د. محمد إبراهيم المدهون
د. محمد إبراهيم المدهون
122

نتنياهو أمام غزة.. حسابات معقدة

15/9/2019

عدوان عسكري شرس يفضى إلى شطب حماس خيار على طاولة نتنياهو، مع استحضار لمساهمة ذلك في القضاء على عدو استراتيجي، وفتح الباب لتعزيز وعودة سلطة رام الله إلى غزة، على قاعدة البرنامج المطبق في الضفة (التنسيق الأمني)، وتعود غزة بذلك إلى سوق عمالة رخيص، مع تجديد للعلاقة الاقتصادية عبر المناطق الصناعية على معابر غزة، وما تمثله ذلك من تعاطي (إسرائيل) مع الرؤية الإقليمية في شطب الإخوان، وكذا من تحقيق لرؤية (إسرائيل) جزء من محور يتشكل في المنطقة، فضلاً عن إعادة الاعتبار لــ(إسرائيل) كقوة ردع، بعد أن تهاوت في ناحل عوز، وزكيم، وأبو مطيبق.

  

في المقابل، حساب السرايا ليس كحساب القرايا، فغزة التي تعطلت على تخومها مجنزرات الاحتلال لــ(51) يوماً مع إذلال غير مسبوق فإن استقراء (إسرائيل) للوقائع التاريخية ودراسة المعلومات الميدانية فإنها ستكون أمام قرار عسكري مُعقد، ربما يذهب باستقرار المنطقة الذي سعت له (إسرائيل) بعد ما عطلت ما يعرف بالربيع العربي، فضلاً عن احتمالية عالية لاشتعال الضفة، مما سيسقط شرعية السلطة، وسقوط ورقة (التنسيق الأمني) الهامة، وكذا اشتعال جبهته في الشمال حال كانت استراتيجية تزامن الجبهات معتمدة لدى أطرافها.

 

لعنة غزة التي طالت رابين وشارون ومزيد لا حصر له من القيادة الأقل وزنًا منهما ليست بمنأى عن نتنياهو الملك

كما أن تأثير ذلك سيطال مشروع تصفية القضية الفلسطينية فيما يعرف بـصفقة القرن والتي أودعت القدس والجولان في يد نتنياهو، وما زال في انتظار الضفة وغور الأردن. فضلاً عن تعطيله للشق الاقتصادي منها والقائم على تطبيع عربي من الباب للمحراب، والمنافسة شاهد والهجوم على حماس واعتقال رجالها في عواصم عربية يفتح شهية نتنياهو على مصراعيها أن يصل مبتغاه دون أثمان تمس مستقبله ودولته.

 

وحتى حال تحقق إعادة احتلال غزة فإن ذلك سيضع (إسرائيل) أمام المسؤولية الاقتصادية والأمنية المعقدة، مما سيشكل تناقضًا مركزيًا مع سياسة (إسرائيل) في عدم تحمل عبء السكان الفلسطينيين لصالح أكبر سيطرة على الأرض، فضلاً عن سقوط الاتفاقات التي رعتها المنظومة الدولية، وإذا رغبت (إسرائيل) في ترك غزة تفاوضياً لصالح السلطة فإنها ستعود إلى نقطة صفر في مشروع حل الدولتين الذي نقضته الحكومة اليمينية، وكذا إدارة ترمب الحالية، وحال الانسحاب من غزة دون توفير البديل ستكون (إسرائيل) أمام سيناريو الفوضى، وربما خلاله سيكون حكم حماس الخيار السيء لنتنياهو هو الأفضل بالمقارنة.

 

لذلك وأمام الانتخابات الإسرائيلية والمسار الإجباري لنتنياهو إما السجن أو رئاسة الوزراء متوجاً ملك استثنائي في أطول مدة حكم يقف نتنياهو على هذا المفترق الصعب والحساس، ولكنه يسير على هذا الخيط المشدود بمنتهى الدقة والحساسية والذكاء، ويتجرع صورته المهنية وهو يأوي إلى ملجأ ينجيه من لعنة غزة على مرأى من العالم، ولكن لعنة غزة التي طالت رابين وشارون ومزيد لا حصر له من القيادة الأقل وزنًا منهما ليست بمنأى عن نتنياهو الملك. وتقديري أنه سيصل إلى رئاسة الوزراء، فلم يعد له نظير في القيادة الحالية بعد اندثار الجيل المؤسس. ولكنه سيبقى أمام غزة وحساباتها شديد الحساسية، وسيكون دومًا ضعيفًا في قراراته في مواجهتها "ولله في خلقه شؤون".

" وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (يوسف: 21)

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة