رجاء الهبطي
رجاء الهبطي
1.3 k

ثقافة العيب.. وتخوف الآباء من التربية الجنسية

21/9/2019

خُلقنا على الفطرة، قال تعالى: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ" الروم (31،30). فالفطرة هي ما خُلق عليه الإنسان ظاهرا أو باطناً، أي جسدا وعقلا، فالصفة الفطرية الأساسية الجامعة هي الإستقامة والسلامة، والميل إلى السلوك المستقيم. وبعد ذلك تدخل عوامل أخرى لتبني عقل وشخصية الفرد التي قد تكون في نفس طريق الفطرة السليمة أو معاكسة لها، ومن أهم العوامل الوالدين والمجتمع.. فللوالدين دور كبير في إرشاد الطفل ودفعه إلى اعتناق أساسيات ومفاهيم ومبادئ أخلاقية ودينية، تبني شخصيته وفكره لينشأ شخص سوي مفكر يعرف التفريق بين الخطأ والصواب، ويختار توجهاته الصحيحة بملأ إرادته.

مجتمعاتنا تربت على كلمات في سياق "عيب وحرام" فينشأ جيل مقموع لا يتجرأ حتى على البوح بكلمة تمت بصلة للجسد وتركيباته الفزيولوجية والعضوية، فالجسم البشري يتكون من عدة أجهزة مصنفة فيزيولوجيا استنادا إلى علم وظائف الأعضاء، والجهاز التناسلي يعد من بين الأجهزة التي تعرف تحولات مع التغيرات الهرمونية، وعلى خلاف معظم أنظمة الجسم، غالبا تكون الاختلافات كبيرة بين الجنسين. عند البلوغ وهي مرحلة من مراحل نمو الإنسان التي يحدث فيها نضج جنسي، بعد حدوث التغيرات الهرمونية بواسطة جزء في المخ معروف باسم "Hypothalamus" الذي يحفّز الغدّة النخامية، و هي بدورها تنشط الغدد الأخرى بالمثل، فهرمون التناسل الذكري هو "التستسترون" أما هرمون التناسل الأنثوي هو "الإستروجين". فالتجربة التي يمر بها الذكور والإناث أثناء مرحلة البلوغ تجربة جديدة غير معتاد عليها، وتصيب العديد من حالة عدم توازن واستغراب التي قد تؤدي إلى حدوث اضطرابات نفسية.

بعض الآباء والأمهات يشعرون بالحرج بمجرد سؤال أطفالهم فجأة، فيكتشفون أن عليهم الإجابة على أسئلة في أغلب الأحيان تكون متشابهة مثل: كيف يولد الأطفال؟ ماذا يفعل المتزوجون؟ أو حتى استفسار عن الأعضاء الجنسية

فلا نرى المراهق إلا منطو خائف يتخبط في أسئلته الامتناهية في رحلة بحث عن الذات، ما يدفعه للانطواء والانعزال واللجوء إلى أساليب غير صحية وأخلاقية قد تشبع فضوله نوعا ما، ما يدفع لتشكل شخصية غير سوية منافقة ومنفصمة ومنعزلة عن المجتمع، سببها تهرب الآباء وأيضا المدارس والمساجد من مسؤولية التربية الجنسية. فالتربية الجنسية مفهوم واسع يشمل تعليم: التشريح الجنسي، التكاثر الجنسي، التركيبات العضوية، البلوغ وأحكامه، الحيض والنفاس، العلاقة بين الجنسين وضوابطها وغيرها.. ومن هذا المنطلق، وجب على الأسرة أن تعي أهمية التربية الجنسية من خلال روافدها الإسلامية وكتب علمية سليمة ينصح بها أهل التخصص.

فمن الكتب التي قد تساعد الآباء في فهم أطفالهم وخصوصا في مرحلة المراهقة، نجد كتاب التربية الجنسية للدكتور محمد علي الحاج، يبين الكاتب فيه التغيرات الجسمانية التي تصيب الأطفال، ذكورا وإناثا وكيفية إرشادهم والتعامل مع هذا الأمر بدلا من الخوف والقلق، وتجنب المربين الخوض في مثل هذه المواضيع إذا ما سُئلوا من قبل الأبناء عنها، فنجد الكتاب يضم ما يتعلق بالتربية الجنسية للطفل من مراحل حياته الأولى وحتى وصوله إلى سن البلوغ. أيضا من الكتب المهمة والمترجمة إلى العربية كتاب الدكتور بنجامين سبوك، وهو أحد الجراحين الذين برزوا في بداية القرن الماضي، وقد اختص في مجال معالجة الأطفال في وقت لاحق. فنجده يتطرق في كتابه: "دكتور سبوك يتحدث إلى الأمهات"، إلى مراحل التربية في أطوار نمو الأطفال ومجموعة التغيرات والأمور الطبيعية التي يمكن أن تواجهها الأم في هذه المرحلة، التي تؤثر ويتأثر بها الطفل.. وفي نهاية الكتاب يتحدث الدكتور سبوك عن مرحلة المراهقة، وما فيها من تحولات وتقلبات في تصرفات الأولاد وسلوكهم وتوجهاتهم الفكرية والعقلية.

من جهة أخرى نجد كتاب: أطفالنا والثقافة الجنسية دليل لا غنى عنه للوالدين لـ "جريس كيترمان" الكتاب يقدم دليلاً إرشاديًا للوالدين في كيفية التربية الجنسية لأبنائهم بشكل مبسط، حتى لا يحيط بهذا الموضوع هالة من الغموض في عيون أطفالهم تجعلهم يلجئون لمصادر معلومات أخرى غير موثوق بها، مما يؤدي إلى تكوين مفاهيم خاطئه لديهم عن الزواج والعلاقة الحميمية بين الزوجين، مما يؤثر سلبًا على حياتهم الزوجية في المستقبل. ونظل في حلقة مفرغه من الغموض والمشكلات. ويؤكد في مقدمة الكتاب على أهمية أن يأخذ الآباء والأمهات أدوارهم بجدية في التربية الجنسية لأبنائهم، لأن إهمال هذا الدور قد يكون معناه انحرافًا جنسيًا بكل صوره وأشكاله، وبخاصة مع ظهور صور عديدة لانتهاك براءة الأطفال في العصر الذي نعيش فيه.

بعض الآباء والأمهات يشعرون بالحرج بمجرد سؤال أطفالهم فجأة، فيكتشفون أن عليهم الإجابة على أسئلة في أغلب الأحيان تكون متشابهة مثل: كيف يولد الأطفال؟ ماذا يفعل المتزوجون؟ أو حتى استفسار عن الأعضاء الجنسية، فيتعمد الآباء الكذب على أطفالهم أو التهرب من الإجابة مع توبيخهم وتعنيفهم على جرأتهم في طرح مثل هذه الأسئلة.. بدل إعطاء معلومات مبسطة وحقيقية حسب المرحلة العمرية والقدرة العقلية للطفل، فالتهرب من الأسئلة والإرتباك يلفتان نظر الطفل ويزيدان من فضوله الجنسي وذلك يتسبب في مشاعر اضطراب وقلق مستقبلا.

الثقافة الجنسية ليست عيب و كلام محذور، إنما حاجة ضرورية وملحة لصحة أطفالنا النفسية ومساعدتهم لبدئ مراهقة سليمة، لتوفير لهم الأمان والمساحة والثقة للسؤال عما يدور في ذهنه وعماّ يسمع ويرى، لمنحه الأمان عند الحديث عن هذه الأمور كونها أمور طبيعية وفطرية، عوض إيجاد بديل في عصر هذا الانفتاح التكنولوجي، الذي قد يجعله عرضة للانحراف عن طريق صديق منحرف أو معلومات خاطئة.. أو عرضة للتحرش الذي أصبح كابوسا يخيف الآباء، لهذا وجب جعل المعاومات واضحة في أذهان أطفالنا لحماية أنفسهم من المنحرفين.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة