ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز
2.6 k

هل يسدل الستار على حزب العدالة والتنمية التركي؟

12/9/2019

منذ أيام قدمت اللجنة التنفيذية في حزب العدالة والتنمية التركي طلبا بإحالة القيادي بالحزب ورئيسه السابق ورئيس وزراء تركيا أحمد داوود أوغلو للجنة التأديبية تمهيدا لفصله على خلفية نقده المستمر خلال الفترة الأخيرة للحزب وقياداته وسياساته، والتي صعد وتيرتها مستغلا هزيمة مرشح الحزب على مقعد رئيس بلدية إسطنبول، وهو ما رآه الكثيرون داخل الحزب ابتعادا عن أخلاقيات الحزب أو حتى المروءة، فالتركي لا يجهز على جريح.

  

سلوك سبقه خطوات حثيثة لتشكيل كيان جديد، يقول البعض أنه بدأ منذ ثلاث سنوات، وتحديدا بعد استقالته من رئاسة الوزراء على إثر خلاف بينه وبين الرئيس أردوغان على سياسة بلادهما تجاه سوريا، والتي رأى الرئيس أنها لا تصلح وتحتاج إلى وقفة ورآها مهندسها - أحمد داوود أوغلو - أنها الأمثل، وإن كان هذا السبب ليس الوحيد لكنه الأهم بالنسبة لأستاذ العلاقات الدولية والذي يرى أنه رفع تركيا بنظرية (صفر مشاكل) إلى ما هي فيه، وجعلها دولة محل ثقة واستقرار يضخ فيها مليارات الدولارات من الاستثمارات من الشرق والغرب، وهو ما لا يستطيع أن ينكره أحد، ولا الرئيس نفسه، وهي النظرية التي حاول داوود أوغلو أن يتمسك بها ورفضها الرئيس، وهي نفس النظرية التي جعلت مهندس الاقتصاد التركي في الحكومات المتعاقبة للعدالة والتنمية يستقيل

  

 إذ يرى على بابا جان القيادي المؤسس في الحزب ووزير الخارجية والاقتصاد الأسبق أن أزمة تركيا والحزب ورهانات زواله هو الملف الاقتصادي، وهو الملف الذي أوكل، من وجهة نظر بابا جان، إلى غير أكفاء، ومن ثم كان سببا في تراجع شعبية الحزب وهزيمته الأخيرة في إسطنبول، وهو ما كان بالنتيجة سببا لتجميع كل من داوود أغلو وبابا جان القيادات العليا والوسطى السابقة في الحزب من أجل تكوين كيانات جديدة أعلن بابا جان عن كيانه بالفعل، ولا يزال داوود أوغلو يناور رغم المعلومات شبه المؤكدة عن تشكيله لحزبه.

    

السياسة لا تعرف الثبات، والمتغيرات أحد ركائزها سواء في المواقف أو حتى القناعات، وتحولات قيادات العدالة والتنمية مقبولة، والخريطة الحزبية التركية طالما شهدت هذه التحولات

لكن بالنظر إلى المعطيات التي بنا عليها القياديان المنفصلان عن الحزب نقدهما، نجد أنها معطيات يمكن أن تنطلي على العامة بالأخذ بالنتائج دون النظر إلى الأسباب والمقدمات، لكنها بالنتيجة معطيات غير علمية ولا يجب أن تصدر من قيادات سياسية وقامات علمية، فالعوامل الخارجية أثرت بشكل كبير على تعاطي الحزب مع الأزمات التي داهمت البلاد في الفترة الأخيرة، يضاف إليها تطلعات الناخب الذي تغيرت تركيبته العمرية بعد أن دخل ملايين الناخبين الشباب إلى القوائم، وهي الفئة المتطلعة لمزيد من الخدمات وفرص العمل وكثير من الرفاهية.

 

أما الإنجازات الكبيرة والمشاريع العملاقة، ومكانة بلاده سياسيا وعسكريا بين الكبار، فلا تهتم كثيرا بها هذه الفئة، فغالب الشباب التركي الآن عينه على الغرب ويطمح في حياة أقرب ما تكون لذلك النمط، وهو ما يعني أن خطاب التذكير بما كانت عليه تركيا قبل العدالة والتنمية لم يعد يجدي نفعا مع هذه الشريحة التي تزداد عام بعد عام، أما عموم الناخب التركي فإنه تأثر كثيرا بالضربات الاقتصادية المفتعلة، واستغلت المعارضة هذه الضربات لتوجيه أخرى للإدارة التركية التي دعمت الشعب السوري لتحمل اللاجئين مسؤولية هذه الأزمة متغافلة عن الأسباب الحقيقية لها، وهو ما ساهم في إظهار تراجع الحزب والذي دللت عليه خسارته المدن الكبرى في الانتخابات البلدية.

  

أحمد داوود أوغلو لم يكن يوما قيادة شعبية في الحزب ولا من مؤسسيه، ولكنه -بصدق- أحد مهندسي سياساته، وشريك مهم في صناعة نجاحاته في فترة ليست بالقليلة، وكذا الحال بالنسبة لعلي بابا جان مهندس الاقتصاد التركي وأحد جسور تمويل تركيا استثماريا، معتمدا في ذلك على السياسة التركية المتزنة بين الشرق والغرب، والتمدد نحو الشرق بعد أن تأكدت مراوغة الغرب في انضمام بلاده للاتحاد الأوروبي، مع ذلك فإن القياديين الكبيرين يفتقدان للكاريزما التي يعشقها الشعب التركي، فشخصية القائد مهمة جدا عند الناخب، فالاثنين كانا موظفان أكثر منهما قائدين، ولعبا دوما دور الرجل الثاني حتى رئيس الوزراء الأسبق داوود أوغلو، كان الشعب يرى فيه منفذا أكثر منه مبادرا.

 

السياسة لا تعرف الثبات، والمتغيرات أحد ركائزها سواء في المواقف أو حتى القناعات، وتحولات قيادات العدالة والتنمية مقبولة، والخريطة الحزبية التركية طالما شهدت هذه التحولات والمقام لا يتسع لعرض الأمثلة، والقول بأن العدالة والتنمية يشهد استقرارا منذ نشأته حديث يفتقد للموضوعية، فلقد مر على الحزب مواقف كهذه حتى بعد تأسيسه، نعم ليست بالكثيرة لكنها موجودة، وهو ما لم يهز الحزب، فالأفراد زائلون وتبقى المؤسسات، لكن لكي تبقى المؤسسات فعليها أن تتخذ تدابير أولها بناء جسور الثقة مع الشعب مرة أخرى بالتوازي مع بناء كوادر شابة تحمل في قلبها، قبل خطابها، المبادئ التي أسس عليها الحزب.

 

التغيير يحتاج فترة كما يحتاج تدرجا، وحتى يستعيد الحزب شبابه عليه أن يدفع بالشباب ويستبعد الوجوه التي عليها لغط، ولتتذكر قيادة الحزب دوما أن إرضاء الشعوب غاية لا تدرك، والعمل الجاد والنزاهة كفيلة بالبقاء في سدة الحكم، لكن بالنتيجة فإن ما يمتلكه حزب العدالة والتنمية من نجاحات وقيمة مضافة إلى ذلك كاريزما رئيسه يجعل الحزب في مأمن عن الانهيار بشكل كبير.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة