدْوَى، من حيث الموضوعُ والآلياتُ والفَحْوَى، فتُحاولُ من خلال أُطْرُوحَاتِها، وأفكارها وشِعَارَاتها، الدفعَ نحو تَأْزِيمِ الأوضاع وانْفِلَاتِهَا، بِغَلْقِ منافذ الحل التّوافقي، ووَأْدِ أَيْ آفاق أو مخارج للوفاق الجماعي، فتَتّسِمُ تَوَجُّهَاتُها غالبا بالتعنّتِ والصّدَاميّة، والتعصب للرأي والأحادِيّة، والسعي لتفكيك المؤسسات الوطنيّة، بتأجيج النّزَاعَاتِ والعَصَبِيّات، وتوجيه وتَحْوِيرِ المطالبات، مما أدى إلى إرباك القوى والإرادات، ولا شك أن هذا مَسْلَكٌ خطير، ومآله غير خَافٍ على كلِّ بصير، ذي مِرَّةٍ وعقل مُنِير، قد اكْتَوَى بنار التسعينات فهو بها خبير، فشِدّةُ العنفِ قد تدفع بالبلاد والعباد نحو البَلَاءِ، وتَحْرِمُ الجميع ثمرة الجهاد والبِلاءِ، فيكون حَظّهُم الإفلاس والعَيَاء، أو الإرتكاس نحو عهود الشّقَاء، فالسياسة لا بد لها من الكِيَاسَة، والإصلاح يتطلب الحكمة والمصابرة والكفاح، والنصر لا بد له من الإجتماع، على الحق والصدق والإتّباع، وَوَعْيِ الناسِ لا كثرةَ الأتْباع، والتمكينُ في الأرضِ، يَسْتَوْجِبُ تحقيق الواجبِ والفَرْضِ، وتطهيرَ القلبِ واليدِ والعِرْضِ، حتى لا يكون السّعي مَبْتُورا، ونضال الشعب مَدْحُورَا، فيذهب هَبَاءً مَنْثُورا، أو يكون كمن نَقَضَتْ غَزْلَهَا من بعد قوة أَنْكَاثًا فيَدْعُو يومها ثُبُورَا.

وفي المقابل؛ هناك بقايا سلطة من آثار العهد البوتفليقي، وعصابةٌ مُسْتَكِنّةٌ خلف أسوار الأحزاب والمنظمات، وحتى الوزارات، تتوارى حينا عند الانتباه، وتُبرِز قُرُونَها طَوْرًا لحظةَ الانتفاخ، وهي لا زالت تتراقص على آمال الشعب الجزائري، وتَتَحَيّنُ فرصة العودة الحقيقية، لتَذْبَحَ حُلْمَهُ عند ضَرِيحِ الحُريّة، الذي نصبته بين أَوْكَارِ الإستبداديّة، لِتَتَبَرّكَ به في مواسم الإنتخابات، أو عند زيارة الوفود والرسْمِيّات، وهي إلى اليوم لا زالت تمارس هوايتها المفضّلَةِ، وخَسِيسَتَها المقَزّزةِ، من التَّزَلُّفِ والنفاقِ السياسي، والتَّطْبِيعِ والتطبُّعِ وفق أهواء المتغلّبِ الأساسي، فالطبع يغلب التطبُّعَ دومَا، ومن جُبِلِ على العبودية حَسِبَ الحريّة سُمّا، إذ لا يمكنها أن تَتَحَرَّرَ من طبيعتها المعجونة بمادة الخبث والفحش السياسي، والذي تحبه أن يشيعَ في الوسط الاجتماعي، لتَقْتَاتَ وتَعْتَاشَ على ظهر كل أَرْعَنٍ غَبيّ، لا يميز بين غَدَّارٍ وتَقِيّ، وناصحٍ وغَوِيّ، وأمينٍ وشَقِيّ، فيَظنُّ أن الفاسد قد يُفْلِح، وبعونه الحل قد يَنْجَح، والحِوارُ يَسْطَعُ نورُه ويَفْضَح، فقد يَتَضَوّعُ من الحَنْظلِ العبقُ الأفْوَح، وقد تفرز الأفعى العسلَ الأمْلَح، ويزهو المرّيخ مَعْ عُطَاردٍ ويَمْرَح، ويَزْدَهِي الثّعلبُ مَعَ الغزال ويَسْرَح، وقد يصدق الكذوب وبالحق يَصْدَح، ويَنْصَح اللّئِيمُ وبالفهم يَقْدَح، ولكن الله الذي "يعلم المفسدَ من المصلح" قد أبان وأفصحَ، وبالحق أوضحَ: "إن الله لا يصلح عمل المفسدين"، "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغَدَاةِ والعَشِيّ يريدون وجهه ولا تَعْدُ عيناك عنهم". 

ولا غَرْوَ من صنيعِ هذه الفئات المأْفُونَةِ، ذات الخِلال السّامِجَة المعْفُونَةِ، التي تَرَبّتْ على التَّمَلُّقِ لبُوتَفْلِيقَةَ سِنِينَ، وفَعَلَتْ فِعْلَتَها الخَبِيثَةَ وكانت من الماكرين، فهي تُناور وتمدُّ بخَيْلِهَا ورَجْلِهَا ووَعْدِها الغَرُورِ، لتَسْتَرِدّ حَظَّهَا المحْظُور، وزُخْرُفَهَا الفَانِي والمهْدُور، فتَسْتَعِيدَ أنْفَاسَها لِتُحَصّل نَفَائِسَهَا، وتَسْتَرْجِعَ قُوَاها لتُعِيد أَقْوَاتَهَا، فتَكْذِبَ وتُخلف وتَتَمَطّى، ثم تُدْبِرُ كالأشْقَى، لتعود إلى سِيرَتِها الأولى، وكفى بذلك عبرةً لأولي النُّهَي. وبين كل هؤلاء يُكْتَبُ على الشعب الَحزين، بَعْدَ مَا كَابَدَهُ مِنَ الأَنِين، أن يُصَاوِلَ جَحَافِلَ من الفاسدين والمنْدَسّين والمتربصين، الذين تَعَوّدُوا على خَطْبِ وُدّهِ، والتَّحَذْلُقِ لكَسْبِ صَوْتِه، لِيَجْعَلُوا مِنْهُ حَطَبًا يُضْرِمُونَ بِهِ نِيرَانَ الوَغَى، فيُرْضُوا أنانيّاتهمْ وشَهَوَاتهم التي لا تَفْنَى، ولو على حِسَابِ الوطن والقِيَمِ وثَوَابِتِهِ الُحسْنَى، حتى يَصِلُوا بِهِ لمآرِبِهِم، فَيَجعلون منه الوسيلة والضَّحِيّةَ لمصَالِحهِم، ولا عَزاءَ حينئذ للغَوَافِلِ، ولا يَنفعُ العَوِيلُ عند مَعْمَعَةِ الصّوَائِلِ.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة