جميل فتحي الهمامي
جميل فتحي الهمامي
650

أندريا زانزوتو الشاعر الذي قتله شعره!

15/9/2019

في مقال له في مجلة الحياة السعودية بتاريخ 16 مارس 2017، قال الناقد اللبناني انطوان جوكي: لا نبالغ في اعتبار أندريا زانزوتو 1921 - 2011 الشاعر الأكثر فتنة، وأيضاً الأكثر صعوبة بين الشعراء الإيطاليين الحداثيين.

  

لكننا نخطئ حين ننظر إليه كشاعر التفكيك والتجريب اللغوي فحسب ونحاول بذلك تفسير صعوبة قراءته. فمنذ ديوانه الأول، خلف المشهد 1951 الذي حاور فيه وجوه التيار الهرمسي لوزي، بيغونجياري وسيريني في بداياته بحث زانزوتو عن مرسى لترسيخ اللغة، عن ميثاق جديد بين الشعر والعالم، بعد تواري التيار الأورفي. وبالتالي، فهو لم يكن شاعراً تجريبياً فحسب، بل خصوصاً شاعراً عميقاً زعزعت صراحته ورقّته اللغة بطريقة أكثر راديكالية من معظم الشعارات الطلائعية، ومن خلال استعراض هذه الشهادة النقدية لانطوان جوكي حول شعر اندريا زانزوتو، سنحاول في هذا المقال تقديم مقاربة نقدية لهذا الشعر باعتباره رائدا في الشعر التجريبي.

  

إنّ انطلاق تجربة الشعر عند زانزوتو تشبه كثيرا الارث الحضاري للشعر الذي ظهر في اثينا القديمة. حيث تقول الأسطورة أنّ هوميروس أخذ سمات كثيرة من تلك التي وجدها عند المنشد الضرير عندما التقيا في جزيرة خيوس. وهذه الذكريات ترجع إلى العهد الذي كان فيه الشاعر شخصا ملهما له نوع من القداسة الشيء الكثير ويتلقى الوحي من الآلهة، ولم تكن صفة العمى إلا العلامة الخارجية للنور الداخلي الذي يملأ كيانه ويتيح له أن يرى أشياء لا يراها الآخرون. بهذه العاهة الجسدية شـأنها شأن العرج عند الصائغ الإلهي. ولكن إذا استثنبنا هذه الصفة، فإن هوميروس الأسطوري يكاد يكون مثلا كاملا للشاعر الأسطوري الذي كان لايزال ذا طبيعة إلهية، والذي كان نبيًّا وصانع معجزات.

 

كثيرا ما نجد الغرض الشعري لزانزوتو يكمن في البساطة والتجريب، التقليد والمسعى الطلائعي، البساطة والتعقيد... باختصار، زانزوتو هو شاعر عالمٍ صغير في ظاهره وأيضاً شاعر التطلّعات الأكثر شمولية

وبعيدا عن الأسطورة، وفي كتاب شغف وأيديولوجيا لبازوليني، اعتبر هذا الأخير أن العبقرية الشعرية في التجريب لزانزوتو تكمن في قدرته على املاء حياته كرجل هامشي معزول عبر تحويل نفسه انطلاقاً من المشهد الذي يشغله وعبر تحويل المشهد انطلاقاً من نفسه، داخل لغة أضحت جسداً، معادلاً مادّياً صافياً. وقد تطرّق زانزوتو إلى أسلوبه الخاص في أبعد من الحرارة الحارقة، الذي جمع فيه نصوصه النثرية الشفّافة التي تختلف كلياً عن نزوات شعره، وإن شاركتها مصدر الوحي ذاته، فوصفه بواقع منسوج لكن مكثَّف، فارغ المركز، وذي صبغة عدمية محدَّدة إلى ما لا نهاية.

 

لكن هذين التعريفين، على أهميتهما، لا يمنحاننا فكرة عمّا يميّز أسلوبه، أي التلاعبات اللفظية والتوريات والسعي إلى تجسيم القصائد ومدّها أحياناً برسوم غرافيتية، والاستخدام المنحرف لعبارات علمية، وتفكيك النحو الذي يدعم ويرافق وصفاً مذهلاً لحالات ذهنية تقع على حدود الأذهان، أو لأحلام يقظة داخل مشاهد قمرية أو ريفية. مميّزات نجدها كلها سواء في منادى أو في انطباعات مفرطة، علماً أن المسافة الزمنية التي تفصل هذين الديوانين كبيرة جداً. فبينما يتضمّن الأول قصائد كتبها الشاعر بين عامي 1949 و1956، يذهب الديوان الآخر بنا إلى قصائد المرحلة الأخيرة من مساره. ومع ذلك، ثمة رابط يجمع هذين الديوانين، عدا عن المميزات المذكورة، ونقصد تلك الصورة المؤسِّسة والجوهرية للمشهد الطبيعي التي تشكّل نقطة رسو وجودية لشعره.

 

من هنا يمكن القول بأن قصائد زانزوتو تذوب في تلك النقطة التي تشكّل عالمه الواقعي والداخلي، أي مشهد مقاطعة فينيتو الإيطالية بمستنقعاتها المهددة بالتواري وأنهارها التي تفيض أو تشحّ بسبب زحف الحداثة، وقُراها التي تعود إلى القرون الوسطى والمهددة بالاختناق. فضاء طبيعي وذهني يتجذّر في ذلك الاجتياح المدمِّر الذي سعى الشاعر إلى فضحه منذ ديوان «منادى»، ضمن اندفاع صورٍ مدهشة بنحوها الخاص الذي يذوّب داخل مصهر كيميائي واحد جميع أشكال اللغة، مضمّناً قصائده ألفاظاً جديدة وكلمات وترنيمات طفولية ومفردات محلية وعلمية، وأخرى مبتكَرة تقوم على الجناس والمحاكاة الصوتية، ومازجاً فيها القديم والجديد، الحداثة المدمِّرة وشعراء التقليد الشعري الإيطالي الكبير، من فيرجيل إلى ليوباردي، مروراً بدانتي وبيترارك وفوسكو.

 

كثيرا ما نجد الغرض الشعري لزانزوتو يكمن في البساطة والتجريب، التقليد والمسعى الطلائعي، البساطة والتعقيد... باختصار، زانزوتو هو شاعر عالمٍ صغير في ظاهره وأيضاً شاعر التطلّعات الأكثر شمولية. شاعر الجمال والمناظر الطبيعية، وأيضاً شاعر القدَر وتاريخ البشرية. ومع أنه أيضاً ناثر مذهل وناقد قل نظيره، لكن كل شيء فيه يقود إلى القصيدة.

 

في الختام نشير إلى أن قصائد اندريا زانزوتو لم تكن تجريبية فحسب بل كانت نقلة حقيقية في وضع أسس القصيدة المتشظية والتي تشارك الكاتب والقارئ في وضع تقاسيمها. ان زانزوتو قد عبر بشعره ثقوب الزمان والمكان واستطاع ان يرسو في بر التجريب كواحد من الشعراء العبقريين.. حتى انّ بازوليني قد قال عنه، لقد قتله شعره.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة