صالح الأنور
صالح الأنور
2.8 k

محمد علي واستراتيجية الضربة القاضية

12/9/2019

لم يكن أحد يتوقع أن يخرج تلفزيون النظام المصري ليدفع عن الجيش اتهامات السرقة، والفساد، أو أن يخرج مذيع أو كاتب رأي ويتطرق بشكل أو بأخر إلى مشاريع الجيش واستثماراته، حتى ولو تلميحا، خرج علينا أحمد موسى، بوق النظام، مستضيفا والد رجل الأعمال محمد علي لينفي عن الجيش ورجالاته تهم فجرها ولده، عبر الفضاء الإلكتروني الواسع لتثير أزمة تاريخية، استنفرت على إثرها أجهزة الدولة قاطبة.

   

ناشد موسى المصريين في حلقات منفصلة، بالزود عن الجيش ومساندته في حربه ضد الإرهاب، وكتابة كلمات مؤيدة للقيادة العسكرية عبر صفحات التواصل الاجتماعي، بخلاف دفع شقيق محمد علي إلى تسجيل فيديوهات تقدح في مصداقيته وتتهمه بنهب ميراث شقيقهما، معتبرا أن تلك الفيديوهات بمثابة حرب ومخطط لهدم الجيش المصري الذي يمثل حائط الصد لقيام الدولة المصرية، واشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا بفيديوهات وتصريحات رجل الأعمال المصري محمد علي الذي كشف فيها عن وقائع مفزعة عن حجم الفساد في مشاريع نظام السيسي بإهدار المال العام عبر الإنفاق على مشروعات تستهدف مصالح وأغراضا شخصية ومجاملات لصداقات قديمة، دون دراسة جدوى أو فائدة اقتصادية.

   

ووجه محمد علي اتهامات بسرقة أموال الشعب للسيسي وزوجته واللواء كامل الوزير الرئيس السابق للهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وقيادات عسكرية أخرى، بينها اللواء عصام الخولي مدير إدارة المشروعات بالهيئة، واللواء محمد البحيري، والعميد ياسر حمزة، والمقدم محمد طلعت، وبالرغم من أن تصريحات رجل الأعمال، لم تأتي بجديد، إلا أن غالبية المصريين انشغلوا بها كونها مثلت الحجر الملقى في الماء الراكد، ولم يحد علمهم الأزلي بسيطرة الجيش على الاقتصاد من المتابعة، لا سيما كونها جاءت بتفاصيل مشوقة، أكدت المؤكد، ودفعت كامل الأذرع الإعلامية إلى نفي التهم عن جنرالات مثلوا خطورة على الاقتصاد المصري طوال سنوات مضت.

 

قيمة ما يفعله رجل الأعمال المصري محمد علي، تكمن في إجبار النظام ورجاله على نفي التهم عن أنفسهم، والقسم مرارا وتكرارا أنهم أبرياء، وهذا لم يكن يحدث فيما مضى بل كانوا منزهين حتى عن مجرد الذكر في أي حديث، وهذا ما أكده علي عبد العال رئيس مجلس الشعب الذي صاح ولوح بيده إلى النائب محمد أنور السادات، محذرا إياه بكل غضب، من ذكر رجال الجيش وقيادته ممن قدموا ضريبة الدم (على حد قوله)، وذلك ردا على سؤال الأخير عن قانونية أن يجمع لواءات الجيش بين المعاش العسكري والرواتب الجديدة بعد تعيينهم في أجهزة الدولة المدنية، مستفسرا بكل أدب عن قانونية ذلك، (فيديو الواقعة مسجل على الانترنت لمن أراد مشاهدته).

  

  

وتفاجئنا جميعا بعد أيام قليلة بتحويل النائب إلى لجنة القيم، لأسباب واهية، وتم شطب عضويته وخرج من البرلمان إلى الأبد، وبذلك يكون درسا لكل من تسول له نفسه أن يتطرق إلى مكتسبات الجيش الاقتصادية أو يتعرض لأحد من قيادته، فالرسالة مفداها "نحن لن نرحم أحدا"، رجالنا خط أحمر، وبعد ما فجره محمد علي استدعى ملايين المصريين عبر الفضاء الإلكتروني، ما فعله نظام السيسي في المستشار هشام جنينة الرئيس السابق لجهاز المركزي للمحاسبات، ونشر أخباره وصوره، التي تضمنت إصدار محكمة عسكرية في 24 أبريل (نيسان) 2018 قرارا بحبسه لمدة خمس سنوات، بتهمة ترويج معلومات خاطئة عن القوات المسلحة في تصريحات صحفية.

  

وأثارت تصريحاته التي أكد خلالها أن تكلفة الفساد في مصر خلال ثلاث سنوات بلغت 600 مليار جنيه جدلا واسعا، وأشار آنذاك إلى أن دراسات وتقارير الجهاز الموثقة بالأرقام تفيد بأن التكلفة الحقيقة قد تتجاوز هذا الرقم، إلا أن ذلك دفع رجال النظام إلى اعتقاله وتوجيه تهم قد لا يرى نور الشمس، على إثرها، مرة أخرى، المصريون دائما ما كانوا على علم بأن الجيش ومن خلال جنرالات عبد الفتاح السيسي يتحكمون في الاقتصاد، ويحتكرون غالبية السلع الحيوية، بدءا من حليب الأطفال الرضع مرورا باللحوم المستوردة والأدوية والملابس، وانتهاء بمشاريع التشييد والبناء، إلا أن القيمة المضافة التي يقدمها محمد علي هو تحطيم الأصنام ودفع العبيد إلى نفي التهم عما يعبدونهم، فهذه قيمة كبيرة حققها رجل الأعمال وإن كانت عن غير قصد، فهي تمثل ضربة قاضية لمن نصبوا أنفسهم آلهة لا يجوز ذكرهم أو النظر إليهم.

  

وبأسلوبه البسيط وطريقته الشعبية نجح محمد علي في الوصول إلى قلوب المصريين، كاشفا عن تناقض السيسي وسلوكياته المتضادة، وكذب ادعائه فقر الدولة وقوله: "لو أقدر أتباع أتباع"، ومطالبات المصريين بالتبرع "ولو بجنيه"، فهو يكشف ستر الجنرال الذي أهدر مئات الملايين على نفقات شخصية لم تدخل لخزينة الدولة جنيها واحدا، بل سخر مقدرات المصريين لخدمته هو وأسرته، تتجلى عبقرية محمد علي في تلقائيته، فهو لا يقرأ من ورقة ولا مستعد بتفاصيل مكتوبة، بل جميعها من رأسه، الأمر الذي يشير إلى مصداقية رواياته، لا سيما كونه كان أحد رجال النظام ومقرب من كبار الجنرالات التي اتهمها بالفساد.

  

الرجل يناشد الشعب بالفصل بينه وبين الجيش فيما يدعيه، ورجال الجيش يناشدون الشعب في عدم تصديق الأكاذيب، والأذرع الإعلامية تناشد الشعب الدفاع عن جيش بلاده، وحماية الوطن الذي يمثله السيسي ونظامه، الجميع يعلم أن الشعب هو كلمة السر، الشعب هو مصدر السلطات الذي قد يقلب الموازين ويعيد الحق لأهله، فهل يقول الشعب كلمته الحاسمة، وينتفض في صوت واحد ويقول (ارحل).. هل يفعلها؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة