ياسر سليمان أبو غليون
ياسر سليمان أبو غليون
2 k

وسيلة الغلابة.. لماذا أعلن السيسي الحرب على التوك توك؟!

11/9/2019

بمعدل يومي يطل علينا رجل الأعمال المصري محمد علي الصندوق الأسود للعسكر والمنشقة عنهم، والهارب لإسبانيا ليعري نظامهم، مكتسبا خصوصية فريدة بعد عمله في المقاولات مع الدولة المصرية والانقلابين لمدة 15 عاما، ويكاد بالتالي أن يكون استنساخا لحسين كامل المجيد وزير التصنيع العراقي الأسبق، الذي فر عام 1995 إلى الأردن وطلب اللجوء السياسي، هذا النظام الذي يتبجح بمقولة احنا فقراء أوي يتحتم علينا استكشاف حيثيات ودوافع تخلصه من التوكتوك.

  

نظرة عامة

التوكتوك سيارة صغيرة مفتوحة بدون أبواب تستخدم محركا صغيراً، وهي وسيلة نقل رخيصة في الضواحي والمناطق الشعبية في المدن، وهي الحل العملي للأزمات اليومية في الأماكن والشوارع الفرعية الشديدة الضيق التي لا تستطيع السيارات دخولها.

 

يأتي محرك البنزين فيها بصورة اقتصادية جداً بسلندر واحد سعة 400 سي سي، ويحتوي التوكتوك صندوق تروس بسيط شبيه بالموجود في الدراجة النارية، وفي هذه المركبة ذات العجلات الثلاث غيارات عكسية لإرجاعها للخلف، ومن هنا لاقت رواجا في البلدان الآسيوية، وبعض البلاد العربية، كوسيلة للنقل العام تتسع لراكبين أو ثلاثة في المقعد الخلفي، كحد أعلى للطاقة الاستيعابية، بالإضافة للسائق في المقدمة، وقد ظهرت لأول مرة في شوارع مصر قبل نحو 14عاما، قادمة من الهند.

 

نظام القيادة في التوكتوك يعتمد على المقود الشبيه بذلك الموجود في الدراجة، وتطورت هذه المركبة كمرحلة متقدمة عن وسيلة الريكاشة اليابانية القديمة ذات العجلتين، التي يجرها السائق إلى أن وصلت لتلك المزودة بترس وبدالين يشبهان عمل الدراجة، ثم سرعان ما أضيف إليهما المحرك، حتى وصلت إلى الشكل المتعارف عليه حاليا، واقتبست كلمة توكتوك من اللغة التايلندية، إلا أن البعض يرجح أنها مستمدة من الصوت الصادر عن الماكينة عند تسارعها.

 

من أول الشركات المنتجة للتوكتوك هي شركة باجاج الهندية، ثم الشركات التايلاندية، وقد ظهر التوكتوك مع مطلع القرن التاسع عشر في الدول النامية ذات الكثافة السكانية كأحد الحلول للبطالة، أما في بلادنا العربية فبدأ ظهوره بعد العام 2000 كحل للتنقل في القرى والأماكن الصغيرة، ثم زحف نحو المدن الكبرى.

   

   

في عام 2008 تم ترخيصه، وتحديد أماكن سيره مع إلزامه بالابتعاد عن الطرق السريعة والمدن، وقبل أربعة أعوام أقر قانون يصادره في حال عمله دون ترخيص أو لوحة معدنية، وظهرت آخر احصائية بتعداد يقترب من أربعة ملايين، إلا أن المرخص منها بحدود مئة ألف فقط، ويبدو أنه تم التوسع في استخدامه، فأصبح يسير على الطرق الرئيسية و الفرعية على حد سواء.

 

تستعد دولة العسكر للاستغناء عن التوكتوك نهائيا في غضون ثلاث سنوات، بمشروعها المتضمن استبداله بالميني فان الذي يتسع لسبعة أفراد، ويعمل بدورة بوقود مزدوج: بالبنزين والغاز، ولو كانت صادقة لجعلته يعمل بالكهرباء، وبالعودة للتوكتوك فإنه يستهلك نحو 55 في المئة من بنزين 80، بمتوسط استهلاك يومى خمسة ملايين لتر، مما يعنى أن هناك حوالي 4 مليارات جنيه تصرفها الدولة فى صورة دعم للمواطن، على وقود لا ترى أنه يستحقه، ويمكن القياس عليه بالنسبة للغاز، فالدولة في مركبة المينيفان لاتتحمل شيئا!

 

شيطنة التوكتوك
لسنا هنا ضد التطور والعصرنة، ولكن ينبغي حفظ أرزاق ملايين الفقراء، ولو كانت الدولة صادقة تحرص على أرواح الغلابة، لقامت بتطوير السكة الحديد، ولمارست دورها

جاءت الفكرة مثار الجدل متأخرة كثيرا، بعد أن أصبح التوكتوك جزءا لا يتجزأ من حياة المصريين، فلا يمكن ايجاد بديل عنه بعد الوصول لطريق اللاعودة، وتسطيح الأفكار بالزعم أنه يفتقد للتوازن بعجلاته الثلاث، وأنه غير حضاري وغير مرخص، ويتسبب بالجرائم والتهريب والأزمات المرورية، وقد يتعرض للسرقة بسبب عدم تنميره، واستخدامه في عمليات الخطف وسرقة الحقائب وغير ذلك، علاوة على النظرة الطبقية له، والترويج لكونه لا يتطابق مع المواصفات الأمنية، وضعف صلابة هيلكه الخارجي، وعدم وجود أبواب أو أحزمة أمان، فهل ستزول الجرائم بذهابه؟

 

التوكتوك في الميزان

يعد وسيلة مواصلات فعالة ومريحة ومناسبة لشريحة كبيرة من المواطنين، ويعيل أسرا تعدادها عشرة ملايين، وحقيقة الأمر أنه يوفر مليوني فرصة عمل، عن طريق التجار والفنيين العاملين على إصلاحه، وتجار قطع الغيار والزيوت، والعاملين فى مصانع تجميعه، و30 مليون مواطن يستخدمونه في تنقلاتهم، ويمكن إيجاد حلول بديلة للتعامل معه بدلا من التخلص منه نهائيا.

 

ومن الواضح أن الدولة تنظر له كصفقة خاسرة لا تدر عليها شيئا من جيوب الغلابة، في حين أن دولة نووية كالهند مثلا لم تحله للتقاعد، بل قامت بترخيصه وترقيمه وتحصيل الضرائب من سائقيه وفحص ملفاتهم، وفرض غرامات على المخالفات كرفع الصوت مراعاة لراحة الركاب، كما أن بريطانيا عممت تجربة التوكتوك الأخضر الصديق للبيئة في ليفربول، في نهاية شهر آذار من هذا العام.

 

ومن المعلوم أن العديد من المناطق المصرية والقرى المنعزلة وشوارعها غير ممهدة أصلا، ولا تصلح لسير السيارات عليها، بينما يمكن للتوكتوك أن يقطعها بسهولة، ويصل إليها صيفا وشتاء، فما السبب وراء التقصير بحقه منذ البداية، وعدم وضع قواعد وقوانين تنظم عمله بشكل محدد؟ ولعل أبرزها اسم المالك وعنوانه ورقم بطاقته القومية وهاتفه ورقم المركبة ومستند ملكيتها، وبيانات الصنع.

 

لقد أثار قرار الاستبدال قلق ملايين المصريين، كونه مصدر رزق للعديد من الفئات المسحوقة في العشوائيات المصرية، ونظراً لانخفاض سعره مُقارنة بوسائل المواصلات الأخرى، ومن ناحية اقتصادية فثلاثة من سيارات التوكتوك تعادل واحدة من المينى فان، وبالتالي ايقاعهم في قروض جديدة لعدة سنوات بأقساط وفوائد ربوية، عبر صندوق في وزارة المالية، يمنح هذه القروض، والدفع يمتد من 5 إلى 7 سنوات.

 

ولسنا هنا ضد التطور والعصرنة، ولكن ينبغي حفظ أرزاق ملايين الفقراء، ولو كانت الدولة صادقة تحرص على أرواح الغلابة، لقامت بتطوير السكة الحديد، ولمارست دورها كما أشار إليه سائق التوكتوك الشهير مصطفى عبد العليم في اللقاء التلفزيوني في الشهر العاشر من عام 2016، حين أبدى حزنه على أمجاد مصر يوم أن كانت مسؤولة عن كسوة الكعبة المشرفة، ويوم كانت اليابان والمملكة المتحدة تستدينا منها، ويوم أن كانت تحوز أكبر احتياطي نقدي عالمي، ويرسل إليها الآخرون بعثاتهم لدراسة نهضتها!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة